صحيحٌ أنه لا يُمكننا تجنب الإصابة بكوفيد-19 لبقية حياتنا، لكن يُمكننا الحد من تأثيره.

نشرت مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية تقريرًا أعدته سارة تشانج، عضو هيئة تحرير المجلة، استعرضت فيه أن مرض كوفيد-19 أصبح واقعًا لن ينتهي وينبغي أن نتعايش معه، كما تعايشنا مع غيره من الأوبئة من قبل، ورصدت الطريقة التي يمكننا من خلالها التعايش مع كوفيد-19.

التحصين ضد الإصابة بفيروس كورونا يتلاشى سريعًا

في مطلع تقريرها، تسرد الكاتبة تجربة أجراها بعض الأطباء في ثمانينيات القرن الماضي عندما حاولوا عمدًا حقن 15 متطوعًا بفيروس كورونا. وفي ذلك الوقت، لم يكن كوفيد-19 موجودًا، لكن أثار انتباه الأطباء أن فيروس كورونا ينتمي إلى عائلة فيروس يُطلق عليه 229E، والذي يُسبب نزلات البرد. وكان فيروس 229E واسعَ الانتشار وغامضًا. وأُصيب معظم الناس به، ربما عندما كانوا أطفالًا، لكن نزلات البرد الناجمة عن الإصابة به كانت طفيفة جدًّا لدرجة أنها لم تكن ملحوظة. وبالفعل، رَشِحت أنوف 15 متطوعًا بالغًا أصيبوا بـ229E، أُصيب بالمرض 10 فقط، وظهرت أعراض البرد على ثمانية من هؤلاء العشرة.

Embed from Getty Images

وفي العام التالي، كرَّر الأطباء تجربتهم، وتعقَّبوا المتطوعين الأساسيين في التجربة الأولى باستثناء متطوعًا واحدًا، ورَشِحت أنوفهم مجددًا بعد حقنهم بنوع 229E. وأصيب ستة من المصابين في التجربة الأولى مرةً أخرى، ولكن لم تظهر عليهم أي أعراض في المرة الثانية. وخلُص الأطباء إلى أن التحصين ضد الإصابة بفيروس كورونا يتلاشى سريعًا وقد تتكرر الإصابة به بصورة طبيعية. لكن الإصابات به لاحقًا تكون أكثر اعتدالًا دون ظهور أعراض.

ويُوضح التقرير أن هذه الدراسة المصغرة لم تُخلِّف أثرًا كبيرًا في ذلك الوقت. إذ كانت فيروسات كورونا ما زالت تفتقر في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي إلى الأبحاث الفيروسية، لأن نزلات البرد الناجمة عنها بدت بسيطة. وفي ربيع عام 2020، أعاد العلماء اكتشاف هذا البحث الذي مضى عليه عقود. وقبل ظهور فيروس كورونا-سارس-2، المتسبب في الإصابة بكوفيد-19، كانت هناك أربعة فيروسات كورونا تصيب الإنسان، ومنها نوع 229E. وتتسبب جميع هذه الفيروسات الأربعة في الإصابة بنزلات البرد، وتنقل الكاتبة ما قاله لها بعض الخبراء إن فيروس كورونا الحالي سيكون خامسهم. وفي هذه الحالة، قد يبدو كوفيد-19 مثل نزلات البرد المتكررة وغير الملاحظة كثيرًا والناجمة عن 229E.

هل سيتحول كوفيد إلى مرض متوطن؟

قد يكون من الصعب تصور هذا المستقبل مع اكتظاظ وحدات العناية المركزة بالمرضى مجددًا خلال موجة متحور دلتا، لكن الجائحة ستنتهي بطريقة أو بأخرى. ولا يزيد الارتفاع الحالي في عدد الإصابات والوفيات عن كونه نتيجة لتصدي أجهزة المناعة البسيطة لفيروس كورونا المستجد. وعندما يكتسب عدد كافٍ من الناس المناعة من خلال التطعيم أو الإصابة، فإن كورونا سينتقل إلى ما يسميه علماء الأوبئة بـ «المرض المتوطن». وهذا لن يُقضى عليه، لكنه لن يُؤثر في حياتنا بشدة بعد الآن. ومع وضع هذا الغطاء من المناعة الأولية، ستقل حالات دخول المستشفى والوفيات الناجمة عن كوفيد-19. وقد تواصل الإصابات الارتفاع والانخفاض بصورة موسمية، ولكننا سنتفادى وقوع أسوأ النتائج.

وأفاد التقرير أنه لا يمكننا التخلص من فيروس كورونا نهائيًّا، وينبغي علينا الاستعداد لمواجهة احتمالية تعرضنا جميعًا للمرض بطريقة أو بأخرى. يقول ريتشارد ويبي، أخصائي الأمراض المعدية بمستشفى سانت جود، إن الفيروس: «أصبح شيئًا علينا التعايش معه. وطالما أنه لا يُؤثر في الرعاية الصحية إجمالًا، فأعتقد أننا نستطيع ذلك».

علوم

منذ شهر
«بوليتيكو»: أفريقيا بصدد إنتاج لقاح لفيروس كورونا.. خبر غير سار لكبرى شركات الأدوية!

ويبدو من الواضح تمامًا أن كوفيد-19 سينتهي به الحال إلى أن يصبح مرضًا متوطنًا، لكن كيفية الوصول إلى ذلك تبدو أقل وضوحًا. وتشير الكاتبة إلى ما كتبه زميلها إد يونج أن احتمالية تفشي كوفيد-19 المستوطن لا يعني التخلي عن جميع التدابير الاحترازية. وكلما تمكنا من تسطيح منحنى الإصابات الحالي، قلَّ معه عدد المستشفيات التي تكتظ بالمصابين وكسبنا مزيدًا من الوقت لحقن غير الملقَّحين باللقاح، بمن فيهم الأطفال. وقد يُؤدي ترك الفيروس لينتشر عن طريق الأشخاص غير المحصنين إلى توطن المرض سريعًا، ولكنه سيؤدي أيضًا إلى قتل معظم الناس على طول الطريق.

ويُلفت التقرير إلى أن مسار كوفيد-19 المتوطن سيعتمد أيضًا على مدى استمرار تحور الفيروس نفسه. إذ أدَّى تفشي متحور دلتا بالفعل إلى إلغاء خطط إعادة الفتح الصيفية في الولايات المتحدة، ومع استمرار تعرض الكثيرين للإصابة، فإن الفيروس لديه عديد من الفرص للتحول إلى متحورات جديدة تعزز قدرته على الانتشار والإصابة من جديد. لكن النبأ السار هو أن الفيروس قد لا يتطور إلى الدرجة التي تصل فيه مناعتنا إلى الحضيض. وتوضح سارة كوبي، عالمة الأوبئة وعلم الأحياء التطوري في جامعة شيكاغو، أن: «الاستجابات المناعية مركَّبة جدًّا، ومن المستحيل أن يفلت منها جميعًا أي فيروس». 

سقف التوقعات بشأن اللقاحات نزولًا وصعودًا!

على سبيل المثال، تنخفض مع مرور الوقت مستويات الأجسام المضادة التي تعمل سريعًا على إبطال فيروس كورونا-سارس-2 بالفعل، كما يحدث مع معظم مسببات الأمراض، لكن احتياطيات الخلايا البائية والخلايا التائية تتربص بالفيروس. وهذا يعني أن المناعة ضد العدوى قد تتقلص في البداية، لكن الوقاية من الإصابة الشديدة والوفاة تصبح أكثر متانة واستمرارية.

وتنوه الكاتبة إلى أن الغرض الأساسي من اللقاح، في الواقع، هو الحماية من الإصابات الحادة وتقليل أعداد الوفيات. وتقول الكاتبة إنها عندما تحدثت إلى خبراء اللقاحات أثناء إجراء التجارب، أكد جميعهم على ضرورة النزول بمستوى التوقعات. إذ من النادر أن تحمي اللقاحات المضادة للفيروسات الجهاز التنفسي من الإصابة المباشرة لأنها أفضل في تحفيز المناعة في الرئتين منها في الأنف. (ولنضع في الحسبان أن لقاح الإنفلونزا فعَّال بنسبة 10 إلى 60% سنويًّا). كما قالت روث كارون، مديرة مركز أبحاث التحصين في جامعة جونز هوبكنز أن «الفعالية الاستثنائية» من التجارب السريرية الأولية رَفَعت سقف التوقعات. ومع لقاحي فايزر وموديرنا الفعَّالَين بنسبة 95% ضد الإصابة بالأعراض، بدا أن القضاء على كوفيد-19 ممكنًا، مثل الحصبة أو التهاب الغدة النكافية في الولايات المتحدة.

Embed from Getty Images

بيد أن مفاجأة غير سارة قد باغتتنا: وهي المتحورات الجديدة، مثل بيتا وجاما والآن دلتا، التي تضعف بعض الحماية من اللقاحات. تقول روث: «نحن حاليًا في المكان الذي توقعناه قبل عام. ولا تزال اللقاحات توفر الحماية الجيدة من الأمراض الخطيرة، كما هو متوقع، لكن مناعة القطيع تبدو مرةً أخرى بعيدة المنال، وسيستمر الفيروس في الانتشار، لكن أعداد الإصابات الحادة والوفيات ستقل بدرجة كبيرة».

ويُضيف التقرير أن سرعة تراجع الآثار الوقائية للمناعة ضد الفيروس يعتمد على عاملين: أولًا: مدى سرعة فقدان أجهزتنا المناعية قوتها ضد كورونا-سارس-2، ثانيًا: مدى سرعة تطور فيروس كورونا لإخفاء نفسه. ومع مرور الوقت، سيتغير الفيروس نفسه. ومع اكتساب مزيد من الناس للمناعة عن طريق الإصابة أو التطعيم، سيحاول فيروس كورونا إيجاد طرق للتهرب من هذه المناعة. وهذه نتيجة طبيعية للتعايش مع فيروس منتشر، تتحور الإنفلونزا أيضًا سنويًّا في استجابة للمناعة القائمة. لكن في سيناريو المرض المتوطن، ومع تمتع كثير من الناس ببعض المناعة، لن يتمكن فيروس كورونا من إصابة أكبر عدد ممكن من الأشخاص ولن يتكاثر عدة مرات في كل شخص يصيبه. تقول سارة كوبي: «أنا واثقة تمامًا من أن معدل التكيف مع المرض سيُحدَّد عن طريق انتشار كورونا-سارس-2 في العالم». 

ما فعالية اللقاحات بشأن كوفيد طويل الأجل؟

وفي السياق ذاته، قال ستيفن مورس، عالم الأوبئة في جامعة كولومبيا: «إذا لم تكن وطأة المرض كبيرة، فإننا نتعامل مع الفيروس على أنه أمر مُسلَّم به. ومع ذلك، فإن نزلات البرد ليست حميدة تمامًا، إذ تسبب أحد فيروسات كورونا سابقًا في حالات تفشي مميتة للإصابة في دور رعاية للمسنين. وفي سيناريو أسوأ، يبدو كوفيد-19 مثل الإنفلونزا، التي تقتل ما بين 12 إلى 61 ألف أمريكي سنويًّا، حسب شدة الموسم. لكن الوفيات وحدها لا تعكس التأثير الشامل لكوفيد-19. يقول يوناتان جراد، عالم الوبائيات والباحث في الأمراض المعدية وعلم المناعة بجامعة هارفارد، هناك: «علامة استفهام كبيرة بشأن كوفيد طويل الأجل». ولا توجد حتى الآن أي بيانات لإثبات مدى فعالية اللقاحات في منع انتشار كوفيد طويل الأجل، لكن الخبراء اتفقوا بوجه عام على أن جهاز المناعة الحاصل على اللقاح يكون أفضل استعدادًا للتصدي للفيروس من دون التسبب في أضرار جانبية.

صحة

منذ شهرين
ما الذي يحقق مناعة أكبر أمام كورونا.. جرعة ثالثة أم تطعيم بشر أكثر؟

وأكدَّ التقرير أن انتقال الوضع إلى كوفيد-19 المتوطن أمر نفسي أيضًا. وعندما يتمتع كل شخص ببعض المناعة، يصبح تشخيص كوفيد-19 روتينيًّا مثل تشخيص الإصابة بالبكتيريا العقدية أو الإنفلونزا، وصحيح أنها ليست أخبارًا جيدة، لكنها ليست مدعاة للخوف أو القلق أو الحيرة أيضًا. وهذا يعني إغفال سنة كاملة من الرسائل التي تفيد أن كوفيد-19 لم يكن مجرد إنفلونزا. وإذا كان الارتباك ناجمًا عن التوصيات الصادرة من مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) في وقت سابق من هذا الصيف أن الأشخاص الذين تلقوا تطعيمات كاملة لا يحتاجون إلى ارتداء أقنعة الوجه له أي دلالات، فإنه يشير إلى أن انتقال كوفيد-19 إلى مرض متوطن قد يكون صعبًا جدًّا من الناحية النفسية. تقول جولي داونز، عالمة النفس في جامعة كارنيجي ميلون، إن: «الناس يجدون صعوبة في استيعاب قدرة الآخرين على تحمل المخاطر».

وتختتم الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى أن المجتمع الدولي اتفق على المخاطر الناجمة عن الإنفلونزا والتي كنا على استعداد لتحملها. لكننا لم نتفق بعد بشأن كوفيد-19. وواقعيًّا، ستكون المخاطرة أقل بكثير مما هي عليه الآن وسط موجة المتحور دلتا، لكنها لن تختفي أبدًا. تقول جولي داونز: «نحن بحاجة إلى تهيئة الناس أن المخاطر ستصل إلى الحضيض. وسوف تنخفض المخاطر إلى مستوى نجده مقبولًا نوعًا ما».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد