تناول جيمس ج. كاميرون، زميل ما بعد الدكتوراة في مشروع أوسلو النووي في قسم العلوم السياسية بجامعة أوسلو، حقيقة تطوير الصين سلاحًا تفوق سرعته سرعة الصوت وخطورته على الاستقرار النووي، وذلك في تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية.

في البداية، يُسلط الكاتب الضوء على التقارير الحديثة التي تشير إلى احتمالية إجراء الصين هذا الصيف تجربتين تتضمنا نوعًا جديدًا من الصواريخ الإستراتيجية ذات القدرة النووية. وأفادت التقارير بأن نظام الصواريخ تلك أكمل دورة حول الكرة الأرضية قبل أن تهبط مركبته الفضائية التي تفوق سرعتها سرعة الصوت إلى الأرض. وأنكرت الصين هذه الرواية، ولا يزال المحللون الأمنيون غير متأكدين من الطبيعة الدقيقة للنظام الذي أفادت التقارير بأن بكين اختبرته بالفعل. وهذا ما نعرفه عن الموضوع حتى الآن.

ما الذي يُفترض أن تكون الصين قد أجرت عليه التجارب؟

يُوضح التقرير أنه إذا كانت التقارير الإخبارية دقيقة، فقد اختبرت الصين قدرات متميزة في سلاح واحد: نظام قصف مداري مزوَّد بمركبة انزلاقية تفوق سرعتها سرعة الصوت. ويُزعم أن مركبة الإطلاق التي استخدمتها الصين كانت عبارة عن نظام قصف مداري (OBS). وعلى النقيض من الصاروخ الباليستي العابر للقارات (ICBM)، الذي يتبع مسارًا باليستيًّا يُمكن التنبؤ به على شكل مسار منحنى شبه مداري (صورة مقلوبة لحرف «U»)، يُسيِّر نظام القصف المداري مركبته الفضائية في دورة حول الأرض. ومن الناحية النظرية يمنح هذا الأمر النظام نطاقًا غير محدود ويسمح له بالاقتراب من أي هدف من عدة اتجاهات وعلى مستوى ارتفاعات أقل من مستوى الصواريخ البالستية العابرة للقارات.

علوم

منذ شهر
أقوى من الهيروين 50 مرة.. قصة الأفيون الصيني الذي قد يصبح بديل الأفغاني

وزُعم أن حمولة الصاروخ كانت عبارة عن مركبة انزلاقية تفوق سرعتها سرعة الصوت. وكما يشير اسمها، فإن المركبة الانزلاقية التي تفوق سرعتها سرعة الصوت تنطلق بسرعة أكبر خمس مرات من سرعة الصوت. ومع ذلك، فإن أكبر سمة تُميزه هي قدرته على المناورة أثناء التحليق، مما يعني أن المركبة الانزلاقية يمكنها أن تتخذ مسارًا لا يُمكن التنبؤ به للوصول إلى هدفها بدرجة أكبر مما تفعله الصواريخ البالستية العابرة للقارات.

هل يمنح هذا النظام الصين قدرة إستراتيجية جديدة؟

يُجيب التقرير بأنه بالنظر إلى هذه الأنواع من الصواريخ كل على حدة، فإن تجربتها لا تُعد من المكونات غير المسبوقة. فخلال الحرب الباردة، طوَّر الاتحاد السوفيتي «نظام القصف المداري الجزئي» الذي يمكن من خلاله وضع رؤوس حربية في المدار، بينما ظل ممتثلًا لالتزاماته المتعلقة بالحد من التسلح. وطوَّرت الولايات المتحدة والصين مركبات انزلاقية تفوق سرعتها سرعة الصوت، ونشرت روسيا بالفعل النظام الصاروخي الجديد أفانجارد (مركبة انزلاقية تفوق سرعتها سرعة الصوت) الخاص بها.

ومع ذلك، وبافتراض صحة التقارير الإخبارية الواردة، تُعد هذه هي المرة الأولى التي تُجرِّب فيها أي دولة نظام قصف مداريًّا مسلحًا بمركبة انزلاقية تفوق سرعتها سرعة الصوت. لكن التجارب الصينية لا تُغير الوضع الأساسي؛ إذ تمتلك بكين بالفعل قوات هجومية إستراتيجية تكفي لإغراق نظام الدفاع الصاروخي الأمريكي الحالي، ولديها القدرة على ضرب الولايات المتحدة بأسلحة نووية.

وألمح التقرير إلى أن مراجعة إستراتيجية الدفاع الصاروخي الأمريكية لعام 2019 الصادرة عن وزارة الدفاع اعترفت ضمنيًّا بهذه الحقيقة، موضحة أن «الولايات المتحدة تعتمد على الردع النووي للتعامل مع قدرات الصواريخ الباليستية الضخمة والأكثر تطورًا العابرة للقارات التي تمتلكها روسيا والصين». ولن يُغير نشر الصين لمركبة نظام القصف المداري مزودة بقدرة تفوق سرعتها سرعة الصوت هذه المعادلة الأساسية.

لماذا تُجرِّب الصين مثل هذا النظام؟

أفاد التقرير بأن خصائص نظام القصف المداري المدعوم بالمركبة الانزلاقية التي تفوق سرعتها سرعة الصوت ستزيد من تعقيد مهمة أي نظام دفاع صاروخي أمريكي في المستقبل، بالإضافة إلى أن هذه المكونات ستؤدي إلى أن يكون الردع النووي الصيني أكثر موثوقية.

ويرجِّح التقرير أن الصين تشعر بالانزعاج من أن يؤدي تحسين قدرات الدفاع الصاروخي الأمريكية، مقرونًا بالقوات الهجومية العالية الدقة، إلى أن تصبح ترسانتها النووية غير فعَّالة. وكانت مراجعة إستراتيجية الدفاع الصاروخي لعام 2019 قد أشارت إلى أن الولايات المتحدة لديها طموحات طويلة الأمد للدفاع الصاروخي ضد الهجمات القادمة من الصين أو روسيا.

وفي أسوأ الحالات، ربما تخشى الصين أنه خلال أي أزمة أو صراع حاد، ستوجه واشنطن ضربة أولى ضد القوات الهجومية الصينية وتعتمد بعد ذلك على نظامها الدفاعي لحماية نفسها من تنفيذ انتقام صيني محدود من الصواريخ المتبقية.

ويرى كاتب التقرير أن نظام القصف المداري المسلح بالمركبة الانزلاقية الفائقة السرعة سوف يساعد في ضمان موثوقية الردع الصيني من خلال تأكيد أن تظل الصواريخ الصينية من هذا النوع التي نجت من الضربة الأمريكية الأولى قادرة على اختراق الدفاعات الأمريكية في المستقبل.

ومن خلال الانطلاق في المدار بدلًا من اتباع مسار باليستي قياسي، سيسمح نظام القصف المداري بالاقتراب من الولايات المتحدة من اتجاهات غير اعتيادية، فعلى سبيل المثال، سيكون تغطية الرادار الأمريكي في الجنوب أقل شمولًا. ونظرًا إلى الارتفاع المنخفض لمدارِها فلن تكون الرادارات الأرضية قادرة على اكتشاف اقترابها إلا في وقت متأخر من الرحلة، مما يُقلل من أوقات الإنذار، وفرصة اتخاذ إجراءات دفاعية مضادة.

Embed from Getty Images

وقد تتخذ حمولة المركبة الانزلاقية الفائقة السرعة القابلة للمناورة مرحلة نهائية غير متوقعة لهدفها؛ مما يُعقد محاولات تقدير مسار السلاح وإطلاق صواريخ مضادة لاعتراضه لتحييد التهديد.

ويُضيف التقرير أن الصين لن تكون أول من يُلوِّح بمثل هذه الاحتماليات. وفي عام 2018، تفاخرَ فلاديمير بوتين بأسلحة روسيا الجديدة والمذهلة. ويُمكن أن يكون الغرض من التجربة الصينية لمركبة نظام القصف المداري المزودة بمركبة انزلاقية مسلحة فائقة السرعة لإظهار التزام بكين بالتغلب على أي نظام دفاعي قد تتمكن الولايات المتحدة من استخدامه في المستقبل القريب. ومن هذا المنطلق، يُمكن أن يخدم اختبار من هذا النوع أهدافًا أوسع بوصفها جزءًا من تحديث القوات التقليدية والنووية في الصين.

ماذا يعني هذا للاستقرار النووي؟

نوَّه التقرير إلى أن التجارب التي ذكرتها التقارير تأتي في منتصف مراجعة إدارة بايدن للوضع النووي، والتي من المقرر نشرها في أوائل عام 2022. ولم يُؤكد المسؤولون الأمريكيون أو ينفوا تجارب الأسلحة الصينية، لكن تصريحاتهم تُشير إلى أن أي قدرات صينية جديدة ستقود الولايات المتحدة إلى منافسة بكين بكثافة في الأسلحة الإستراتيجية.

وصرَّح فرانك كيندال، وزير سلاح الجو الأمريكي، بأنه: «إذا كان بإمكانك تصوُّر ذلك، وإذا كان منطقيًّا من الناحية التشغيلية، وإذا كان ضمن مجالات التكنولوجيا الحالية، فعليك أن تقلق من أن تفعل الصين شيئًا كهذا». وعلَّقت جين بساكي، السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، قائلةً: «إننا نرحب بالمنافسة الشديدة مع الصين»، مشددةً على أن إدارة بايدن «لا تريد أن تجنح تلك المنافسة إلى صراع».

ويشير التقرير إلى أنه من الواضح أنه لا يوجد كثير من الوسائل القابلة للتطبيق في الوقت الراهن لنزع فتيل المواجهة الإستراتيجية المتنامية بين الولايات المتحدة والصين. ورفضت بكين المحاولات الأمريكية السابقة للانخراط في مناقشات الحد من التسلُّح، ويبدو من غير المرجح أن يتغير هذا الموقف مع تحديث الصين لقواتها النووية وتوسيعها.

ومع ذلك، فإن الآثار ليست سلبية تمامًا. إذ إن الولايات المتحدة لديها مصلحة في الردع النووي المستقر مع جميع خصومها المسلحين نوويًّا، مما يضمن عدم وجود حافز لدى أي من الأطراف لاستخدام الأسلحة النووية أولًا. إن القوى النووية «التي يمكن أن تنجو من أي هجوم نووي محتمل»، أي الأسلحة التي قد تنجو من الضربة الأولى وتشكِّل جزءًا من الهجوم الانتقامي (ردًّا على تلك الضربة الأولى)، ينبغي أن تقلل من احتمالية تنفيذ الضربة الأولى من الأساس، وبذلك تسهم في الاستقرار الإستراتيجي.

Embed from Getty Images

ويختتم الكاتب تقريره بالإشارة إلى أن الأمر غير المؤكد في هذه المرحلة هو: هل يكون لدى الولايات المتحدة والصين فهم مشترك بشأن القوى التي يحتاجها كل طرف لضمان الاستقرار. ومن دون مزيد من المناقشات بشأن الاستقرار النووي، ستجد القوتان صعوبة في التوصل إلى أي أرضية مشتركة. ومن غير المحتمل أن يؤدي تطوير مزيد من الأسلحة الجديدة، دون إيجاد طريقة لنزع فتيل التوترات المرتبطة، إلى علاقة أكثر استقرارًا بين الولايات المتحدة والصين في السنوات المقبلة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد