عندما خرج تقرير وزارة الخارجية عن الاتجار بالبشر، وتم تسليمه إلى لجنة البيت الأبيض للشؤون الخارجية، في يوليو 2001، كان له ذات المنظر الرمادي الكئيب لأي تقرير بيروقراطي آخر، مصيره جمع التراب في الأدراج. لو وضعنا المظاهر جانبًا، فإن التقرير مصمّم لإشعال تحركات محلية وعالمية ضد الاتجار بالبشر والعبودية الحديثة، هذه الجرائم التي تقدّر منظمة العمل الدولية أرباح مرتكبيها بحوالي 150 مليار دولار في العام، والتي تستغلّ ما يقرب من 21 مليون إنسان. وقد أدّى ذلك التقرير دوره: أكثر من 100 دولة حسّنت من القوانين المنظمة العمل، ومن سياساتها تجاه الاتجار بالبشر. يمكن رؤية أثر التغيير في كل قارات العالم.

التقرير نفسه نتج عن تشريع تاريخي، وهو قانون حماية ضحايا الاتجار لعام 2000 (TVPA). يصنّف التقرير الدول إلى ثلاثة درجات، بناءً على إجراءات الحماية ضد الاتجار بالبشر. الدول في الدرجة الثالثة (الأخيرة) يُفترض أن تخضع للعقوبات. يسمح القانون أيضًا ببرامج المساعدة الخارجية، المصممة لإعانة الدول على تحسين سجلاتها في مواجهة الاتجار. هذه التركيبة من الضغط والمساعدة كان لها أبلغ الأثر في تحسين أوضاع حقوق الإنسان في مختلف الدول.

منذ تفعيل القانون قبل 15 عامًا، فإنه قد أوجد سُبلًا جديدةً للشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص، وأعطى أُسسًا راكزة للنشطاء حول العالم من أجل انتقاد وتصحيح سجلات حقوق الإنسان لحكوماتهم. بالإضافة إلى التغيّرات في القوانين والسياسات، رأينا بعضًا من التحرّكات الجادة أيضًا: فعلى سبيل المثال، خلقت حكومة التشيك خدمات أفضل للناجين، وشدّدت الفلبين من عقوباتها على جرائم الاتجار؛ أما جنوب إفريقيا فقد سعت إلى تدريب العاملين بالحكومة للتعرّف على الأشخاص المعرّضين للخطر في البلد.

باختصار، ساهم تقرير الاتجار بالبشر في تغيير حقيقي. لكن جودة ذلك التغيير تعتمد بالأساس على مدى دقة التقرير. شككت عدة منظمات في قرار رفع دول الصين، والهند، وماليزيا وأوزبكستان من الدرجة الثالثة إلى الدرجة الثانية تحت المراقبة، رغم تدهور مستوى حقوق الإنسان فيها وقلّة تحركها بشأن ذلك. هذه المنظمات تشك في أن وزارة الخارجية تضع عوامل أخرى، واهتمامات سياسية وخارجية في الحسبان، معرقلة بذلك الاهتمام بحقوق الإنسان: فوضع تلك الدول في درجة أفضل يساهم في تحسين حركة التجارة والأعمال. ولهذه الشكوك أسس قوية تبررها.

على العكس من بقية تقارير وزارة الخارجية عن حقوق الإنسان، التي تكتبها السفارات الخارجية كل على حدة، فإن تقرير الاتجار بالبشر يعدّه خبراء متخصصون بعد عام كامل من البحث، ثم تعلّق عليه سفارة كل دولة. ثم تعرض المسودة والتصنيفات لتقييم والنقاش وحل الخلافات بين المكاتب الإقليمية والمكتب المركزي، وفي النهاية يعرض على مكتب وزير الخارجية. لا شك أن بعض التصنيفات يتم التفاوض عليها بشدة، وغالبًا ما يكون المكتب المركزي غير راضٍ عن النتيجة النهائية. لكن بوجه عام، انتصر المكتب انتصارات عديدة ربما تتجاوز إخفاقاته. كان أداء المكتب عظيمًا في السنوات القليلة الماضية: في 2013، أخفض التقرير ترتيب الصين، وروسيا وأوزبكستان على الرغم من أهمية هذه الدول السياسية لمكاتب أخرى في واشنطن. وفي 2014، كرر الأمر مع ماليزيا، وتايلاند. التقريران كانا تحت إشراف وزير الخارجية جون كيري ونائبه بيل برنز، وامتدح العديدون قراراتهما.

أمّا تقرير هذا العام، فهو خروج عن المألوف. تمّ رفع تصنيف ماليزيا من الدرجة الثالثة إلى الدرجة الثانية تحت المراقبة، وهو ما يعني رفع تهديد العقوبات عنها واقترابها من الحصول على تصنيف كامل من الدرجة الثانية. هناك إجماع عام من المنظمات الدولية والمحلية أن هذه الترقية لا مبرر لها. تقدّر المنظمة المراقبة لحقوق العمّال “فيريتي” – أو الحقيقة بالفرنسية – عدد العاملين بالإجبار في صناعة الإلكترونيات الماليزيا بما يقارب ثلث القوة العاملة. يقول خبير آخر أن أكثرمن ثلث عمالة ماليزيا الأجنبية، المقدّرة بأربعة ملايين عاملًا، إمّا تمّ تهريبهم إلى داخل البلد، أو يعملون بالسخرة. يقول التقريرإن ماليزيا ارتفع معدّل الإدانات بها ضد جرائم الاتجار، رغم أنّها حققت 3 إدانات في 2015، و9 إدانات في 2013. أما التطوّر بشأن توفير المساعدة للضحايا، فقد اقتصر على برنامج تجريبي شارك فيه 4 أشخاص فقط. ورغم كل ذلك، تمت ترقية ماليزيا. إذن ماذا تغيّر؟

لو وضعنا جانبًا تأكيدات كيري على العكس، فإن تقارير موثوقة من رويترز نقلت عن مصادر داخل وزارة الخارجية ترجّح أن ترقية ماليزيا لها علاقة وثيقة باتفاقية الشراكة الاقتصادية الاشتراكية العابرة للمحيط الأطلنطي. عندما تم تمرير مشروع قانون سلطة التطوير التجاري، نصّت إحدى فقراته على أن أي اتفاقية تجارية تتضمن دولة من الدرجة الثالثة حسب تصنيف تقرير الاتجار بالبشر، فهي غير مؤهلة للشروط ولا يُسمح للرئاسة تمرير الاتفاقيات معها بالمسار السريع Fast Track. وبالنظر إلى أهمية ماليزيا القصوى لاتفاقية الشراكة الاقتصادية، ليس من الصعب أن نفهم كيف يمكن لمركزها أن يكون قد ارتفع على القائمة.

ربما لعبت عوامل أخرى دورها في ترقية ماليزيا والدول الأخرى. وقت إعداد التقرير كان أغلب أعضاء اللجنة إما مشغولين في أمور أخرى أو جدد في مناصبهم. والأهم، لم يكن هناك رئيس معيّن من قبل الرئاسة للجنة بعد استقالة لو سديباكا. لذا فخلال الفترة التي تخوض فيها اللجنة مفاوضاتها العنيفة مع السفارات والمكاتب الإقليمية قبل إصدار التقرير، لم يكن هناك مسؤول بتصريح من الرئاسة لقيادة المكتب، هذا القائد الذي يصارع لإثبات جدارة التصنيفات ويقاتل ضد الرياح المعاكسة لأقسام وزارة الخارجية الأخرى الساعية للتأثير على التقرير. ليست مفاجأة إذن أن خسر المكتب في الانتصار لرأيه في أي من التصنيفات المتنازع عليها. بل إنه تم تجاهل رسائل من 160 عضوًا بمجلس النواب، و19 عضوًا بمجلس الشيوخ من الحزبين، يبدون قلقهم بعد ورود أخبار ترقية ماليزيا في تصنيف الاتجار بالبشر.

خسائر المكتب المسؤول عن إعداد التقرير قد تتطور لتصبح خسائر للولايات المتحدة نفسها. فبعد إصدار التقرير استدعى السيناتور بوب كوركر وزارة الخارجية لتفسيره أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ. أرسلت الوزارة وكيلها للأمن المدني وشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان، سارة سيوول، التي تحدّثت بعدم اقتناع وبأسلوب فاتر. قلّل كوركر من قيمة ردودها، وهدّد باستخراج مذكرة للاطلاع على وثائق وزارة الخارجية عن عملية التصنيف. وطالب أعضاء آخرون بمطالب مماثلة.

يقول تقرير صحفي في جريدة فورين بوليسي أن الوزير كيري، ردًا على ذلك، عقد اجتماعًا وزاريًا هدد فيه بفصل أي شخص يقوم بتسريب معلومات حول هذا الأمر. لكن كان يجدر بوزارة الخارجية، بدلًا من اتخاذ هذا الموقف الدفاعي، أن تتعلم من الموقف الراهن. فالتصنيفات الجديدة، والنزاعات التي تلتها، أضعفت مساعي قيادة الولايات المتحدة لمحاربة الاتجار بالبشر. احتجّت تايلاند على التقرير ووصفته بالكذب لأن ماليزيا تمّت ترقيتها بينما بقيت تايلاند في الدرجة الثالثة. حتى الموظف السابق بوزارة الخارجية، المسؤول عن تجميع التقرير قال أنه لا يتطلب الأمر سوى سنة واحدة مثل هذه، لتنخفض مصداقية التقرير.

هناك فرصة لإصلاح الأمور على كل حال. سيتوجب على وزارة الخارجية والسفارات زيادة مجهوداتها الدبلوماسية والتواصل مع الدول المهددة بانخفاض تصنيفها أو التي تحظى بتصنيف منخفض، وأن تظهر لها أن الولايات المتحّدة جادة بشأن محاربة الاتجار، وأنها ستوفر التمويل المناسب للبرامج التي تهدف لتقوية نقاط الضعف في هذه البلاد، وأن ترسل أيضًا رسالة قوية لمن تمّ ترقيتهم هذا العام بأنّه ما زال يتوجّب عليهم بذل المزيد من الجهود. التنبيه حول هذه النقاط، واستعمال الدبلوماسية خاصة في الدول التي حظت بترقيات لا مبرر لها، أو بقيت في نفس ترتيبها رغم مجهوداتها الملحوظة، ربّما يؤثر على حياة الملايين.

للكونجرس دوره كذلك، يجب على المجلس أن يتحرّك سريعًا في سبتمبر لتعيين سفير إلى مكتب وزارة الخارجية لمراقبة ومحاربة الاتجار بالبشر. من الطبيعي أن يمتنع المجلس عن ذلك حاليًا، لكن هذا لن يؤدي سوى إلى تعطيل الجهود اللازمة لإعادة تماسك التقرير ومصداقيته.

وعلى الرغم من أن إصلاحًا تشريعيًّا لقانون محاربة الاتجار بالبشر ربما يكون مبكّرًا الحديث عنه، إلا أن الكونجرس لابد أن يوضح اللغة الحالية التي كُتب بها، والتي تنص على أن البلاد لا يتم رفعها من قائمة المراقبة إلى التصنيف الكامل فقط بتوفية التزاماتها. في شهادتها أمام لجنة الشؤون الخارجية، ادّعت سيوول أن ماليزيا والدول الأخرى بذلت جهودًا والتزمت في محاربة المشكلة، وبذلك استحقت الترقية. لكن نية واضعي النص – وقد ساهمت في وضعه – لم تكن وضع أسس لبقاء دولة ما على قائمة المراقبة، وإنما تحذير وزارة الخارجية من أن الالتزام وحده لا يكفي للترقية. يجب على الكونجرس توضيح ذلك لئلا يتمّ استخدام النص مرة أخرى على نحو خاطئ.

ربّما يتطلّب الأمر سنين عديدة لمحو الأضرار التي تسبب بها تقرير هذا العام. لكن نزاهة التقرير، وبالتبعية نزاهة الوزارة، سيُعاد بناؤها مع الوقت. هذا التقرير الرمادي الكئيب الذي وُضع على المكتب لأول مرة منذ 14 عامًا اكتسب سلطته، وسيستمر في التأثير على الحلفاء والأعداء على حد سواء. إنه ضروري للحكومات، والضحايا، والناجين، وضروري لنا؛ نحن الذين نؤمن بأن سياسات حقوق الإنسان وسياسات التجارة يمكن أن تمارسا معًا، في صالح الجميع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد