ظاهرة الرسائل الخاصة والمشاركات الجماعية تغير السياسة حول العالم، للأفضل وللأسوأ.

أعد الكاتب لورنس دوودز تقريرًا نُشر في صحيفة «التليجراف» البريطانية حول تأثير استخدام الواتساب في نشر الفوضى في أنحاء دول العالم الثالث. يذكر الكاتب أن الحكومة البريطانية ترى في تطبيقات الدردشة المشفرة أداة للإرهابيين والمتحرشين جنسيًّا بالأطفال والمجرمين، كما لامت تطبيق «واتساب» الشهير لرفعه مستوى التشفير، وتوفيره لجميع المستخدمين تلقائيًّا. وفي ذات الحكومة، يتجه العديد من البرلمانيين البريطانيين، ومنهم بعض الوزراء كذلك، لاستخدام تطبيق «سيجنال»، وهو تطبيق ينصح تنظيم داعش أعضاءه باستخدامه؛ نظرًا إلى مستوى الحماية والتشفير المتقدم الذي يقدمه.

يمثل هؤلاء النواب جزءًا من موجة هجرة عالمية من وسائل التواصل الاجتماعية العامة (مثل فيسبوك وتويتر) إلى وسائل تواصل عالية الخصوصية مثل تطبيق واتساب وتطبيق سيجنال. خاصة وفي خضم شكوك تزداد يومًا بعد يوم حول خصوصية البيانات المتعلقة بالمستخدمين، وتجسس الشركات الكبيرة، والفضائح التي تلت نشر شركة «Cambridge Analytica» تقارير توضح كيف تجمع كبرى الشركات التقنية معلومات دقيقة حول مستخدميها دون علمهم. إضافة إلى مخاوف عند عموم المستخدمين من استخدام المنشورات العامة في تهديدات أو هجمات شخصية، مما يدفع بالعديد من الشباب إلى الانتقال من فيسبوك وتويتر إلى واتساب (الذي يملكه فيسبوك) وسناب شات.

جانب من جلسة سماع مارك زوكربيرج مؤسس فيسبوك أمام لجنة من الكونجرس الأمريكي عقب نشر تقارير «Cambridge Analytica» المتعلقة باختراق بيانات المستخدمين

عندما تشارك منشورات في الشبكات الاجتماعية العامة، فأنت تبث دائمًا للجمهور، سواء كان ذلك الجمهور هو كل العالم أو بضع مئات من الأصدقاء، كما أن كل ما تنشره دائم البقاء ما لم تحذفه. أما في الدردشة الخاصة، فالأشخاص الوحيدون الذين يرون رسائلك هم الأشخاص الذين تختار أن ترسلها إليهم تحديدًا.

قد يستخدم الأصدقاء تطبيق واتساب لمشاركة مقاطع فيديو لعطلهم الصيفية، أو التلاميذ لمناقشة الواجبات المنزلية مثلًا. وأظهرت دراسة في أوكسفورد أن استهلاك الأمريكيين للأخبار يتحول إلى تطبيق واتساب؛ ويقول الكاتب: «أخبرتني إحدى الزميلات أن فريقها للرجبي قد فعل الشيء نفسه».

إلا أن الرسائل الخاصة قد لا تبقى ملاذًا آمنًا إلى الأبد -بحسب الكاتب. عندما اشترت شركة فيسبوك واتساب مقابل مبلغ ضخم في عام 2014، كان دافع الشركة هو الدفاع عن نفسها في وجه هذا النوع من التوجه، والابتعاد عن خدمتها. كما حاولت مرارًا وتكرارًا سحب مستخدمي واتساب وبياناتهم إلى مخازن «البيانات الضخمة» الخاصة بها، وقد تنجح في ذلك يومًا ما. ويشير المتخصصون في التسويق إلى إمكانية استخدام فيسبوك للمحادثات الخاصة والعاطفية والشخصية لبيع منتجات، وجمع المزيد من البيانات.

تمت السرقة بنجاح.. القصة الكاملة لفضيحة «كامبريدج أناليتيكا» التي هزت عرش «فيسبوك»

ومع ذلك، فمن الواضح أن هناك توجهًا كبيرًا ومستمرًا للخصوصية وحتى السرية عند المستخدمين -بحسب الكاتب، وإذا لم يوفر ذلك تطبيق ما، فسيبحث المستخدمون عن تطبيق آخر يقدم لهم هذا الأمر.

يقول الكاتب إن تبعات كل هذا قد تكون ذات تأثير عميقٍ فعلًا، ففي الجنوب العالمي؛ حيث يكون استخدام الإنترنت تقريبًا عبر الهواتف المحمولة بشكل كلّي، كما أن العديد من الأجهزة تأتي مع واتساب مثبت مسبقًا، وحيث تقوم أيضًا العديد من شركات الهاتف بإعفاء رسائل واتساب وفيسبوك الخاصة من رسوم البيانات.

وفي الهند، قُتل ما لا يقل عن 25 شخصًا نشرت عنهم شائعات على واتساب، واتهموا باطلًا بخطف أطفال أو سرقة أعضاء بشرية منذ مايو (أيار) على أيدي حشود من العصابات.

ويشير الكاتب إلى أن واتساب أصبح هو الأداة الرقمية الرئيسية في عملية الانتخابات الآن في أفريقيا وأمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا؛ حيث يستخدمه المتخصصون في قلب الحقائق لبث الإعلانات ونشر الشائعات حول المعارضين، واختبار رسائلهم السياسية مع جماهير مختلفة. يجمع مسؤولو الحزب أرقام هواتف الناخبين من فاعليات الحملات الانتخابية أو من خلال شرائها بشكل جماعي من وسطاء البيانات، أو الوصول إليها مؤقتًا عن طريق استئجار خدمات دردشة محلية، أو كما هو مزعوم في زيمبابوي، ببساطة يتم رفع الأرقام من قواعد بيانات الدولة. حتى أن بعض السياسيين في ماليزيا يرسلون تهنئة شخصية للناخبين بمناسبة عيد ميلادهم.

يذكر التقرير أنه من الممكن للمراسلات الخاصة نشر الفوضى أيضًا، يصف مدققو الحقائق أن أدوات التواصل هذه بمثابة صندوق أسود لعدم معرفة ما يتم مشاركته. في البرازيل، قامت 24 مؤسسة إعلامية بالتضامن معًا لمكافحة الشائعات التي تنشر على واتساب. وفي الهند، قُتل ما لا يقل عن 25 شخصًا نشرت عنهم شائعات على واتساب واتهموا باطلًا بخطف أطفال أو سرقة أعضاء بشرية منذ مايو على أيدي حشود من العصابات. كانت الإذاعة هي تقنية الإبادة الجماعية في رواندا، وقد تكون الرسائل الخاصة هي تقنية الإبادة التالية.

ضابط شرطة أوغندي يحمل قاذفة قنابل مسيلة للدموع أثناء الاحتجاجات على «ضريبة واتساب» المصدر: «أسوشيتد برس»

يحاول السياسيون في أرجاء العالم الحد من كل هذه الظواهر، ومنها أوغندا، والتي فرضت ضريبة على الرسائل الخاصة للقضاء على القيل والقال، مما أدى بالطبع إلى احتجاجات عنيفة. وفي بريطانيا، أصبح واتساب مصدرًا رئيسيًّا للتسريبات السياسية. ويذكر أن مستشاري ترامب مولعون بتطبيق رسائل «Confide»، والذي يحذف تلقائيًّا كل الرسائل المبعوثة من وإلى التطبيق، على الرغم من أن ذلك قد يخرق القانون الذي يتطلب منهم الحفاظ على جميع المحادثات التي تتم مع الرئيس.

والأهم من ذلك، أنه من الصعب رؤية كيف يمكن تقييد الطريقة التي يتم من خلالها استخدام الرسائل الخاصة دون تهديد حرية التعبير. وضع واتساب قيودًا على إعادة توجيه الرسائل، وخططًا متواضعة تم الإعلان عنها لمكافحة الأخبار المزورة، ولكنه بالطبع لن يستطيع أن يتحول إلى شرطي يقف على الرسائل الخاصة التي ترسل من خلاله، والتي تبلغ 55 مليار رسالة يوميًّا، بالطريقة نفسها التي يستطيع بها تويتر مثلا الإشراف على المشاركات العامة. وإذا حاول واتساب فعل ذلك، فستكون تلك نهاية التطبيق -بحسب التقرير.

«بوليتيكو»: يساعد الإيرانيين أم يخدعهم؟ شكوك حول تعاون «تليجرام» مع حكومة إيران

كما لا يمكن بالضرورة اعتبار شركات الرسائل الخاصة مسؤولة عن المحتوى الخطير بالدرجة نفسها من المسؤولية التي يمكن تحميلها للشبكات الاجتماعية العامة. وصحيح أن تطبيقاتهم تخلق جوًا من الخصوصية والثقة، والتي تساعد تجار المخدرات ونوادي الكتب على حد سواء، لكن ذلك تمامًا مثل الجلوس في غرفة خاصة.

يذكر الكاتب أن علاقة واتساب بالإرهاب تشبه إلى حد كبير علاقة البريد الوطني بطرف قلم مسمم (أي لا علاقة حقيقية)، بينما يمكننا تشبيه فيسبوك بالبريد الذي يرسل الرسائل الأكثر إثارة إلى 10 أشخاص إضافيين. فإذا تدخلت الحكومة في تنظّيم واتساب فهي تتدخل في عملية من ترويج الخطاب وإزالته. أما إذا تدخلت الحكومة في تنظيم فيسبوك فهي تتدخل في مساحتك الشخصية.

يختتم التقرير بمدح قرار أوغندا، فانتشار الرسائل الخاصة الجماعية يعني عودة الشائعات باعتبارها قوة سياسية رئيسية. مع ميزة جديدة، بإمكانها الآن أن تنتشر بشكل أسرع وأكثر من أي وقت مضى، ولم يستطع أي نظام على وجه الأرض منع الناس من التحدث إلى بعضهم البعض، لذلك يبدو من الحاجة وجود طرق جديدة للعيش مع كل هذا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد