يجد الغرب صعوبة في الاعتقاد بأن أزمة كبرى، مثل الأزمة السورية، لا يمكن إنهاؤها. «بكل تأكيد، يتعين على أحد فعل شيء ما لإيقافها»، هذا هو التفكير السائد. وإذا كانت الأمم المتحدة والجهود الدبلوماسية قد فشلت في وضع حد للحرب، فمن ثم يتعين على البيت الأبيض وقف حمام الدم واستخدام القوة العسكرية لفعل ذلك. «لا يمكننا الجلوس هكذا وترك المأساة تستمر دون أن نتدخل». هذا هو التوجه السائد لدى المحللين السياسيين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي.

المحزن في الأمر هو أن هؤلاء الذين يأملون في حل سريع للأزمة على الأرجح سيصابون بخيبة الأمل. فعلى عكس ما هو متوقع، فإنه من المستبعد أن تنخرط الولايات المتحدة في حرب مع روسيا في سوريا. فالحجج الأخلاقية الداعية للتدخل ليست أقوى من المخاطر العميقة التي ستواجهها الولايات المتحدة حال دخولها في مواجهة عسكرية مع روسيا. وعلى الرغم من النبرة الصارمة في حديث «هيلاري كلينتون» في حملتها الانتخابية، إلا أنها على الأرجح ستصل إلى نفس النتيجة بشأن التدخل العسكري حال وصولها إلى البيت الأبيض؛ فالقيود المفروضة في الواقع تقلل من فرص التدخل الأمريكي في سوريا، وسيتعين على المعارضة السورية وداعميها إعادة التفكير في الوضع برمته.

الحل السياسي

يصر معظم صناع القرار المنخرطين في الأزمة السورية على أنه «ليس هناك سوى الحل السياسي للأزمة السورية». ولكن تكمن المشكلة في هذا الافتراض في توقيته. فهل يمكن فرض حل سياسي قبل أن يحرز أحد الأطراف نصرًا عسكريًا كاملًا؟ ألا يجدر بأحد الأطراف أن يدرك أنه ما من بديل أمامه سوى القبول بتسوية سياسية قبل أن يجلس الطرفان على طاولة التفاوض؟ إن إجابة هذا السؤال واضحة، لا حل سياسي قبل أن يحرز أحد الأطراف نصرًا عسكريًا كاملاً على الأرض. وكلما تأخر ذلك، طال أمد الأزمة، وازداد عدد الضحايا.

السلفيون والجهاديون

بصرف النظر عن مدى ليبرالية وانفتاح الجموع التي أطلقت شرارة الثورة في البداية، فإن قسمًا كبيرًا من الجماعات المسلحة التي تقاتل اليوم يتكون من السلفيين والجهاديين. فهم يسيطرون على أرض المعركة. ولطالما وُجهت اتهامات إلى النظام السوري بإطلاق سراح الإسلاميين من السجون للوصول إلى هذا الوضع. ومنذ أن كان من الصعب تفنيد هذه الاتهامات بشكل كامل، فمن المهم تذكر أن أحد أول مطالب المعارضة هي الإفراج عن المعتقلين السياسيين. ومن كان هؤلاء المعتقلون؟ كانت غالبيتهم من الإسلاميين. لقد كانت جماعة الإخوان المسلمين العدو الأبرز للنظام البعثي. أما الليبراليون فكانوا يمثلون تهديدًا ثانويًا لحكم الأسد. فكان معظم السجناء السياسيين الذين يمثلون أمام محاكم عسكرية وتجري إدانتهم بفترات سجن طويلة هم من الجهاديين العائدين من العراق أو من السلفيين الذين ينشرون خطابات معادية للنظام في حلقات الدعوة. فقبل اندلاع أحداث درعا في 2011، ظلت دمشق لعقود طويلة تحكم على الإسلاميين بعقوبات طويلة الأمد، على الأغلب سبع سنوات، وتودعهم سجن صدنايا.

إطلاق سراح السجناء

مع اشتعال الأزمة في درعا، دُعي الشيخ «أحمد الصياصنة» إلى دمشق في محاولة من جانب السلطات نزع فتيل الأزمة. وكان أحد المطالب الرئيسة للشيخ هو إطلاق سراح السجناء، الذين يشكل الإسلاميون غالبيتهم. وقد تكرر هذا النمط عادة خلال المراحل الأولى من الأزمة. وقد ساند المبعوث الأممي آنذاك، «كوفي عنان»، هذا المطلب. فقد أصر على إطلاق سراح كافة السجناء السياسيين. إلا أن العديد من المعارضين مقتنعون بأن إطلاق سراح السلفيين، مثل «زهران علوش»، الذين كان قد سُجن لتنظيمه لقاءات في المساجد، قد جرى عمدًا من قبل دمشق للمساعدة على إضفاء التشدد على المعارضة. حاولت الدولة السورية جاهدة أن توقف الانتفاضة باستخدام العصا (بالرد بعنف شديد على المحتجين) والجزرة (بإطلاق سراح بعض المعتقلين وقت الحاجة). وبينما يمكن للمرء أن يجادل في هذا الافتراض، ويزعم أن النية الخفية للنظام كانت تحويل الثورة إلى جهاد، فالحقيقة هي أن ما تراه دمشق اليوم هو متمردون ومجموعات إسلامية مسلحة لا تريد سوى تدمير الدولة السورية واستبدال بها أخرى من تصميمهم، دولة تطبق الشريعة. وهم يسمونها «دولة إسلامية أكثر في الهوية».

تباين الرؤى حول شكل الحكومة

إن تصور كلا الجانبين المتصارعين للحكومة يختلف تمامًا، وهو لا يتيح تطبيق حل سياسي ذي مصداقية في الوقت الراهن. وبالنسبة للجناح السياسي الخاص بالمعارضة الذي يحتفظ بعلاقات قوية مع واشنطن، تعتقد دمشق أن دولة قطر قد منعت باستمرار هذه المجموعات الضعيفة إلى حد كبير من اتباع المقترحات الأمريكية بالدخول في محادثات سياسية أكثر جدية خلال محادثات جنيف السابقة.

ميدان المعركة هو سيد القرار

ما ذكرناه آنفًا يتركنا مع الحقيقة المؤسفة من أن ميدان المعركة هو من سيحدد شكل المرحلة المقبلة من الأزمة. وهذا يعني أنه من المرجح أن تستمر الحرب. ومن غير المرجح أن تتخلى الجماعات المسلحة وداعموها عن القتال. والأمر نفسه ينطبق على الأسد وداعميه. فلن يتمكن أحد من إيقاف الحرب حتى ينهار أحد الجانبين أو يمنى بخسائر كبرى تكفي لإنهاء الحرب. وللأسف، عندما نصل إلى تلك النقطة من اختلال التوازن بين الجانبين، لن يحقق المهزوم شيئًا من التفاوض. وحتى يصبح ذلك السيناريو مقبولًا، فعلى الأرجح سنواصل قراءة المقالات والتحليلات التي تنتحب بسبب المأساة المستمرة، وتطالب بأن تصعد الولايات المتحدة من تدخلها العسكري.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد