في محاولة لفهم مستقبل الأديان بشكل عام والطريقة التي سيختار بها الشباب وصغار السن دينهم في المستقبل القريب، حاولت مجلة «أتلانتيك» الأمريكية تحليل الاتجاهات الحالية للشباب

في محاولة لفهم مستقبل الأديان بشكل عام والطريقة التي سيختار بها الشباب وصغار السن دينهم في المستقبل القريب، حاولت مجلة «ذي أتلانتيك» الأمريكية تحليل الاتجاهات الحالية لتدين الشباب في الولايات المتحدة بشكل خاص، وعالميًا بصورة أوسع، كما تناولت تزايد أعداد الشباب الذين لا يستطيعون تحديد خياراتهم أو تصنيف أنفسهم دينيًّا، حيث ترى في ذلك ظاهرة تستحق الرصد.

في الولايات المتحدة، تبدو نسبة من يمكن وصفهم بالمتدينين أو من يحضرون الدروس الدينيية من الشباب وصغارالسن ضئيلة للغاية، بل هي أقل من أي جيل آخر على قيد الحياة حاليًا، حيث يمثل الشباب في العشرينيات والثلاثينيات من عمرهم وما دونهم ثلث عدد الملحدين في البلاد، أو ما يطلق عليهم في الولايات المتحدة «nones». وفق المجلة الأمريكية، يفتح هذا الأمر البابَ لعهد جديد تمامًا فيما يتعلق بموضوع اختيار الأديان، حتى لمن يتبنون أديانًا بعينها، حيث سيعتمد الأمر بالنسبة لهم فيما بعد على اختيارهم المطلق، وليس على ما ورثوه عن آبائهم.

مستقبل الأديان

ربما يثير هذا الأمر مخاوف الكثير بالنسبة لمستقبل الأديان، واستمرار القيم الأخلاقية في المجتمع، بل وعلى استمرار قيام المجتمعات. تعتقد المجلة أن هذه المخاوف مبررة. طبقًا للمجلة، فقد ساهمت الأديان عبر التاريخ في جعل البشر أكثر سعادة ونقاءً وأكثر مشاركة في المجتمع، كما خلقت أساسًا قويًّا لقيام المجموعات والمجتمعات على حد سواء، كذلك أعطت البشر الكثير من القواعد الأخلاقية المُلزِمة لتساعدهم على مواجهة حياتهم وفق أسس ثابتة. مع ظهور جيل جديد كامل بعيدٍ عن المساجد والكنائس والمعابد، لم يعد أمام علماء الاجتماع سوى طرح سؤال هام للغاية هو: كيف سيكون المستقبل مع هذا الجيل؟

وفق التقرير، على الرغم من أن نسبة التدين في الولايات المتحدة أصبحت أقل، إلا أن التنوع الديني قد ارتفع بشكل ملحوظ، وهو ما يسري على أنحاء العالم أيضًا، حيث يقوم الكثير من البشر – وخاصة في مرحلة الشباب – بتغيير دينهم والانتقال لأماكن أخرى بحثًا عن قوانين وقيم مختلفة.

أصبحت الخيارات الدينية القائمة على أساس من الوعي أكثر انتشارًا في الولايات المتحدة حاليًا، وعلى الرغم من كون هذا الموضوع يخلق الكثير من الصراعات السياسية العنيفة والتي تقوم على الكراهية، إلا أن تلك الخيارات تعد مصدرًا للإبداع أيضًا، حيث تساعد في تشكيل هوية هذا الجيل الجديد وتكوين ثقة حقيقية بالنفس. تشمل هذه الخيارات الزواج، والتحول من دين إلى آخر، والالتزام بالتعاليم الدينية من الأساس.

وفق التقرير، يواجه الكثيرون معضلة كبرى حينما يتعلق الأمر بالبقاء على دينٍ ما لا يتفقون مع ما يطرحه على الرغم من أنه يدعم الأخلاق والمبادئ، أو حين يكونون مضطرين لترك دين يحبونه، كما ترى المجلة أن هناك سؤالًا هامًا يتعلق بالأمر، وهو هل يجب أن تبقى تلك التحولات أمرًا سريًّا أم معلنًا.

صراع حتمي

ترى المجلة أن الصدام بين الصغار وبين المعتقدات الدينية الموروثة هو أمر حتمي؛ فحتى هؤلاء الذين لا يبالون بشأن الدين وتعاليمه يواجهون الكثير من الأسئلة يوميًا حول كيفية معاملة الآخرين والتصرف في مواقف بعينها. عند هذه النقطة، يقرر البعض تبني مبادئه الشخصية، أو تكوين الأفكار والمعتقدات الخاصة به، ويحدد ما هو مقبول أخلاقيًا والعكس بشكل فردي. يعتقد الكاتب أن الخيارات الدينية بشكل عام يمكن أن تكون مصدرًا للقلق والاضطراب، حيث تحتوي عقول الشباب والصغار على الكثير مما وصفه بـ«الصناديق السوداء»، لهذا يحتاج الخبراء الكثير من الوقت والجهد لمحاولة توقع وفهم قراراتهم.

يظن الكاتب أيضًا أن كثرة من يطلقون على أنفسهم «nones» أو من ليس لديهم خيار ديني محدد حتى الآن يعكس تمامًا حجم الحيرة والقلق التي يقع فيها هؤلاء بشأن المعتقدات والممارسات الدينية، حيث أن هذا المفهوم يخفي أكثر بكثير مما يظهر، لأن هؤلاء ليسوا بالضرورة غير متدينين أو ملحدين، حيث تصف نسبة قليلة للغاية منهم أنفسهم بالملحدين أو الأغنوستيين، في حين تظن النسبة الأكبر أنهم يتبنون نوعًا خاصًّا بهم من الطقوس.

الأمر المؤكد حاليًا هو بدء ابتعاد نسبة كبيرة من الشباب وصغار السن عن المؤسسات الدينية التقليدية في الولايات المتحدة والعالم، على الرغم من أن النسبة الكبيرة منهم تذهب إلى دور العبادة للصلاة في بعض الأحيان ويؤمنون بوجود الله، فيما يتوقع الكاتب أن يواصل هؤلاء طريقهم بانتظام نحو الكنيسة أو المسجد مع تقدمهم في السن، حيث تشير الأبحاث والدراسات إلى ارتباط الأشخاص بالدين بشكل أكبر بالتزامن مع الأحداث الأكثر أهمية في حياتهم كالزواج أو الإنجاب.

وفق ما ذكرته المجلة، فإن المشكلة الكبرى في انتشار هذا الفكر بين الشباب في الولايات المتحدة تحديدًا هو أن عدم اهتمام الكثير من الشباب بالدين سيجعل منها دولة أقل تدينًا بمرور الوقت، وهو ما حاول علماء الاجتماع والمؤرخون توقعه على مدى العقود الماضية، حيث توقع علماء وباحثون غربيون في خمسينيات وستينيات القرن الماضي أن نهاية الأديان قادمة لا محالة، وهو ما لم يحدث، وربما يثبت الواقع عكسه، حيث أنه من منظور عالمي، من المتوقع أن تنتهي النسبة الأكبر من غير المنتمين دينيًا خلال العقود الأربعة المقبلة، وفق ما أشارت إليه بعض الدراسات.

هل فقدت دور العبادة أهميتها؟

بحسب تلك الدراسات، فعدم ذهاب الكثيرين إلى دور العبادة لا يعني انتهاء ارتباطهم الروحي بها، واعتقادهم بكونها ملاذًا بالنسبة لهم، كما أن استطلاعات الرأي التي تتعلق بالدين يحيط بها الكثير من القيود، مثل صغر الشريحة التي يجرى عليها الاستطلاع وقلة استجابة الأشخاص، كما تعتمد بالأساس على قدرة الأشخاص على توصيف حالتهم بدقة، وهو ما لا يستطيع الجميع القيام به. يرى التقرير أن الاستطلاعات تستهدف في كثير من الأحيان مجموعات بعينها، وهو أمر غير دقيق، ويعتقد أن شمولية الدين تمتد إلى جميع مظاهر الحياة.

تتعهد المجلة في النهاية بنشر مجموعة من القصص للشباب الأمريكيين وخياراتهم الدينية المختلفة وقصصهم على مدار الأسبوعين القادمين، حيث ستتناول الأمر بشكل واسع، يشمل الخيارات السياسية وخيارات الجنس والزواج لدى كل منهم وغيرها من النقاط والمواضيع الهامة، كما ترى المجلة أن تلك الأمور ليست مجرد قصص، بل كل منها هو دراسة مستقلة في حد ذاتها لمحاولة فهم البشر وهوياتهم والصراعات التي تدور بداخلهم نتيجة لما يعتقدونه، وهي تعتبر طريقة أخرى لفهم طبيعة المجتمعات ومستقبلها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد