يرصد تقرير بمجلّة ScientificAmerican خُطوةٌ جديدةٌ يتخذها العلماء ربّما تنجح في تقليص الفجوة الهائلة بين العقول الإلكترونية والعقول البشرية. حيث خصّص نشاط المشاريع البحثية الاستخباراتية المتقدّمة (IARPA)، بالولايات المتحدة، ميزانية تقدّر بحوالي 100 مليون دولارًا لمشروع بحثيّ جديد يُدعى MICrONS؛ يهدف إلى هندسة ذكاء اصطناعي مستلهمٍ من شبكة التوصيلات العصبية العقلية في دماغ الإنسان. المشروع جزء من مبادرة مشروع خريطة نشاط الدماغ (BRAIN)، التي أطلقها الرئيس أوباما.

يرصد تقرير بمجلّة «ScientificAmerican» خُطوةً جديدةً يتخذها العلماء، ربّما تنجح في تقليص الفجوة الهائلة بين العقول الإلكترونية والعقول البشرية. حيث خصّص نشاط المشاريع البحثية الاستخباراتية المتقدّمة (IARPA)، بالولايات المتحدة، ميزانية تقدّر بحوالي 100 مليون دولارٍ لمشروع بحثيّ جديد يُدعى «MICrONS»؛ يهدف إلى هندسة ذكاء اصطناعي مستلهمٍ من شبكة التوصيلات العصبية العقلية في دماغ الإنسان. المشروع جزء من مبادرة مشروع خريطة نشاط الدماغ (BRAIN)، التي أطلقها الرئيس أوباما.

لماذا لا تكفي الخوارزميات الحاسوبية الحالية؟

135627372تعتمد تكنولوجيا اليوم بشكل أساسي على خوارزميات تُعرف بالشبكات العصبية الصناعية، المُستلهمة من تركيب الدماغ البشري، أو ما يعرفه العلماء عن تركيب الدماغ البشري، باستخدام هذه الخوارزميات، ومع ازدياد القدرات الحاسوبية، وكمّية المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت، أصبح بإمكان الحواسيب أن تُدرك بعض الأشياء: يتعرّف فيس بوك على الأوجه، وتُميّز (سيري) الأصوات، وتقود السيارات ذاتها، ويتغلّب العقل الحاسوبي على الإنسان في ألعاب مثل الشطرنج.

لكن هذه الخوارزميات ما زالت بدائية تعتمد على عمليات مبسّطة من تحليل المعلومات باستخدام التنميط. صحيحٌ أنّها تحمل بعض عناصر التراكيب الدماغية، لكنّ وسائلها الحسابية هي مجرد حلول هندسية تعتمد على التجربة والخطأ، ولا يدري العلماء مدى تشابه العمليات التحليلية التي تقوم بها هذه الشبكات مع العمليات التي يقوم بها الدماغ. لا تتعامل هذه الخوارزميات بفعالية في بيئة مزدحمة، مثل تعرّضها للعديد من الأصوات المختلطة. كذلك فإنّها لا تعلّم الحاسوب الاستقراء بسهولة، فهو لا يتعلّم التعرّف على الكلاب بمجرّد رؤية كلبٍ أو اثنين.

أمّا الإنسان، فهذه العوائق لا تمثّل له شيئًا. يمكنه تمييز الأصدقاء مهما كان المكانُ مزدحمًا، والتركيز على صوتٍ معيّن وسط ضوضاءٍ صاخبة. مثالٌ أو اثنين من المواد البصرية أو السمعية يعلّمانه تمييز الأنماط بسهولة واستنتاجها. لهذا اتجّه العلماء في مشروع «MICrONS» إلى الدماغ، لمعرفة ماذا ينقص هذه الخوارزميات لتجعل الحاسوب يفكّر ويدرك كالإنسان.

ملليمتر مكعّب

585296941ملليمتر مكعّب من دماغ القوارض، أو ما يعادل واحد على مليون من دماغ الإنسان. ليس هذا حجمًا ضئيلًا إذا ما وضعنا في الاعتبار أن إمكانات العلماء قبلًا لم تسمح، إلا بتسجيل نشاط عدّة خلايا عصبية في المرّة الواحدة، أو مجموع الخلايا العصبية في صور الرنين المغناطيسي الوظيفي المجمّعة.

يستهدف المشروع في المرحلة الأولى منه رسم خريطة كاملة للتوصيلات الكهربية بين 100 ألف خلية عصبية، بينما يمارس القارض أفعالًا متعلّقة بالتعلّم والإدراك البصري. سيتطلّب الأمر تصويرًا بأبعاد نانومترية لأسلاك طولها لا يتجاوز عدّة ملليمترات.

قد يبدو الأمر مستحيلًا، لكن يعقوب فوجلشتاين، مدير مشروع «MICrONS»، متفائلٌ برغم كل شيء.

«لقد وفّرت لنا مبادرة ‹BRAIN› عددًا هائلًا من الوسائل لاستجواب الدماغ، بالقدر الذي نحتاجه للحصول على خريطة تفصيلية لدوائره الكهربية. لذا نحنُ في لحظة مميزة من التاريخ، نمتلك فيها للمرة الأولى الأدوات، والتقنيات ووسائل التكنولوجيا اللازمة للكشف عن تخطيط الدماغ على مستوى كل خلية عصبية، وكل تشابك عصبي».

كيف سيرسم العلماء خريطة الدماغ؟

608152909كرّست ياربا 3 فِرق من العلماء لمشروعها: فريق بقيادة ديفيد كوكس، عالم الأحياء والحواسب بجامعة هارفارد؛ وآخر بقيادة تاي سينج لي، عالم الحواسب بجامعة كارنيجي ميلون؛ وثالث بقيادة أندرياس تولياس، عالم الأعصاب بكلية بايلور للطب. كلّ فريق اقترح نهجًا مختلفًا لتسجيل خارطة الدماغ على مدار الخمسة أعوام القادمة.

فريق كوكس سيستخدم تقنية تٌعرف بالتصوير المجهري ثنائي الفوتون (Two-Photon Microscopy). أساس هذه التقنية أن أيونات الكالسيوم تندفع إلى داخل الخلية العصبية عندما تنشط. بتقديم بروتين فوسفوري حسّاس للكالسيوم إلى الجرذ، سيتمكّن العلماء من رؤية الخلايا العصبية تشعّ أثناء القيام بمهامها. يقول كوكس:

«الأمر أشبه بعمليات التنصّت. كما نزرع أجهزة التنصّت للاستماع إلى مكالمة هاتف، يمكننا أن نزرع هذا البروتين لنتنصّت على ما تقوله جوانب الدماغ الداخلية، بينما الحيوان حيّ ويفعل شيئًا ما».

بعدها سيُرسل الفريق ملليمترًا مكعبًا من دماغ الجرذ إلى جيفري ليتشمان، عالم الأحياء والأعصاب بجامعة هارفارد، ليرى، باستخدام مييكروسكوب إلكتروني فائق التقدّم، كل التوصيلات العصبية بين خلايا الدماغ.

فريق تولياس فسيستخدم تقنية مشابهة؛ التصوير المجهري ثلاثي الفوتون (Three-Photon Microscopy)، لينظر إلى الأجزاء الأعمق من مخّ فأر، وليس الطبقات السطحية فقط التي سيفحصها كوكس وفريقه.

أما فريق لي فسيتعاون مع جورج تشيرش، عالم الجينات بكلية هارفارد للطب، لاستخدام تقنية تعرف بتشفير الحمض النووي (DNA barcoding): تمييز كل خلية عصبية بتتابع مميز من النوكليوتيدات (Nucleotides)، وتوصيل هذه التتابعات كيميائيًا لإعادة تكوين التوصيلات العصبية. يأمل لي أن هذه الطريقة ستكون أسرع وأكثر دقّة، لكنّها لم تنفّذ بنجاح من قبل قطّ. يقول لي:

«لكن إن نجحت تكنولوجيا التشفير هذه، فستُحدث ثورة في العلوم العصبية ودراسة التوصيلات العصبية في الدماغ».

التحليل بالتركيب

ليس كل هذا إلا الجزء الأول من المشروع. بعد أن ينجح العلماء في رسم خريطة التوصيلات العصبية بالدماغ، سيكون عليهم إيجاد طريقة للاستفادة من هذه الخارطة في كتابة خوارزميات تتعلّم الآلة من خلالها. كلّف كل فريق علماء حواسب بمهمة تحويل النظريات التي تشرح عمل الدماغ إلى نماذج تطبيقية. أحد هذه النظريات تقول بأن الإدراك ليس مجرد مُدخلات تؤدي إلى مُخرجات، وإنما هو عملية بنائية تُسمّى التحليل بالتركيب، يخلق فيها المخ عالمًا افتراضيًا، مولدًا توقعاتٍ وتنبؤات تمكّنه من تفسير المُدخلات وإيجاد طرق للتعامل معها، أو كما يقول كوكس: «نتوقّع ما يُمكن أن يكون في العالم، ونقارن هذا بما نراه بالفعل، ونستخدم هذه المقارنة في توجيه إدراكنا للعالم».

يأمل مشروع (MICrONS) في أن يجعل الآلات أكثر آلية، خاصة في تعلّمها التعرف على الأشياء، ويرغب فوجلشتاين في أن ينجح في تطبيق تقنيات التعلم بلا إشراف خارجي، حيث ستساعد الاستخبارات الأمريكية كثيرًا في عملها.

يأمل القائمون على المشروع أيضًا في أن ينجحوا، حيثُ فشل مشروع العقل البشري، الذي واجه الكثير من العقبات. يقول كوكس بأن مشروع (MICrONS) مُختلف تقنيًا ولوجستيًا عن مشروع العقل البشري السابق، بل إنّه يسير في اتجاه مناقض له، حيث ينظر المشروع إلى طبيعة العقل البشري أولًا، قبل أن يحاول محاكاتها. وتنتوي ياربا نشر البيانات التي ستجمعها خلال المشروع ليستفيد منها علماء آخرون.

يتحلى لي بالأمل على الرغم من أنه يدرك صعوبة الأمر، يقول:

الأمر أشبه بفحص حبّة رمل، لكن ـ كما قال لي أستاذي بالجامعة ـ يمكن أن ترى الله في حبة رمل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد