تقوم عقولنا بخداعنا عندما نمر بتجربة مؤلمة فتجعلها تبدو وكأنها لم تحدث أو أنها كانت مجرد كابوس؛ لمساعدتنا على الحياة بشكل طبيعي مرة أخرى. هذا ما حدث لكاتب هذا المقال بعد رحلته إلى فلسطين وإسرائيل، والتي يتحدث عنها خلال هذا الموضوع ويقول:

بعد عودتي من فلسطين بأيام قليلة، قرر عقلي الباطن أن يهوّن عليّ ما شاهدته من أهوال في “الأرض المقدسة”، بما في ذلك الجدار الخراساني الذي يحيط بالسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وأبراج القناصة التي توجد في كل زاوية من ذلك السجن.

كانت هذه هي رحلتي الأولى لفلسطين، والتي يطلق معظم الغرب عليها اسم إسرائيل، على أية حال، لم أذهب إلى هناك قبل هذه المرة، ولكني قرأت عنها بشكل كاف: الفلسطينيون والإسرائيليون يتصارعون من أجل الأرض.

تشكلت الحكومة الإسرائيلية عام 1948 بناء على رؤية وضعتها حركة علمانية استعمارية أوروبية تسمى الصهيونية، والتي أسسها تيودور هرتزل عام 1896. سعى هرتزل الملحد لتحرير اليهود من الاضطهاد الأوروبي مع هدف نهائي، وهو إقامة دولة يهودية، وقع الاختيار في النهاية على فلسطين كموقع للدولة اليهودية، وحصل هذا الاقتراح على موافقة الحكومة البريطانية التي كانت تسيطر على فلسطين منذ الحرب العالمية الأولى.

قبل أن نذهب أبعد من ذلك، يجب أن نضع حدًا للتسمية الخاطئة التي تتردد في نشرات الأخبار لسنوات، فليس هناك ما يُعرف بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني. الحكومة الإسرائيلية تسيطر على كل شيء في البلاد، وبالأخص في الضفة الغربية، حاليًا لا يوجد “صراع”، وإنما هي قوات الحكومة الإسرائيلية المنتشرة في كل مكان، وأولئك الذين يقاومون ذلك.

في سنتي الأخيرة من الجامعة بدأت البحث في تاريخ الفلسطينيين واكتشفت أنهم سكنوا هذه الأرض لآلاف السنين، في الواقع، شهدت أرض فلسطين العديد من المحتلين على مدار التاريخ، بما في ذلك المصريون القدماء والكنعانيون الإسرائيليين والفلسطينيين والتجيكر والآشوريين والبابليين والفرس والإغريق والرومان والبيزنطيين والمسلمين والصليبيون والأيوبيون والمماليك والعثمانيون والبريطانيون والأردنيون.

تشير الدراسات إلى أن جزء – إن لم يكن الغالبية – من العرب الذين يعيشون في فلسطين ينحدرون من السكان الأصليين والذين يعود تاريخهم لآلاف السنين.

لو كنتُ شكلتُ تصوُّري عن فلسطين بناء على ما تقوله وسائل الإعلام الغربية، لربما كنت صدقت أن الفلسطينيين هبطوا من السماء على هذه الأرض، أو حتى أنهم عبروا إلى فلسطين من الأردن قبل قيام دولة إسرائيل، تبنّت وسائل شتى في آرائها – وخصوصًا بعد أحداث 11 سبتمبر- حيث زعموا بأن الفلسطينيين متعطشون للدماء، وأنهم يفجرون أنفسهم في الأماكن العامة مما يؤدي لمقتل الأبرياء، دون أن تذكر وسائل الإعلام تلك الظروف والمعوقات التي يواجهها الفلسطينيون.

من أجل أن ينجح الاحتلال والاستعمار، فإنهم لا بد من أن يجردوا السكان من إنسانيتهم، ويصفوهم بالهمج وينكروا وجودهم، وبمجرد تطبيقهم هذا النموذج، فإنهم يمكنهم القيام بأي أعمال عنف دون الرجوع لأي أحد، أو الاهتمام بأي رأي.

Untitled

أعضاء الوفد الخاص بنا يظهرون جوازات السفر عند نقطة تفتيش؛ ليدخلوا مستوطنات غير قانونية في مدينة الخليل بالضفة الغربية، يُسمَح لليهود الإسرائيليين بالدخول، بينما الأجانب يجب عليهم إحضار جواز السفر كما يتم استجوابهم، بينما الفلسطينيون لا يُسمَح لهم. (الصورة بواسطة: توماس دالال)

 

الدخول والخروج

تألف وفدنا من صحفيين وفنانين أميركيين أفارقة بارزين، وقدموا اقتراحات لزيادة فرصهم في الدخول إلى فلسطين وإسرائيل فمن المعروف بالنسبة للمسافرين أنهم يمكن أن يُمنعَوا من الدخول؛ لأسباب سخيفة مثل انتقادك للسياسة الإسرائيلية على مواقع التواصل الاجتماعي، لذا قررت أن أقول الحقيقة للمحققين الإسرائيليين، ولكن مع جعلها غامضة بقدر الإمكان.

المسافرون الذين يُمنعون من الدخول يتم احتجازهم واستجوابهم لساعات طويلة وإرغامهم على العودة من حيث أتوا، نصحني بعض الزوار أن أتجنب قول كلمات مثل فلسطين، التضامن، الضفة الغربية داخل مطار إسرائيل، كما نصحوا أيضًا بتطهير بريدي الإلكتروني، كما تم تحذيري بأن السلطات الإسرائيلية قد تكون وقحة لتستفز الزوار، وهو ما حدث معي بالفعل.

كيف تسير الأمور

بعد وصولي لمطار بن غوريون في تل أبيب، اتجهت إلى الصف الخاص بالأجانب واستوقفتني امرأة إسرائيلية تبلغ حوالي 20 عامًا، وقامت بفحص جواز السفر، وسألتني عدة أسئلة، مثل: أسباب الزيارة والأماكن التي سأزورها، بعد ذلك حصلتُ على الموافقة، ودخلت دولة إسرائيل.

في خلال رحلتي من تل أبيب إلى القدس، لاحظت إلى جانب المناظر الطبيعية الخلابة وجود مئات الأميال من الجدران الخراسانية والأسلاك الشائكة، وليست أنواعًا عادية، بل مثل التي تستخدم في السجون.

لاحظت أن الضفة الغربية المحتلة تنقسم إلى ثلاثة أجزاء: المنطقة (أ) والمنطقة (ب) والمنطقة (ج). المنطقة (ج) تتحكم بها الحكومة الإسرائيلية، والمنطقة (أ) يُفترض أن تكون تحت سيطرة السلطة الفلسطينية (PA)، وهي هيئة تتمتع بالحكم الذاتي، وقد أُنشئت لحكم الضفة الغربية وقطاع غزة. بينما تقع المنطقة (ب) تحت سيطرة البلدية الفلسطينية والأمن الإسرائيلي، السبب في ذكر كلمة “يُفترض” لأنه في الواقع المحتل الإسرائيلي هو المسيطر في المنطقة (أ) ويبدو أن السلطة الفلسطينية تنفذ أوامرهم. فمنذ اتفاقية أوسلو الثانية عام 1995 أقرت الحكومة الإسرائيلية والمجتمع الدولي بأن المنطقة (أ) تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، ولكنها مجرد حملة لإقناع العالم بأن الفلسطينيين لديهم قوة عسكرية وسياسية واقتصادية.

الحقيقة

في القدس، شاهدت تنوعًا دينيًا وعرقيًا، رأيت العرب والآسيويين والأوروبيين والأفارقة واليهود الأرثوذكس والمسلمين والمسيحيين، لقد كانت تجربة رائعة أن ترى هذا التنوع في الثقافات.

كانت التفرقة أكثر وضوحًا عندما اضطرت المرشدة السياحية المصاحبة لنا ـ وهي امرأة فلسطينية من الطبقة المتوسطة – للخروج من السيارة الخاصة بالفوج والمرور عبر نقطة تفتيش سيرًا على الأقدام، وكما هو الحال مع جميع الفلسطينيين، أخبروها بأن تضع إبهامها على الماسح الضوئي؛ لتستطيع المرور من نقطة التفتيش، بينما استثنى جيش الدفاع الإسرائيلي أعضاء الوفد من هذا الفحص الدقيق، تم استجواب الأعضاء ذوي البشرة خفيفة السواد، وتم سؤالهم بشكل صريح ما إذا كانوا عربا أم لا، وعن اسم العائلة أيضًا.

أخبرنا الفلسطينيون قصصًا عديدة عن التجاوزات والمعاناة التي واجهوها على أيدي المستوطنين الإسرائيليين، وكذلك الجنود، وقد شاهدنا ذلك أمام أعيننا، بجانب تلك المعاملة السيئة ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية (والتي يتلقى المستوطنون فيها إعانات الدولة)، وصلت أعمال العنف إلى الأرض الزراعية أيضًا، حيث يقوم المستوطنون باقتلاع وتدمير أشجار الزيتون التي يعتمد عليها الفلسطينيون في التغذية والحصول على الدخل، والأكثر شؤما من ذلك أن ترى عمليات الاعتقالات وإطلاق النار أمرا شائعا، خاصة في الضفة الغربية.

يمكن أن يُسجَن فلسطيني ويُحتجَز لمدة أشهر أو سنوات رهن الاعتقال الإداري دون أن توجّه إليه أية تُهَم، بينما لا ينطبق القانون نفسه على اليهود الإسرائيليين، في الواقع، يمكن للمواطنين الإسرائيليين أن يرتكبوا جرائم ضد الفلسطينيين، دون أن يتم عقابهم، وعلاوة على ذلك، فالإسرائيليون يقعون تحت اختصاص الشرطة والمحاكم المدنية، أما الفلسطينيون فهم من اختصاص القضاء العسكري، وقد وثّقت هيومن رايتس ووتش الوضع القانوني “الغير متكافئ” الذي يعاني منه الفلسطينيون.

Untitled

يهودا شاؤول (صاحب القميص البرتقالي) يُحاضر الوفد بالقرب من قرية سوسيا. (الصورة بواسطة: توماس دالال)

يهودا شاؤول هو قائد سابق في الجيش الإسرائيلي ومدير العلاقات الخارجية حاليًا لمنظمة “كسر الصمت”، وهي منظمة تتكون من مجموعة من جنود الجيش الإسرائيلي السابقين كرّسوا أنفسهم لكشف الفظائع التي تُرتكَب ضد الفلسطينيين، فضلًا عن الفساد في الحكومة الإسرائيلية، يهودا هو رجل ممتلئ الجسم يرتدي الطاقية اليهودية، ولا يزال يتحرك ويتكلم كأنه جندي، بينما سرنا في السيارة في تلال جنوب الخليل، حدثنا يهودا عن خطة إسرائيل لإجبار الفلسطينيين الريفيين على الابتعاد عن أراضيهم والانتقال إلى مدن الضفة الغربية؛ ليكونوا تحت سيطرة الحكومة.

يرى يهودا كإسرائيلي ليبرالي ضرورة منح الفلسطينيين حقوقهم، وإيجاد حل للدولة الفلسطينية الإسرائيلية، يهودا لا يزال صهيونيًا، ولكنه أخبرنا عما يحدث من استيلاء على الأراضي وعنف وظلم من جانب المستوطنين الإسرائيليين والحكومة الإسرائيلية كذلك، ولكنّه لم يكشف عن قصته الشخصية، والتي من المرجح أن تشمل أنه كان في مهمة كقائد في جيش الدفاع الإسرائيلي الذين روعوا الأحياء الفلسطينية، ولكنه اليوم ناشط، يرى بأن الفلسطينيين بشر.

أمر يهودا السائق الفلسطيني بأن يتوقف على جانب الطريق بالقرب من مستوطنة إسرائيلية غير قانونية في قرية سوسيا. سوسيا هي موطن للمستوطنين الإسرائيليين اليمينيين المسلحين والذين يمكن أن يسحقوا الفلسطينيين بمجرد رؤيتهم، حسب قول يهودا، لذا بقي الفلسطينيون المرافقون لنا في الشاحنة.

لسبب ما، أجرى يهودا محاضرته خارج الحافلة، ثم جاءت سيارة توقفت بالقرب منّا وقام السائق بالتحديق بنظرات مخيفة في مجموعتنا، ولكن يهودا أكمل حديثه، وكأن شيئًا لم يحدث، ولكنّي بقيت حذِرًا، جاء هذا السائق وقام بتفتيشنا، ثم انطلق مسرعًا، ثم عاد لتكرار هذا الإجراء مرة أخرى، ورغم ذلك رفض يهودا أن نعود للشاحنة وأمرنا أن نبقى في الخارج.

بعدها بقليل سمعنا إطلاق نار سريع، مما دفعنا لأن نعود للحافلة، وعندما كنّا على وشك التحرك جاءت عربات الجيش الإسرائيلي، وقام بعض الجنود بتفتيش سريع للحافلة، ثم انصرفوا، على ما يبدو أن المستوطنين الإسرائيليين كانوا يهاجمون مجموعة من الفلسطينيين أثناء المحاضرة.

الصهيونية أقنعت العديد من اليهود بأنهم ينقذون أنفسهم، ويعتقدون بأن الفلسطينيين لو توقفوا عن المقاومة وإطلاق الصواريخ، وتوقفوا عن محاربة الهيمنة الإسرائيلية التي لا مفر منها، يمكن أن يكون هناك سلام.

أجد ذلك غريبًا؛ لأنه خلال زيارتي لم أشعر بأي خطر من جانب الفلسطينيين، ولكني شعرت بالخطر من جانب الجنود الإسرائيليين فقط، لا يوجد صراع فلسطيني إسرائيلي، بل يوجد ظلم واضطهاد فقط.

لن أتغاضى عن الهولوكوست التي خلّفت الملايين من اليهود الأوروبيين، إما قتلى أو هاربين؛ من أجل البقاء على قيد الحياة، لا يوجد ما يبرر الوحشية التي ارتكبها النظام الألماني الوحشي، في السياق نفسه، لأن أقلل مما قام به الجيش الألماني من إبادة جماعية ضد سكان هيريرو وناماكا في جنوب أفريقيا، أو الحكم الدموي للملك ليوبولج في قارة أفريقيا.

المأساة تبقى مأساة، لا ينبغي أن تُعطى واحدة أولوية عن الأخرى، ولا ينبغي أن تكون مأساة حدثت في الماضي مبررًا لحدوث واحدة أخرى في المستقبل”.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد