هل كانت إمبراطورية الآزتك تقدم حقًا قرابين بشرية؟ وما الغرض منها؟ ومَن كانوا ضحايا تلك الممارسة؟ تجيب عن هذه الأسئلة، وغيرها من استفسارات القراء ورواد الإنترنت، المؤرخة كارولين دودز بينوك، محاضرة في التاريخ الدولي بجامعة شيفيلد، في هذا الحوار الذي أجرته معها مجلة «هيستوري إكسترا»، التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي». 

هذه مجموعة منتقاة من الإجابات – المختصرة مع بعض التصرُّف التحريريّ بغرض الوضوح – التي قدمتها المؤرخة في «بودكاست هيستوري إكسترا»، والذي يمكن الاستماع إليه كاملًا هنا.

لماذا قدَّمت إمبراطورية الآزتك قرابين بشرية؟ وكم مرة حدث ذلك؟

تجيب الكاتبة في مستهل الحوار: إنه من الصعب على نحو يثير الإحباط أن نحدد مقدار تلك القرابين، ويمكن أن ينتهي بنا الأمر إلى رقم مرتفع جدًّا، أو منخفض جدًّا، اعتمادًا على المصادر، أو مجموعة الإحصاءات التي نستخدمها. لكن يمكننا تأكيد أنه كانت هناك قرابين بشرية واضحة ومنتظمة. والأساس الذي قامت عليه تلك القرابين – على حد عِلْمنا – هو: العلاقة التبادلية بين الآلهة والبشر؛ إذ اعتقد الآزتك أنه يجب عليهم رد الجميل للآلهة التي وهبتهم كثيرًا من النِعَم.

وتتحدث الروايات التاريخية الأسطورية لشعب الآزتك عن آلهة ضحُّوا بأنفسهم من أجل أن تُخلَق البشرية على غرار التمساح الوحش المسمى «تلالتيكوتلي»، الذي كانوا يعتقدون أنه «إله الأرض»، الذي انشقَّ جسده إلى نصفين كي تُخلَق الأرض، ثم كان على البشر إمداده بالدم من أجل تغذيته ورد الجميل، وقضاء الدين القديم.

Embed from Getty Images

تنقل المؤرخة رواية أخرى تقول: إن أحد آلهة الآزتك يدخل إلى العالم السفلي، ويسرق عظام رجل وامرأة من عصر سابق، على مَرأى ومَسْمع من «سيد أرض الموتى». ومن ثم يُحضر تلك العظام إلى مكان يطلق عليه اسم «الجنة» وفق الترجمة الشائعة، حيث طحنت إلهة العظام على حجرٍ حتى تحولت إلى رفات كالدقيق. ثم تبوَّل الآلهة الذكور دمًا من أعضائهم التناسلية لتختلط بالرفات وتتحول إلى عجين رَطِب لتكوين شخصيات بشرية صغيرة. واعتقد الآزتك أنه حتى تلك اللحظة كانت هناك خمسة عصور في العالم، وأنهم كانوا يعيشون في العصر الخامس، وهكذا تجسدت البشرية.

كانت القرابين البشرية تهدف إلى رد الجميل وسداد الدين الذي أصبح مُستحقًا على البشر بعدما بالَ الآلهةُ دمهم لخلق العالم. واعتقد الآزتك أنهم إذا لم يَمدُّوا الشمس بالدم، فإن العالم سينتهي. وكان هذا الأمر أشبه بإطعام الآلهة. وعلى عكس بعض ثقافات تقديم القرابين الأخرى، حيث كانت القرابين البشرية تقدم بهدف اكتساب القوة – لكي يصبح مقدم القربان أكثر ثراءً، أو أكثر أهمية، أو لإنجاب المزيد من الأطفال – لم تكن القرابين البشرية التي يقدمها الآزتك في الحقيقة من أجل مآرب شخصية. بل كانت تلك القرابين البشرية في الأساس عملًا يتصف بالإيثار على اعتبار أنها كانت ضرورية للبشرية جمعاء. وكان هذا رد فعل جماعي من أجل قضاء دَيْن جماعي.

مَنْ هم ضحايا القرابين البشرية؟ وهل صحيح أن الضحايا تطوعوا عن طيب خاطر؟

تشير المؤرخة إلى أنه – من الناحية النظرية – كان هناك بعض الناس الذين يتطوعون للتضحية بهم كقرابين بشرية. لكن في الواقع من الصعب جدًّا تأكيد أن الأمور كانت تجري على هذا النحو. 

تستدل المؤرخة على هذا الاستنتاج بأن غالبية الضحايا كانوا من الأشخاص (معظمهم من الرجال، ولكن في بعض الأحيان من النساء والأطفال) الذين أُسِروا في الحرب. وبعضهم قُدِّم باعتباره قربانًا عاديًّا، إذا كانت هناك حاجة إلى تقديم قرابين بشرية – على سبيل المثال – من خمسة أشخاص. وكان بعضهم يقدَّم قربانًا بعد تقمُّصه دور الآلهة، وكانوا يُعرفون باسم «ixiptla»؛ إذ كانوا يرتدون عباءةَ إلهٍ، ويُقتلَون تكريمًا للآلهة التي كانوا يَتقمَّصون دورها. وقد شكَّلت هذه الممارسة جزءًا بارزًا من الاحتفالات المعتادة.

وقُدِّم الأطفال على وجه الخصوص كقرابين بشرية من أجل «تلالوك (Tlāloc)»، الذي كان الآزتك يعتقدون أنه «إله المطر». وكان معظم هؤلاء الأطفال ينتمون إلى شعب الآزتك، الذين جاءوا من «تينوتشتيتلان»، العاصمة القديمة لإمبراطورية الآزتك. 

تتابع المؤرخة: المعروف أنه مَن كان يولد آنذاك ولديه نقرة مزدوجة من الشعر في منتصف رأسه تنبت عكس الاتجاه العادي لشعر بقية الرأس؛ فإن ذلك يعدّ دلالة على أنه سيسلك الاتجاه الخاطئ في الحياة؛ ومن ثم يصبح مقدرًا عليه بأن يُقدَّم كقربان بشريّ. 

تلفت المؤرخة إلى أن هذا النوع من القرابين كان يستند إلى ما يسمى بـ«السحر التعاطفي»؛ إذ كان من المفترض أن يبكي الأطفال، وكان من المفترض أيضًا أن يبكي الناس من حولهم على موتهم؛ ومن ثم فإن هذه الدموع هي التي تجلب المطر.

تتابع المؤرخة قائلة: بالنسبة لي كان من الجدير بالملاحظة أن الأطفال الذين قُدِّموا لـ«تلالوك» لم يُقتلوا في المدينة، ولكن بدلًا عن ذلك نُقلوا إلى الجبال لتقديمهم قرابين في بحيرة. ومن المهم كذلك الالتفات إلى أن القرابين البشرية الوحيدة التي كانت تُقدَّم على نحو بارز بعيدًا عن المدينة هي قرابين أطفال الآزتك. وهنا يبرز تساؤل عما إذا كان هناك اتفاق بين الناس آنذاك حيال رؤية ذلك المشهد.

مجتمع

منذ 4 سنوات
كيف أدّت القرابين البشرية إلى ظهور الطبقية في المجتمعات الحديثة؟

تستدرك المؤرخة قائلة: يجب ألا ننسى أن المدن الأخرى المحيطة بـ«تينوتشتيتلان» كانت تقدِّم قرابين بشرية أيضًا. وكانت هناك قاعدة مقبولة تقول: إذا كنتَ محاربًا، ووقعتَ في أسْر مدينة أخرى فقد تُقدَّم كقربان بشريّ. 

وكان هناك اعتقاد سائد بأن الموت على مذبح القرابين البشرية، أو في أرض المعركة، هو أحد الطرق القليلة جدًّا التي يمكن من خلالها الوصول إلى منزلة عظيمة في الآخرة. وأقرب تشبيه لذلك هو الاستشهاد، بمعنى: أن تموت شهيدًا، إذ تموت في سبيل الآلهة، وتحظى بهذا الامتياز نتيجةً لذلك. 

تكمل المؤرخة قائلة: لقد كُتِبَ على الغالبية العظمى من النفوس أن تهبط إلى مكان يُسمَّى «ميكتلان» (الطبقة الدنيا للعالم السفلي في الميثولوجيا الآزتكية، إليها تهبط كل النفوس ما عدا نفوس الذين ارتقوا كمحاربين، والنساء اللواتي توفين أثناء الولادة) بعد وفاتهم، وهو مكانٌ ليس كالجحيم تمامًا، ولكنه مع ذلك مكان مظلم وكئيب، ولا يبعث بهجة في النفوس، حيث يتعين عليك تحمل معاناة الهبوط إلى هذه الدركات إلى الأبد.

Embed from Getty Images

لكن إذا قُدِّمت كقربان؛ فسوف ترافقُ الشمسَ أولًا لمدة أربع سنوات، حيث تقود الآلهة وتُبشِّر بهم على نحو جليل. وتتحول بعد ذلك إلى طائر طنَّان أو فراشة ترقص في الشمس وترتشف الرحيق. وتشير المصادر إلى أنه في الجنة، ستعيش في حالة من السُكْر، غافلًا عن هموم الدنيا. ومن هنا يمكنك أن ترى سبب كون القرابين البشرية خيارًا جذابًا.

وتختتم الكاتبة حوارها قائلةً: في الواقع هناك احتمال يفيد بأن بعض الناس واجهوا قَدَرهم بتقديمهم كقرابين بشرية من أجل رِفْعَة مدنهم، وتمجيدًا لآلهتهم، وتقبلوا مصائرهم بشجاعة كمحاربين، لكن على الجانب الآخر كان هناك أيضًا أشخاص آخرون يُساقون جرًا إلى مصيرهم، وهم يركلون الأرض بأقدامهم، ويشقون حناجرهم بالصراخ.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد