استعرضت «لينا الشامي»، وهي ناشطة ومهندسة معمارية سورية، رحلتها في مدينة حلب التي دخلتها لأول مرة عام 2008 للدراسة في الجامعة، قبل أن تسقط المدينة بعد ذلك بثماني سنوات في يد النظام السوري؛ لتخرج منها «الشامي» برفقة زوجها «يوسف» في حافلة للاجئين إلى إدلب.

وتروي «لينا» في مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية كيف قضت البراميل المتفجرة التي أسقطها النظام السوري بدعم من القوات الروسية والميليشيات الإيرانية، على أمل حوالي نصف مليون شخص للعيش في حلب، لينتهي بهم الحال إلى الخروج في حافلات للاجئين.

«نيويورك تايمز»: الأسد فاز في سوريا.. ولكن أي سوريا ستبقى؟

 

وإلى نص المقال:

لقد نشأت هنا في إدلب، وهي بلدة في شمال سوريا، وانتقلت إلى حلب، على بعد حوالي 40 ميلًا، في عام 2008؛ لدراسة الهندسة المعمارية في الجامعة. كنت قد أحببت حلب منذ طفولتي، عندما اعتدنا أن نزور جد أمي. كنت أحدق في المنازل الخشبية ذات الشرفات المتشابكة في الأزقة التي نشأت فيها والدتي في طفولتها.

كطالبة، كنت أقضي فترات بعد الظهر الطويلة في مسجد الجامع الأموي، الذي يعود إلى القرن الثامن مع مئذنته الرفيعة تحفة القرن الحادي عشر. كما أنني أعجبت بالقلعة التي يعود بناؤها إلى القرن الثاني عشر، وبواباتها المزينة برسومات التنين المجنح والحيات. على مشارف المدينة، ذكرتني كنيسة القديس سمعان، من العصر البيزنطي، بقصص من التاريخ القديم.

متعة استكشاف هذا التاريخ المجيد، والهندسة المعمارية اقترنتا بصعوبة مع إدراكي المتزايد لحدود القدرة في سوريا في عهد الرئيس «بشار الأسد». إذا كنت لا تنتمي إلى شبكة العلاقات التي يرعاها «الأسد» وأعوانه، فلن يكون لديك الكثير من المستقبل في البلاد على أي حال.

في يناير (كانون الثاني) 2011، وخلال سنتي الثالثة في جامعة حلب، وصلت أخبار ثورات الربيع العربي من تونس ومصر. وشعر العديد من أصدقائي بالتشاؤم أن مثل هذا الشيء يمكن أن يحدث في سوريا؛ لأننا كنا نعرف كيف يمكن أن تكون وحشية النظام، إذ نشأنا في بلادنا على الاعتقاد بأن الجدران لديها آذان.

ولكن بحلول أبريل (نيسان)، امتدت الاحتجاجات ضد «الأسد» في جميع أنحاء سوريا. ويومًا ما في الصيف انضممت إلى مجموعة من الشابات في حي راقٍ في غرب حلب. مشينا خلال السوق حاملين لافتات تنتقد النظام. وبعد بضع دقائق، وصلت الميليشيات الموالية لـ«الأسد» في عدة سيارات، وبدأت تدور حولنا. ركضنا، وألقي القبض عليّ وعلى فتاة كانت قد لجأت معي إلى منزل في زقاق للاختباء فيه.

كنا مكبلين الأيدي، وتم اقتيادنا إلى مركز الشرطة، وبعد ذلك إلى مقر المخابرات. أتذكر المشي خلال ممر يمتلأ بالرجال الذين جردوا من الملابس الداخلية، وأياديهم مكبلة. وكانت آثار التعذيب بادية على ظهورهم. قلت لصديقتي أن تنكر أننا كنا في مظاهرة، وأن نقول إننا كنا في الحي لتناول طعام الغداء، وهرعنا هربًا من الفوضى. في الليل، تم تعصيب أعيننا ونقلنا إلى غرفة كاملة تعج بأصوات الذكور. أزيلت العصابة من على أعيننا، وتم سؤالنا عن مشاركتنا في المظاهرة. ظللنا نردد قصة الغذاء. وبعد فترة وجيزة، تم إطلاق سراحنا.

ومع اشتداد الثورة خلال صيف عام 2012، رد النظام بوحشية متزايدة. انتقلت لفترة وجيزة مع والدتي إلى بلدة تركية على الحدود السورية، ولكن بعد شهر قررت العودة إلى حلب، على الرغم من قلق والدتي، لاستكمال دراستي.

في شهري يوليو (تموز)، وأغسطس (آب)، سيطر الجيش السوري الحر على معظم شرق حلب. وبات التنقل بين المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة وغيرها التي يسيطر عليها النظام في المدينة، صعبًا للغاية.

الجامعة كانت في غرب حلب، وكنت أسمع باستمرار طائرات ومروحيات «الأسد» تسقط القنابل ناحية الشرق. بدا الناس في غرب حلب ببساطة يمارسون حياتهم. لم أستطع تحمل الضحك في الشوارع، أولئك الذين يتناولون العشاء في المطاعم وهم يرتدون ملابس جميلة، بينما القنابل تسحق الأحياء الشرقية، على بعد بضعة أميال.

أصبحت جامعتي مركزًا للاحتجاج. وباتت الحياة في الحرم الجامعي تتنقل بين الدروس، والاحتجاجات، ومداهمات من قبل قوات الأمن. نجوت من السجن ولكن الكثير من زملائي الطلاب لم يتمكنوا. في 15 يناير (كانون الثاني) 2013، كنت أعمل في أستوديو تصميم في المدرسة، عندما رأى زميلًا لي شيئًا يسقط من النافذة. بعد ثوان قليلة، شعرت بعاصفة من الهواء في لمح البصر، غطى المكتب الغبار والزجاج والحطام. أصبت بخدوش قليلة في وجهي ويدي. فيما أصيب اثنان من زملائي بجروح في الرأس.

قتل أكثر من 80 شخصًا، بينهم طلاب ومارة وباعة متجولون يبيعون القهوة، جراء القصف في ذلك اليوم. شعرنا أنه كان تحذيرًا من «الأسد». بعد ذلك، انتهت الاحتجاجات في الجامعة وفي الأماكن الأخرى التي تخضع لسيطرة النظام في حلب.

لم أكن أريد البقاء في غرب حلب حتى ليوم واحد بعد تخرجي. ذهبت إلى تركيا للعيش مع والدتي. بينما كنت هناك التقيت المهندسين المعماريين السوريين، الذين كانوا يتعاملون مع مشكلة إسكان اللاجئين، عن طريق استبدال الخيام المنتشرة في المستوطنات غير الرسمية بالمنازل التي بنيت بثمن بخس. قمنا ببناء العديد من المنازل. والتقيت «يوسف»، وهو مهندس معماري من حلب. بعد ذلك بعامين، في صيف عام 2015، تزوجت «يوسف» وانتقلت إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة شرق حلب للعيش، والتطوع معه.


بينما كنا هناك، كنت دائمًا أخاف من القنابل التي تسقط في أي مكان، وفي أي وقت. صوت المروحيات والطائرات أبقاني على حافة الهاوية. الجامع الأموي والقلعة، وهي الأماكن التي أحببت زيارتها خلال دراستي، تضررت بشكل كبير. ومع ذلك، كان هناك حوالي 250 ألف شخص يعيشون في شرق حلب، وكان البعض يعملون في محلات البقالة، والصيدليات، أو أسواق الخضار، والبعض الآخر يعمل مع منظمات الإغاثة المحلية، والدولية.

«يوسف»، وعلى الرغم من أنه مهندس معماري، فقد تطوع للمشاركة في جميع الأعمال الممكنة. عمل مسعفًا، وساعد على نقل المدارس إلى الأقبية، وقام بأدوار في المسرحيات. كنت أسير عبر المنازل التي تم قصفها في الماضي للعمل في مدرسة، وكنت أشاهد بنظرات مؤلمة الصور العائلية، والملابس التي كانت ما تزال معلقة على خطاطيف على الجدران المحطمة.

في شهر يوليو (تموز) الماضي، أقامت قوات «الأسد» خطوط حصار حول شرق حلب. كنا نادرًا ما نطهو في المنزل لأنه لم يكن هناك أي وقود. بعد أيام قليلة من بدء الحصار، بيت الفلافل، وهو المطعم الصغير في الحي، الذي كنا نتناول فيه العشاء، تعرض للقصف. وقتل اثنان من العمال. أغلقت المحلات التجارية أبوابها، واحدًا تلو الآخر. بعد شهر من الحصار، لم يكن هناك أي شيء يذكر للشراء في الأسواق. بدأ الناس في مقايضة ما يملكونه بين بعضهم البعض. كانت منظمات الإغاثة قد قامت بتخزين الأرز والحبوب والفول تحسبًا للحصار، وهو ما منح بعض المساعدة. سقطت عدة مناطق في قبضة قوات النظام. وفر عشرات الآلاف من الناس.

بحلول نوفمبر (تشرين الثاني)، تقلص عدد الأشخاص المتمركزين في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة إلى حوالي نصف مليون شخص. وتحرك الخط الأمامي أقرب ناحية بيتنا. توقف كل شيء. ذهب «يوسف» للقتال مع الجيش السوري الحر. كنت أقول له وداعًا كل صباح عندما يغادر، كما لو كانت آخر مرة. كنت أشعر أنني أفقد عقلي عندما لم أكن قادرة على الوصول إليه عبر الهاتف بعد موجة أخرى من التفجيرات.

في صباح أحد الأيام أثناء الحصار، كنت قد تناولت فقط القهوة مع «يوسف» عندما حدث انفجار مفاجئ من الهواء فتح الأبواب والنوافذ في شقتنا. غطى الغبار مائدتي وجهاز الكمبيوتر الخاص بي. كنت أرتجف على أريكتي، وقلبي ينبض بسرعة.

بعد ذلك بيومين، سقط برميل متفجر آخر، على مبنى على مقربة من منزلنا. وكانت المستشفى في المبنى المجاور لنا. كانت طائرات النظام والطائرات الروسية تقصف عمدًا المستشفيات والعيادات. انتزعنا حقيبة ملابسنا وانتقلنا إلى منزل آخر. كانت قوات النظام تقترب، وكان منزلنا الجديد في نطاق اطلاق النار. انتقلنا مرة أخرى، إلى منزل صديق لنا.

كنا يائسين أن يسمع العالم صوتنا ويساعدنا. كنت أغرد على تويتر وأنشر الصور ومقاطع الفيديو، التي تظهر الدمار في شرق حلب. اعتمدنا على مقدمي الخدمات المحليين، الذين يستخدمون الشبكات اللاسلكية التركية، وموجات الأقمار الصناعية للحفاظ على بث الصور ومقاطع الفيديو من حلب عبر الإنترنت. يوم 12 ديسمبر (كانون الأول)، كانت حلب على مقربة من السقوط، وكثير منا نشر على تويتر نداءه الأخير للمساعدة. سجلت الفيديو الخاص بي داخل منزل أحد الأصدقاء، وكان صوتي يرتجف. لقد خشيت من حدوث مجزرة.


بعد أيام قليلة، أعلن اتفاق لوقف إطلاق النار. سقطت حلب. وتم منحنا ممرًا للخروج. في 21 ديسمبر (كانون الأول)، كنت أنا و«يوسف» نستقل واحدة من الحافلات الأخيرة التي تخرج من المدينة. سمعنا أن الميليشيات الموالية للأسد هاجمت إحدى الحافلات، وقتلت أربعة رجال. لم تكن هناك أماكن خالية في الحافلات، وطلبت منا السلطات أن نخرج من المدينة مستقلين سياراتنا. فيما بدأت طبقات من الثلوج في السقوط.


انتظرنا في سيارتنا عند نقطة التفتيش، لمدة 36 ساعة ونحن نشعر بالبرد من دون طعام. كان الثلج ما يزال يسقط في الصباح عندما كنا نخرج من حلب. بعد عبور نقاط التفتيش، التي كان يديرها الروس، وجنود الأسد، والميليشيات الإيرانية، كنا قد خرجنا أخيرًا من الأراضي التي يسيطر عليها النظام. وبعد عشرين دقيقة مرت طويلة، رأيت سارية تحمل علم الجيش السوري الحر فيما كانت عيناي تذرفان الدموع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد