خطوة جديدةٌ في عالم التعديل والتلاعب الجيني تأتي من الصين مجددًا، مع إضافة مثيرة للجدل هذه المرة: استكشاف ماذا يحدث عند زرع جينات بشرية مختصة بالدماغ لدى القرود. يتناول هذه التجارب مع نتائجها والأسئلة الأخلاقية التي تثيرها كبير محرّري قسم الطب الحيوي في موقع «MIT Technology Review» أنتونيو ريغاردو، وماذا تعنيه هذه الخطوة للعلم والإنسان على حدّ سواء؟

مترجم: أصبحنا أكثر عنفًا أم أقل؟ تعرف إلى تاريخ تطور العنف لدى البشر

سرّ الذكاء البشري

ليس الذكاء البشري سوى أحد ابتكارات التطور الأساسية، أو بصياغة أخرى: هو نتيجة مترتبة عن سباق تطوريّ بدأ منذ ملايين السنين، مُوصِلًا البشر إلى أدمغة أكبر حتى وقدرات جديدة ترافقها. وقف البشر منتصبين حملوا المحراث بأيديهم وأوجدوا الحضارة، فيما بقي أبناء عمومنا الرئيسيات بين الأشجار.

لكن علماء في جنوب الصين انتهجوا وسيلةً جديدةً في محاولة لتضييق الفجوة التطورية، عبر استحداث سلالة محورة جينيًا من قرود المكاك مع نسخِ إضافية من الجينات البشرية يشتبه بمساهمتِها في تشكيل الذكاء البشري. وينقل التقرير توضيح عالم الوراثة في معهد كونمينغ لعلم الحيوان بينغ سو وهو منسق العملية: «هذه أول محاولة لفهم تطور الإدراك البشري باستخدامِ نموذجِ قرد معدل جينيًا».

وفقًا للنتائج التي توصل إليها العلماء الصينيون هؤلاء، أظهرت القرود المعدلة جينيًا مستويات أداء أفضل في اختبارات الذاكرة المتضمنة للألوان والأشكال، كما استغرقت أدمغتهم وقتًا أطول في التطور بشكل مشابه لحال أدمغة البشر. على جانب آخر، لم يظهر أيّ اختلاف في حجم الدماغ بين القرود المعدلة جينيًا والعادية.

  • زرع علماء صينيون جينات بشرية يُعتقد بارتباطها بالذكاء البشري في قرود المكاك، وقد تفوقت القرود المعدلة جينيًا في اختبارات الذاكرة على أقرانها لكن حجم أدمغتها لم يتغير.

نُشرت نتائج هذه التجارب يوم 27 مارس (آذار) في مجلة العلوم الوطنية في بكين، وكانت وسائل الإعلام الصينية أول من ينشرها، إلا أنها ما تزال بعيدة عن تحديد أسرار العقل البشري كما إنها لا تقترب من إنتاجِ أيّ نهضة أو ثورة في العوالم الذهنية للرئيسيات. يوضح التقرير أنه وعوضًا عن ذلك، وصف العديد من العلماء الغربيين تلك التجارب بالمستهترة –بمن فيهم أحد المتعاونين لتحقيق ذلك الأمر- متسائلين عن الجانب الأخلاقي فيما يتعلق بالرئيسيات المعدلة جينيًا، وهو مجال تفوقت فيه الصين تكنولوجيًا.

بدورهِ يبدي عالم الوراثة في جامعة كولورادو جيمس سيكيلا قلقه من هذه الخطوة مصرحًا: «إن استخدام القردة المعدلة جينيًا لدراسة الجينات البشرية المتعلقة بتطور الدماغ طريقٌ انتهاجه شديد الخطورة». يجري سيكيلا دراسات مختصة بالمقارنة بين الرئيسيات، ويعبّر عن قلقه إزاء الاستخفاف بالحيوانات الذي تُظهره هذه التجربة مع احتمال أن تقود قريبًا لتعديلات أكثر تطرفًا، مُعقبًا بقوله: «إنها مسألة كلاسيكية لمنحدر زلق ويمكننا توقع تكرارها مع متابعة هذا النوع من الأبحاث».

يصعبُ استعمال الرئيسيات في البحوث بصورة مطردة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، لكن الصين لم تأل جهدًا في تطبيق أحدث وسائل وتكنولوجيا الحمض النووي المتقدمة على الحيوانات. كانت الصين أول من يستخدم تقنية التعديل الجيني CRISPR مع القرود، وقد أعلن معهدٌ صيني في شهر يناير (كانون الثاني) الفائت عن استيلادِ نصف دزينة من القرودِ المُصابة باضطرابات عقلية حادة. يعقب سيكيلا: «من المقلق اندفاع هذا الحقل وتطوره وفقًا لهذا النسق».

Embed from Getty Images

القرود وقصة تطور

يستهلّ التقرير الحكاية من عندِ مشرف البحث بينغ سو –وهو باحث في معهد كونمينغ لعلم الحيوان- وتخصصه في البحث عن العلامات الدالّة على «الاصطفاء الدارويني»؛ أي: الجينات التي يتسبب نجاحها بانتشارها. ويشمل بحثه مواضيع مثل تكيف حيوانات الياك في الهيملايا مع المرتفعات العالية وتطور لون البشرة البشرية استجابة للشتاءات الباردة.

يبقى الذكاء اللغزَ الأكبر على الإطلاق. نعرفُ أن أدمغة أجدادنا تطورت ونمت حجمًا وقوةً بصورة سريعة للغاية، لذا يسعى العلماء لاكتشاف الجينات المسببة لهذا التغير عبر البحث عن الاختلافات بين البشر والشمبانزي (إذ تتشابه جينات الأخير مع البشر بنسبة تقارب الـ98%). يتمثل الغرض وراء ذلك كله –كما يقول سيكيلا- في تحديد مواقع «جواهر جينوماتنا»، أو الحمض النووي الذي يجعلنا بشريين على هذا النحو المتفرد.

على سبيل المثال، أُشيع عن جين FOXP2 الشهير–أو جين اللغة كما تسمّيه الصحافة- احتمال صلتِه بالكلام البشري (تعود حكاية هذا الجين إلى دراسةِ شملت عائلة بريطانية عانى أفرادها من اعتلالات في النطق والكلام، ليتبيّن وراثتهم لنسخة غير طبيعية من هذا الجين تحديدًا). سرعان ما عمِد العلماء من طوكيو إلى برلين لتحوير الجينات في الفئران ومن ثم التنصّت عليها عبر ميكروفونات الموجات فوق الصوتية للتدقيق وراء أيّ تغيّر في أصوات صريرها.

لكن سو فُتِن بجين مختلف تمامًا، ألا وهو: MCPH1 أو الميكروسيفالين. يختلف تسلسل هذا الجين بين البشر والقردة، كما يولد الأطفال ذوو الميكروسيفالين المتضرر برؤوس صغيرة ما يدلّ على صلتِه بحجم الدماغ. في إحدى المرات، انكبّ سو بالتعاون مع طلابه على قياس رؤوس 867 من الرجال والنساء الصينيين بهدفِ استكشاف قدرة تفسير النتائج باختلافات هذا الجين.

أُتيحت فرصة جديدة أمام سو عام 2010، تمثلت بإجراء تجربةِ يحتمل أن تُعطي نتائج أدق عبر إضفاء جينِ ميكروسيفالين البشري إلى قرد. كانت الصين قد بدأت حينها بإقرانِ المرافق الضخمة لديها المخصصة لتربية القرود واستيلادها (إذ تُصدّر أكثر من 30000 في العام) مع أحدث الأدوات الجينية، وهو ما حوّل الصين إلى قبلة للعلماء الأجانب الباحثين عن قرودِ تجارب.

من أجلِ إضفاء هذا التحوير الجيني، لجأ سو والمتعاونون معه في مختبر يونان كي لبحوث الطب الحيوي للرئيسيات إلى تعريضِ أجنة القرد لفيروس يحمل النسخة البشرية من جين ميكروسيفالين. استولدوا 11 قردًا، نجا خمسة منهم ليشاركوا في مجموعة قياسات الدماغ وكان كلّ منهم يحمل في جسمه ما بين نسختين إلى تسع نسخ من الجين البشري.

أثارت قرود سو جلبةً من الأسئلة الغريبة فيما يتعلّق بحقوق الحيوان. يذكر التقرير مثلًا ورقةً بحثية كتبها سيكيلا وثلاثة من زملائه تحت عنوان «أخلاقيات استخدام الرئيسيات غير البشرية المعدلة جينيًا لدراسة ما يجعلنا بشرًا»، وخلصوا فيها إلى وجوبِ الامتناع تمامًا عن إضافة جينات الدماغ البشري إلى القرود –لا سيما الشمبانزي- وذلك بسبب شبهها الكبير بنا. تقول إحدى مؤلفي هذه الدراسة –عالمة أخلاقيات البيولوجيا في جامعة كولورادو جاكلين غلوفر-: «يأخذك التفكير فورًا إلى كوكب القردة الرائج في المخيلة الشعبية، يحدث الضرر بمجرد أنسنتِهم. أين سيعيشون؟ وماذا سيفعلون؟ لا تُنشئ كائنًا لا يمكن أن يتوفر له حياة ذات معنى في أي سياق». لكن رغم كل شيء، خلُص الباحثون إلى إمكانية تقبل إجراء تغييرات مماثلة على القرود.

أثارت بحوث سو السابقة ردود فعل قوية وأسئلة أخلاقية بشأن حقوق الحيوان، فهل يحقّ للبشر إضافة جيناتهم على القرود لمعرفة ما يميزهم على هذا النحو الفريد؟ وماذا يحلّ بالقردة المعدلة جينيًّا بعد إضفاء الطابع الإنساني عليهم؟ كيف يعيشون وأيّ حياة تنتظرهم؟

وفي رسالة تبادلها الكاتب مع سو عبر البريد الإلكتروني، نوّه الأخير على موافقته بشأن مدى قرب القرود من البشر بدرجة يجب الامتناع فيها عن تغيير أدمغتهم؛ لكن تشارك السلف الأخير بينهما يعود حتى 25 مليون سنة وهو ما يخفف من وطأة المخاوف الأخلاقية بالنسبة لسو، مضيفًا: «بالرغم من قرب جينومهم من جينومنا، إلا أنه توجد عشرات ملايين الاختلافات أيضًا». ويستبعد سو أن تصبح القردة أكثر من مجرد قرود، وأنه أمر «يستحيلُ حصوله بإدخال بعضِ الجينات البشرية فقط».

Embed from Getty Images

قرد ذكي؟

يشرح التقرير أنه وبالاستناد إلى تجاربهم المجراة، توقع الفريق الصيني حجم دماغ أكبر ومعدل ذكاء أعلى لقرودهم المعدلة وراثيًا. ولهذا السبب أجروا مسوحات بالرنين المغناطيسي على القرود لقياس المادة البيضاء في أدمغتهم وكذلك اختبارات الذاكرة الحاسوبية. في النهاية، جاءت نتائج تقريرهم بعدم اختلاف حجم الدماغ لدى القرود المعدلة جينيًا، لكنهم حققوا مستويات أداء أفضل في اختبارات الذاكرة قصيرة الأمد وهو ما أعجب الفريق الصيني.

بالمقابل، يعتقد عدة علماء بقلة المعلومات الجديدة الناتجة عن التجربة الصينية؛ منهم مارتن ستاينر (وهو عالم حاسوب في جامعة كارولاينا الشمالية ومتخصصٌ في التصوير بالرنين المغناطيسي، كما أُدرج اسمه ضمن قائمة المؤلفين المشاركين في التقرير الصيني). يوضح ستاينر أن دوره اقتصر على تدريب الطلاب الصينيين على استخراج بيانات حجم الدماغ من صور الرنين المغناطيسي، وأنه فكّر في إزالة اسمه من الورقة البحثية التي لم تجد لها ناشرًا في الغرب كما يقول، معلقًا أنه: «توجد عدة جوانب في الدراسة لا يمكن إجراؤها في الولايات المتحدة، ما أثار قضايا متعلقة بنوع البحث ومدى تلقي الحيوانات العناية الواجبة».

لا يتطلّع ستاينر إلى مزيد من أبحاث التطور الخاصة بالقرود المعدلة جينيًا بعد ما رآه إلى الآن، ويعقب عن ذلك بالقول: «لا أعتقد بصحّة هذا التوجه. أوجدنا الآن هذا الحيوان المختلف عما يُفترض له أن يكون. عندما نجري التجارب ينبغي أن نفهم جيدًا ما الذي نحاول تعلمه، لمساعدة المجتمع. وهو ما لم يحدث في هذه الحالة». تتمثل إحدى المسائل المهمة بعين ستاينر بالتكلفة العالية للقردة المعدلة وراثيا سواءً لإيجادها أو لرعايتها لاحقًا، ومع وجود خمسة قرود معدلة جينيًا فقط يصعب الوصول لاستنتاجات قاطعة فيما يخص اختلافها عن القرود العادية بحجم أدمغتها أو مهارات الذاكرة لديها: «يحاولون فهم تطور الدماغ. لا أعتقد بوصولهم لذلك».

في رسالةِ بريد إلكتروني مرسلة للكاتب، وافقَ سو على محدودية العدد القليل للحيوانات المدروسة وإن كان يزعم بوجودِ حلّ لديه لذلك. يقول سو أنه يستولد المزيد من القرود ويختبر جينات تطورية جديدة مرتبطة بالدماغ، بما في ذلك جين SRGAP2C الذي يثير اهتمامه بصورة خاصة، وهو نمط من الحمض النووي نشأ منذ حوالي مليوني عام، في الفترة التي كان ينحسر فيها جنس أسترالوبيثكس عن السافانا الأفريقية لصالح البشر الأوائل. لُقّب هذا الجين باسم «المحول الإنساني» وكذلك «الرابط الجيني المفقود» لدوره المرجح في ظهور الذكاء البشري. يقول سو أنه كان يضيف هذا الجين للقرود، لكن مبكرٌ جدًا التكهن بالنتائج.

لماذا تتصرف قطتك بهذه الطريقة؟ رحلة في عقول وسلوكيات القطط

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات