إن الجدال المحموم حول كيفية التعامل مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظامه العسكري ظهر جليًا في أوائل هذا الشهر، وذلك عندما صافح السيسي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في ألمانيا، ثم ألغى زيارته إلى جنوب أفريقيا بسبب مخاوف من اعتقاله.

 

إن السؤال الخاص بكيفية التعامل مع نظام أعاد مصر إلى أحلك عصور الحكم العسكري، فاعتقل آلاف المعارضين وحكم على المئات منهم بفترات سجن طويلة أو بالإعدام حتى، وقطع الدعم الدولي عن منظمات المجتمع المدني، ومنع الأكاديميين من السفر إلى المؤتمرات الدولية، أصبح محل جدل متواصل في وزارات الخارجية والمديريات العامة في كل من برلين وبروكسل ولندن وباريس وواشنطن وغيرها من العواصم.

 

«المصريون غير مستعدين للديمقراطية» مقولة تكررت كثيرًا في عهد مبارك، وبالأخص منذ الإطاحة بالرئيس الإسلامي محمد مرسي في يوليو 2013، والعديد من المصريين يوافقون على أن الأمن أكثر أهمية من الديمقراطية في الوقت الراهن. وعليه، فإن الاحتجاجات ضد القمع الشديد ضد كل من يجرؤ على انتقاد الحكومة تظل محدودة.

 

تجاوز عدد المعتقلين السياسيين، طبقًا لمنصة ويكي ثورة، حوالي الأربعين ألف معتقل منذ الإطاحة بمرسي. ووفقًا للمجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، فقد لقي حوالي 2600 شخص مصرعهم في مواجهات بين محتجين وقوات الأمن في الفترة ما بين يونيو 2013 وديسمبر 2014، من بينهم حوالي 700 من أفراد الأمن. وخلال الشهور الخمسة الأولى من العام 2015، تظهر بيانات نشرتها وزارة الداخلية أنه قد جرى اعتقال 3977 شخص على خلفية مزاعم بانتمائهم إلى جماعة الإخوان.

 

فكيف يمكن للحكومات الغربية التعامل مع تلك التطورات الصادمة وغير المقبولة؟ هل يمكن بمزيد من الضغط إحداث تغيير في أرض النيل؟ سيكون ذلك لطيفًا، لكن أنصار الديمقراطية لا يملكون عصا سحرية يمكنهم عبرها إحداث هذا التغيير.

 

ثمة مقولة أخرى يجري ترديدها وهي «لا يمكن ترك بلد بأهمية مصر بمفرده»، وبالطبع، فإن الحفاظ على علاقات حيوية مع مصر سيعود بالنفع عليها. ولكن حتى الآن، لم يجدِ الضغط على مصر نفعًا، وثمة إشارات ضئيلة على أن تغييرًا ما يمكن أن يحدث. وعندما قررت أمريكا، الحليف القديم لمصر وللجيش على وجه الخصوص، بتعليق المساعدات العسكرية السنوية المقدرة بنحو 1.3 مليار دولار في أكتوبر 2013 في رد منها على الإطاحة بمحمد مرسي والمجازر التي ارتُكبت بحق العديد من أنصاره، لم يؤدِ ذلك إلى حدوث أي تغير في سلوك الحكومة المصرية. بل أدى فقط إلى تسريع التدهور في العلاقات بين القاهرة وواشنطن، واتجاه القاهرة نحو تقوية العلاقات مع موسكو وبكين، اللتين كانتا حريصتين على توقيع اتفاقيات عسكرية مع مصر. وفي هذه الأثناء، عندما رفض رئيس البرلمان الأوروبي لقاء السيسي بسبب تدهور حالة حقوق الإنسان في مصر، حظي بمديح شديد من نشطاء حقوق الإنسان. ولكن في داخل مصر، لم يحدث أي تغيير.

 

ونتيجة لذلك، اتبعت معظم الحكومات الغربية نهجًا واقعيًا مجددًا في علاقاتهم مع مصر، والذي يشمل فقد أي أمل في إنشاء ديمقراطية ناجحة في المستقبل القريب. وقد فتح هذا الطريق للعمل على تأمين مصالح ضيقة بشكل أكبر قدر الإمكان. فمن الأفضل أن تقوم شركة سيمنز الألمانية ببناء محطات توليد كهرباء في مصر بدلاً من شركة روزاتوم الروسية، ومن الأفضل أن تقوم بريتيش بتروليم البريطانية بالتنقيب عن النفط عند دلتا النيل بدلاً من شركة سينوبيك الصينية. ومن الأفضل أن تشتري القوات المسلحة مقاتلات الرافال الفرنسية بدلاً من مقاتلات سوخوي الروسية. هذا المنطق البارد ولكن المفهوم الذي تتبعه العواصم الأوروبية.

 

وفوق كل شيء، هناك الورقة الرابحة المسماة بالأمن. ألا نريد جيشًا قويًا يحافظ على وحدة الأراضي المصرية، ويساعد على التصدي للمسلحين في اليمن وليبيا، ويوقف عمليات التهريب والاتجار في المخدرات والأسلحة والبشر في هذه البقعة الحساسة من العالم؟ لم يتمكن الجهاديون من تثبيت أقدامهم في سوريا والعراق وليبيا وغيرها من المناطق، بل لقد وجدوا موطئ قدم لهم في مصر أيضًا، وذلك في المناطق النائية بالأساس، مثل شبه جزيرة سيناء والمنطقة المحاذية للحدود مع ليبيا. حيث بدأ الجيش “حربًا على الإرهاب” شملت عمليات قصف جوي واجتياح بري، التي نتج عنها فقدان حياة مدنيين أبرياء، وتدمير منازل على منطقة بطول 13.5 كم وإقامة شريط عازل على الحدود مع قطاع غزة بعمق ألف متر. وطبقًا للمرصد المصري للحقوق والحريات، فقد لقي حوالي 700 شخص مصرعهم واعتُقل 1400 آخرون في سيناء، وجرى هدم أكثر من ألف منزل في الفترة ما بين 25 أكتوبر 2014 و25 يناير 2015.

 

كل ما سبق لا يعتبر تطورات جذابة في نظر الحكومات الديمقراطية، ولكن على ما يبدو، فليس هناك وسيلة سهلة يمكن للقوى الغربية اتباعها للمساعدة على نجاح الديمقراطية ومنع مزيد من التدهور في قطاعي الأمن والاقتصاد في مصر.

 

يعمل الاتحاد الأوروبي الآن على مراجعة سياسة الجوار الأوروبية، وعلى الرغم من عدم اتخاذ أي قرار بعد، فعلى الأرجح سيتم تطبيق فكرة واحدة، وهي إتاحة الفرصة للدول المحيطة بالمتوسط لأن تقرر بحرية مقدار التعاون مع دول الاتحاد الأوروبي الذي يأملونه. وهذا سيعني الابتعاد عن التسييس في مجال تعاون الاتحاد الأوروبي مع جيرانه.

 

إذا لم تؤدِ سياسة ما بشكل مباشر إلى تحسين الوضع الديمقراطي في مصر وحكم القانون وتنمية اقتصادية شاملة، فلا تزال هناك إمكانية للترويج للديمقراطية باتخاذها على محمل الجد في الدول الأوروبية. إن عودة الاستبداد في مصر يجب أن يؤدي إلى انتقاد ذاتي لأوجه القصور في الديمقراطية في الدول الغربية. ويمكن لكل حكومة ديمقراطية في أوروبا وأميركا الشمالية الترويج لنفسها بسهولة كنموذج للديمقراطية في مصر.

 

وإذا لم يتم الكف عن تجاهل الديمقراطية في أوروبا وأمريكا الشمالية، فإن أي ترويج لها داخل مصر أو غيرها من الدكتاتوريات سيكون مجرد كلام فارغ. على سبيل المثال، كيف يمكن للدبلوماسيين الغربيين أن يطلبوا من الحكومة المصرية الكف عن توسيع نطاق عمليات المراقبة للمعارضين والنشطاء، إذا كانت حكوماتهم لم تطلق كلمة إدانة واحدة لأنشطة التجسس التي قامت بها وكالة الأمن القومي الأمريكية وأجهزة الاستخبارات البريطانية وغيرها من أجهزة الاستخبارات على مستوى العالم؟

 

كيف يمكن للدبلوماسيين الغربيين حث الحكومة المصرية على حمل الشرطة المصرية على احترام حقوق السجناء والحد من الاستراتيجيات المتصاعدة لمواجهة الاحتجاجات، إذا لم يتبع القمع الذي مارسته الشرطة الأمريكية إجراءات قضائية مناسبة؟ وكيف يمكن للدبلوماسيين الغربيين حث الجيش المصري على التوقف عن عمليات التدمير العشوائية للمنزل والممتلكات، إذا كان الاتحاد الأوروبي الآن يقبل بفكرة تدمير قوارب مهربي البشر في المياه الليبية أو الدولية دون أي سند قانوني وتعليق لسلطات تنفيذية وقانونية منفصلة؟

 

كيف يمكن للدبلوماسيين الغربيين إقناع نظرائهم المصريين بعدم الاستثمار في الفحم والطاقة النووية والترويج لمصادر طاقة بديلة، في الوقت الذي يعجز فيه قادة الاتحاد الأوروبي عن الاتفاق على إجراءات أكثر صرامة تجاه انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في بروكسل؟ وكيف يمكن للدبلوماسيين الغربيين مناشدة المصريين بالاعتدال وضم كافة أطياف القوى السياسية في العملية السياسية، إذا كان السياسيون الألمان يفكرون في فرض حظر دستوري على الحزب الديمقراطي الوطني التابع للفاشيين الجدد؟

 

وكيف يمكن للدبلوماسيين الغربيين الدعوة إلى تأثير أكبر لاتحادات التجارة المستقلة في مصر، إذا كانت حكوماتهم تحاول حظر سلطاتهم من أجل النمو الاقتصادي ورضا أصحاب المصالح؟

 

فما لم تتغير تلك السياسات في أوروبا وأميركا الشمالية، فإن الحكومات الغربية تعمل على تقوية نظام السيسي بقصد أو بغير قصد. ويبدو أن الاتهامات التي توجه إلى الغرب بازدواجية المعايير ليست خاطئة تمامًا عندما يتعلق الأمر بالعديد من السياسات داخل الاتحاد الأوروبي وكندا وأمريكا.

 

إن إدخال تحسينات شاملة على تلك المعايير سيساعد دعاة الديمقراطية في مصر وغيرها من الدول على استخدام السياسات الغربية بشكل أكثر إقناعًا، وذلك لإظهار مزايا حكم القانون، وحماية الخصوصية، وتجذر فكرة اقتصاد السوق اجتماعيًا.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد