بالتزامن مع صعود الحركات اليمينية والشعبوية المتطرفة في الغرب، وارتفاع «جرائم الكراهية» ضد المهاجرين، كتبت مجلة «إيكونوميست» البريطانية مقالًا بتبويب «ماذا لو» يستعرض المكاسب التي ستعود على العالم كله إذا ما فتحت كل الدول أبوابها للمهاجرين.

نقلت «إيكونوميست»عن مايكل كليمنس، الباحث الاقتصادي في مركز التنمية العالمية، وهو مركز بحثي في العاصمة الأمريكية واشنطن لمواجهة الفقر، قوله إن هناك «أوراق نقدية تساوي تريليونات الدولارات الأمريكية مُلقاة على الرصيف» لا يلتقطها أحد، فهناك سياسة سهلة ظاهريا يمكنها جعل العالم أغنى بضعف ما هو عليه الآن: الحدود المفتوحة.

وتابعت المجلة بقولها: إن العمال يصبحون أكثر إنتاجية بكثير عندما ينتقلون من دولة فقيرة إلى أخرى غنية، ففجأة، يستطيعون الانضمام إلى سوق عمل ذى رأس مال وافر، وشركات فعالة، و نظام قانوني مستقر، فأولئك الذين اعتادوا أن يقتاتوا بصعوبة من التربة مستخدمين مَعَازِقًا خشبية يبدأون قيادة الجرارات، وأولئك الذين صنعوا بأيديهم طوبا من الطين يبدأون العمل بالحفارات الميكانيكية والروافع، وسيجد الحلاقون زبائن أغنى يعطون بقشيشا أكبر.

المكاسب المحتملة من الحدود المفتوحة تُقَزِّم نظيراتها من التجارة الحرة الكاملة، كما يفوق حجم تحويلات المهاجرين المالية إلى أوطانهم حجم المعونات الأجنبية التي تتلقاها بلادهم النامية، ومع ذلك يجري التعامل مع الفكرة في كل مكان باعتبارها وهم.

ونقلت المجلة عن كل من كابلان ونايك في دراسةٍ لهما بعنوان «دعوى راديكالية للحدود المفتوحة» قولهما إن «العمل هو السلعة الأثمن في العالم – ومع ذلك يُهدَرُ معظمه بسبب قوانين الهجرة الصارمة»، فالعمال المكسيكيون الذين يهاجرون إلى الولايات المتحدة يتوقعون دخلا أعلى بـ 150%، ويجني العمال النيجيريون غير المدربين رواتب أعلى بـ 1000%.

لذا يشدد كل من كابلان ونايك على أن «إجبار النيجيريين على البقاء في نيجيريا هو تصرف أحمق اقتصاديًا مثله مثل إجبار الفلاحين على الزراعة في القارة القطبية الجنوبية».

فالمكاسب المحتملة من الحدود المفتوحة تُقَزِّم نظيراتها من التجارة الحرة الكاملة، كما يفوق حجم تحويلات المهاجرين المالية إلى أوطانهم حجم المعونات الأجنبية التي تتلقاها بلادهم النامية، ومع ذلك يجري التعامل مع الفكرة في كل مكان باعتبارها وهم، فأقل من 10% من الناس في معظم الدول يفضلونها، وفي عصر «بريكست» ودونالد ترمب، أصبحت فكرة سياسية مُجْهَضَةً من البداية. ومع ذلك، يجدر بنا أن نسأل عن ما يمكن أن يحدث لو كانت الحدود مفتوحة بالفعل.

اقرأ أيضًا: مترجم: لماذا تتعمد السفن الأوروبية عدم إنقاذ المهاجرين من الساحل الليبي؟

يمكن تخفيف حدة المخاطر بقليل من التفكير الخلاق

توضح المجلة أن «حدود مفتوحة» تعني أن الناس أحرار في الانتقال للبحث عن عمل، فلا تعني «لا حدود» أو «إلغاء الدول»، بالعكس، فالسبب وراء جاذبية الهجرة هو أن بعض الدول تُدار إدارةً جيدةً وأخرى تدار إدارةً سيئةً.

وتلفت المجلة الانتباه إلى أن العمال في الدول الغنية يكسبون أموالا أكثر من أولئك في الدول الفقيرة؛ جزئيًا، لأنهم متعلمون تعليما أفضل لكن السبب الأهم هو أنهم يعيشون في مجتمعات قد طَوَّرَت، عبر سنوات عديدة، مؤسسات تجلب الرخاء والسلام.

فمن الصعوبة الشديدة نقل المؤسسات الكندية إلى كمبوديا، بينما يمكن لعائلة كمبودية أن تطير إلى كندا مباشرة تقريبا. فأسرع الطرق للقضاء على الفقر المدقع هو السماح للناس بمغادرة الأماكن التي يدوم فيها.

وتشير المجلة إلى أعداد الناس الذين سيتركون بلادهم لو فُتِحَت الحدود فتقول، قدر معهد جالوب لاستطلاعات الرأي العام في 2013 أن 630 مليون إنسان – حوالي 13% من التعداد السكاني العالمي – سيهاجرون هجرة دائمة إذا استطاعوا، وأعداد أكبر ستهاجر هجرة مؤقتة، وسيستقر 138 مليون شخص في الولايات المتحدة، و42 مليون في بريطانيا، و29 مليون في المملكة العربية السعودية.

وفقا للمجلة، يمكن أن تكون أرقام معهد جالوب مبالغ فيها؛ فالناس لا يفعلون دائما ما يقولون، بالإضافة إلى أن مغادرة الوطن تتطلب شجاعة ومرونة؛ فعلى المهاجرين أن يودعوا أشخاصا مألوفين، وعادات مألوفة، وطعام جدتهم، لذلك يفضل العديد من الناس ألا يقوموا بتلك التضحية حتى من أجل البحث عن مكاسب مادية كبيرة.

اليوم يعيش 1.4 مليار شخص في دول غنية و6 مليار شخص في دول ليست على نفس
الدرجة من الغنى، فمن غير المستبعد أن يهاجر مليار شخص أو أكثر، خلال عقود
قليلة، لو لم توجد عقبات قانونية.

ثم تضرب المجلة الأمثلة قائلةً إن الرواتب في ألمانيا ضعف الرواتب في اليونان، وفي ظل قوانين الاتحاد الأوروبي يستطيع اليونانيون الانتقال بحرية إلى ألمانيا، إلا أن 150ألف يونانيًا فقط من التعداد السكاني لليونان البالغ 11 مليون شخص هم من هاجروا إلى ألمانيا منذ بداية الأزمة الاقتصادية عام 2010. فالجو فظيع في فرانكفورت، ونادرا ما يتحدث أحد باليونانية.

فحتى اجتماع تفاوتات اقتصادية كبيرة مع حدود مفتوحة لن يؤدي بالضرورة إلى هجرة جماعية. فمنذ عام 1986 ومواطني ميكرونيسيا مسموح لهم بالعيش والعمل دون تأشيرة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث متوسط دخل الفرد أعلى تقريبا بعشرين مرة، ومع ذلك بقى ثلثا السكان في ميكرونيسيا.

وتُشير المجلة إلى أنه، مع هذه المحاذير، إلا أنه من العدل أن نقول أن الحدود المفتوحة ستؤدي إلى تدفق كبير جدا من الناس، فالفجوة بين الدول الغنية والفقيرة عالميا أوسع بكثير من الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة داخل أوروبا، كما أن معظم الدول الفقيرة ليست جنات على هيئة جزر في المحيط الهادي، فكثير منها عنيفة إلى جانب كونها فقيرة، أو لديها حكومات قمعية.

ثم توضح «إيكونوميست» أن الهجرة في لغة الاقتصاد هي «نمط تنمية تابع للمسار (التاريخي)»، فهي تبدأ بمجرى هزيل أو بقطرة: فأول شخص يهاجر من الدولة إلى دولة يصل إلى مكان حيث لا يتكلم أحد لغته ولا يعرف أحد عاداته وتقاليده، لكن المهاجر الثاني – الذي يمكن أن يكون أخاه أو ابن عمه – يصبح لديه شخص يساعده، ومع انتشار الأخبار بأن الدولة بها مكان جيد للمعيشة، سيتدفق أشخاص أكثر من الدولة. وحينما يصل المهاجر الألْف يجد حيا كاملا من أبناء بلده.

ولهذا يمكن أن تكون أرقام معهد جالوب أقل من الأرقام الحقيقية أيضا، فاليوم يعيش 1.4 مليار شخص في دول غنية و6 مليار شخص في دول ليست على نفس الدرجة من الغنى، فمن غير المستبعد أن يهاجر مليار شخص أو أكثر، خلال عقود قليلة، لو لم توجد عقبات قانونية، ومن الواضح أن هذا سيغير الدول الغنية على نحو غير متوقع.

وتذكر المجلة أن الناخبون في الولايات التي تُشَدُّ إليها الرحال لا يعارضون قليلا من الهجرة، إلا أنهم متخوفون من أن الحدود المفتوحة حقًا «ستغمرهم» بالمهاجرين، ويخشون أن هذا سيجعل حياتهم أسوأ وربما سيهدد النظام السياسي الذي جعل بلدهم تستحق الهجرة إليها من البداية، فهم يخشون أن الهجرة الجماعية ستجلب مزيدا من الجرائم والإرهاب، وستؤدي إلى خفض رواتب أهل البلد، وستشكل عبئا لا يطاق على نظام الرعاية الاجتماعية، وكذلك ستؤدي إلى ازدحام رهيب وانحلال ثقافي صادم.

اقرأ أيضًا: المهاجرون والأجانب في حياة ترامب: أمه وزوجته وأكثر من ألف عامل في شركاته الخاصة

أسئلة مفتوحة

إذا ما هاجر العديد من الناس من سوريا التي مزقتها الحرب أو من جواتيمالا المليئة بالعصابات الإجرامية أو من الكونغو المضطربة، هل سيجلبون الخراب معهم؟ تجيب «إيكونوميست» بأن هذا قلق مفهوم (يلعب عليه السياسيون المعادون للمهاجرين)، لكن ليس هناك ما يدعمه إلى جانب الأدلة المعتمدة على النوادر والظنون سوى القليل. فمن المؤكد أن بعض المهاجرين يرتكبون جرائم، أو حتى أعمالا إرهابية تحتل العناوين الرئيسية. لكن في أمريكا، تمثل احتمالية سَجْن أجنبي خُمس احتمالية سجن أمريكي. بينما في بعض البلدان الأوروبية مثل السويد، يسبب المهاجرون المشاكل بنسبة أكبر من السكان المحليين، إلا أن هذا يرجع في الأغلب لكون غالبية المهاجرين في السويد شبابا ذكورا.

ففي دراسة أجراها باحثون في جامعة وارويك حول تدفق المهاجرين بين 145 دولة فيما بين عامي 1970 و 2000، وجد الباحثون أن الهجرة تكافح الإرهاب ولا تدعمه، غالبا لأن الهجرة تشجع النمو الاقتصادي.

هل تؤدي الهجرة على نطاق واسع إلى تَرَدِّي أوضاع أهل البلد الاقتصادية؟ تؤكد المجلة على أنها لم تؤدي إلى ذلك حتى الآن، فالمهاجرون أكثر احتمالا من السكان المحليين أن يجلبوا أفكارا جديدة وأن ينشئوا أعمالهم الخاصة التي توظف معظمها السكان المحليين.

وعموما، فالمهاجرون أقل احتمالا من السكان المحليين أن يستنزفوا التمويل العام، إلا في حال استحالة عملهم بموجب القوانين المحلية، كما هو الحال بالنسبة لطالبي اللجوء في بريطانيا. بينما يمكن أن يؤدي التدفق الكبير من العمال الأجانب إلى خفض رواتب السكان المحليين ذوي المهارات المشابهة تخفيضا قليلا، إلا أن معظم المهاجرين يمتلكون مهارات مختلفة، فالأطباء و المهندسون الأجانب يسدون العجز في هذه المهارات، بينما يقوم المهاجرون غير المدربين على رعاية الأطفال أو المسنين، محررين بذلك السكان المحليين ليقوموا بأعمال أكثر ربحية.

هل ستسبب الحدود المفتوحة الازدحام؟ ترى المجلة أن ذلك ممكن في المدن الأكثر شعبية مثل لندن، لكن معظم مدن الغرب يمكنها التوسع في البناء خالقين مساحات أكبر، وستجعل الهجرة الجماعية العالم ككل أقل ازدحاما، لسرعة انخفاض معدلات إنجاب الأجانب حتى تكون أقرب إلى عادات البلد المضيف من عادات بلادهم التي نشأوا فيها.

هل ستغير الهجرة الجماعية ثقافة وسياسات الدول الغنية؟ ترى «إيكونوميست» أن أمريكا قد تغيرت، غالبا إلى الأفضل، فقد ارتفع عدد السكان من 5 ملايين شخص بشكل أساسي من ذوي البشرة بيضاء عام 1800 إلى 320 مليون شخص من كل الأجناس والأعراق اليوم. ومع ذلك، فليس ذلك دليلا على أن الموجات المستقبَلية من المهاجرين ستكون حميدة. فالوافدون الجدد من بلاد غير متحررة يمكن أن يجلبوا عادات غير مرغوب فيها، مثل الفساد السياسي والتعصب تجاه ذوي الميول الجنسية المثلية.

فإذا ما قدِموا بأعداد كافية، سيصوتون لحكومة إسلامية، أو لأخرى ترفع الضرائب على السكان المحليين لتدليل الوافدين الجدد.

أبقِ الجائزة نُصب عينيك

تقول المجلة، بالطبع توجد مخاطر إذا ما فُتِحَت الحدود فجأة ودون سياسات مُحكَمة لامتصاص التدفق من المهاجرين. لكن يمكن تخفيف حدة كل هذه المخاطر تقريبا، والتغلب على أكثر العقبات شيوعا، بقليل من التفكير الخلاق.

ثم تعرض «إيكونوميست» حلولا للتغلب على المخاوف السياسية والاقتصادية المتعلقة بالمهاجرين فتقول، أما بالنسبة للمخاوف المتعلقة بفرض المهاجرين حكومة غير مناسبة للسكان المحليين، أحد الحلول يمكن أن يكون عدم السماح للمهاجرين بأن يصوتوا لمدة خَمْس سنوات أو عَشْر سنوات أو حتى مدى الحياة، يمكن أن يبدو هذا قاسيا، إلا أنه ألطف بكثير من عدم السماح لهم بدخول البلد.

وإذا كانت المخاوف من أن المهاجرين سيصبحون عبئا على الاقتصاد ولن ينتجوا ما يكفي لتغطية نفقاتهم، فلم لا نرفع سعر تأشيرات الدخول، أو نجعلهم يدفعون ضرائب إضافية، أو نُقَيِّد استفادتهم من نظام الرعاية الاجتماعية؟ فيمكن استخدام مثل هذه الرسوم لتنظيم تدفق المهاجرين، وبذلك نتجنب موجات كبيرة ومفاجئة من المهاجرين.

يبدو هذا تمييزا فظيعا، وهو كذلك، لكنه أفضل للمهاجرين من الوضع الراهن، حين يُسْتَبْعَدون من أسواق عمل العالم الغني ما لم يدفعوا عشرات الآلاف من الدولارات لمهربي البشر–وحتى بعد هذا كله عليهم أن يعملوا في الظل ويكونوا عرضة للترحيل المفاجئ. ففي يومنا هذا، يعمل ملايين العمال في منطقة الخليج حيث لا يتمتعون بأي حقوق سياسية على الإطلاق، ومع هذا يستمرون في القدوم دون أن يجبرهم أحد.

واختتمت المجلة مقالها بقول كابلان: «الحدود المفتوحة ستجعل الأجانب أغنى بتريليونات الدولارات. فالناخب المتعقِّل حتى وإن لم يهتم بمصلحة الأجانب «عليه ألا يقول.. وماذا في ذلك؟»، بل بدلا من هذا عليه أن يقول، «ثروة تساوي تريليونات الدولارات على الطاولة. كيف يمكن أن أساعد أبناء بلدي في الحصول على نصيب كبير منها؟».

وبما أن حكومات العصر الحديث تستخدم الضرائب والرسوم على التحويلات بانتظام لإعادة توزيع الدخل من الشباب للمسنين ومن الأغنياء للفقراء، «فلم لا نستخدم الأدوات السياسة نفسها لإعادة توزيع الدخل من الأجانب لصالح السكان المحليين؟» فبما أن عالم الانتقال الحر بين الدول هو عالم أغنى بـ 78 تريليون دولارا أمريكيا، ألا يجب على التحرريين إذًا أن يكونوا مستعدين للقيام بتنازلات سياسية كبيرة لجعل ذلك العالم حقيقة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد