إذا كان إرهاب داعش يمثل القيم الإسلامية، ألا يمثل العدوان الإسرائيلي الدين اليهودي؟ إذًا يجب أن تتم إدانة الجرائم التي يرتكبها الطرفان بنفس الشدة.

لكن للأسف هذا لا يحدث. أثارت جريمة حرق الطيار الأردني الشاب اشمئزاز المسلمين واليهود والملحدين على حد سواء، وعم الحزن العالم كله تقريبًا. لماذا إذًا يجد البعض صعوبة في مجرد إبداء القليل من الانزعاج إزاء جرائم القتل التي ترتكبها إسرائيل؟ والأسوأ من ذلك، لماذا يدافعون عنها؟

نقلًا عن جوناثان فريلاند وليس عنّي، أكثر من ألفي مدني تم قتلهم، ربعهم من الأطفال، أثناء استئناف العدوان على غزة الصيف الماضي. إذا كان هؤلاء الخمسمائة طفل قد ذبّحوا على يد مسلمين متطرفين ومهووسين بتوسيع رقعة أراضيهم، دفاعًا عن دولة تعميها نزعة التسيّد، يمكنك توقُّع أن النبرة المستخدمة من قبل رئيس تحرير الغارديان سوف تكون أكثر جرأة في إطلاق الاتهامات. ربما استخدم تعبيره المفضل (دين القتل الفاشي)، الذي لا يستخدمه إلا عند الحديث عن أولئك الذين ادعوا تمثيلهم للإسلام. إنه في عالم “الليبرالية البيضاء”، فقط هناك بشر معينون يتسمون بالاسمرار الكافي الذي يؤهلم إلى الانتساب لدين القتل.

خمسمائة طفل لقوا حتفهم الصيف الماضي تحت أكوام من الركام. وعشرات الآلاف الآخرين تُركوا أحياءً، ليشاهدوا الغبار وهو يستقر، يعانون من الإعاقة في أجسادهم والجروح في ذاكرتهم، ينتظرون حينًا آخر، عندما يرغب سياسي إسرائيلي آخر في الفوز بالانتخابات بالبدء في تشذيب حديقته الخلفية.

بغض النظر عن زيادة أعداد الضحايا، حل متغير جديد على الساحة في هذه الحرب جعلها مختلفة عن زميلاتها الأخريات. فقد استطاع فلسطينيون النفاذ من خلال الحُجُب الإعلامية التي لا تسمح غالبًا بخروج جرائم القوى الغربية إلى العلن. من خلال فيسبوك وتويتر، استطاع الضحايا أنفسهم الإبلاغ عن الجرائم المرتكبة في حقهم، فعمّت الصدمة. بعد ظهور الهاتف الذكي، اندثرت جميع الحجج لتبرير جهلنا بما يحدث. لقد حاولت الـBBC كالعادة إقناعنا بطبيعة الصراع الندية، مع ذلك، لم يستطع أخصائيو التجميل إخفاء أكوام الجثث المتصاعدة. أو صرف الأنظار عن الأطفال العُرُج، أو الذين يستخرجون من تحت الركام وقد فقدوا طرفًا من أطرافهم.

البعض اختار السكوت طواعيةً، ودفعه الجبن إلى دفن رأسه في الرمال. ولكن، مع أني أؤمن أن الصمت وحده يعد من المحفزات القوية للإجرام – الفاشية الأوروبية في الثلاثينات أنموذجًا – فإن هنالك ما يثير القلق أكثر من الصمت. إذ تتعالى الأصوات تهليلًا من وراء مشاهد الأطفال الضحايا، محملة بنظرات عنصرية. فاستخدام التكنولوجيا الحديثة في أعمال القتل هو شيء مبرر تمامًا بالنسبة لهم، إذا كان الضحايا هم من “الإرهابيين المستقبليين”؛ إشارةً غير مباشرة للأطفال الفلسطينيين.

مع ذلك، فجموع اليهود، تمامًا مثل إخوانهم المسلمين، لا يجب أن يحملوا مسئولية عنف أقلية من المجرمين. ليس من المفترض أن يعتذر يهود لندن بالنيابة عن المذنبين في تل أبيب. بالتالي، فمن البديهي القول بأن المعابد اليهودية يجب أن تبقى آمنة من الهجوم، وأنه لا يجب أن يآسي اليهود في جميع بقاع العالم مرارة الكراهية (نتيجة ما ترتكبه إسرائيل)، فقد عانى اليهود بما يكفي طيلة تاريخهم.

اليهودية أقدم وأكثر رزانة بكثير من إسرائيل. واليهود ليسوا كتلة صماء من العدائية الواقفة بالمرصاد لأعدائها دائمًا وأبدًا. إن التقليل من شأن جماعة من البشر تمتلك الكثير من مآثر الحكمة والفكاهة بحيث يتم وضعهم جميعًا في خندق العدوان والغزو لهو شيء مرفوض. أم تُراه مقبول؟ كذلك ترى الأيديولوجية الصهيونية. يريد الصهاينة إقناعك بأن إسرائيل – وهي قلعة محصنة بشكل محكم، ومع ذلك فهي منطقة حرب على أية حال – هي المكان الوحيد الآمن لك كيهودي. لذلك، فخذ سلاحك وانضم إلى العصبة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو من الذين يأملون أن نقتنع بكذبة أن الإسرائيلي مرادف لليهودي. هو يرى نفسه موسى العصر، بينما هو لا يعدو أن يكون فرعونًا. لقد أعلن الأحد الماضي عزمه الذهاب لواشنطن تمامًا كما تظاهر في باريس: “ليس فقط كرئيس وزراء إسرائيل، بل كممثل للشعب اليهودي بأكمله”. كشخص انتهازي، يحاول استغلال رُهاب معاداة السامية لتسويق نوع جديد من القوموية-ما-بعد-الكولونيالية للمستوطنين المستقبليين، وهو منتج قد انتهت صلاحيته بانتهاء ستينات القرن العشرين. فإسرائيل ليست غريبة البتة عن ذلك النوع من الانتهازية، بل هي قائمة عليه.

دعوني أتكلم بصراحة: لن تجد في التوراة ما يقول “احتلوا أراضي جيرانكم”، “أغرقوا زوجاتهم بالفسفور الأبيض”، و”ادهسوا ريتشل كوري”. يقطن أمريكا عدد من اليهود يفوق عددهم في إسرائيل (وهم لا يفعلون ذلك). بالمثل، لن تجد في القرآن ما يقول “عليكم جز رؤوس موظفي الإغاثة والذين يكتبون ويلتقطون الصور لكسب الرزق”. كذلك يبلغ تعداد المسلمين واحد وستة من عشرة مليار، والبضع عشرات من الآلاف فقط هم مقاتلوا داعش. الخلاصة: السياسة توظف الدين من أجل تجييش الجيوش، فيُسحل الدين في ذيول القوى المحركة للأيديولوجيا السياسية.

أمعن جوناثان فريلاند في خلط الأوراق إذ قام في برنامج (وقت السؤال/ Question Time) على BBC بتأييد اتهام جزافي ألقاه أحد الحاضرين على جورج جالاواي – الذي شغل مقعدًا في البرلمان البريطاني لمدة 27 عامًا – مفاده أنه يساهم في زيادة معاداة السامية بسبب معارضته للحرب على غزة. لا ريب أن المدافعين عما لا يصح الدفاع عنه، لا يجدون في جعبتهم إلا اللجوء إلى التشهير لإسكات النقاش. عن طريق المساواة بين انتقاد الجرائم الوحشية التي ترتكبها إسرائيل وبين الهجوم على اليهود (عن طريق ربط هذا الانتقاد بمعاداة السامية)، ناهيك عن محاولة إسكات النقاش، يقوم الصحافيين على شاكلة فريلاند بالإيحاء بأن إسرائيل واليهود هم كيان واحد. والحقيقة أنهم ليسوا كذلك. ومما يثير القلق أكثر أن الحكومة البريطانية تفكر حاليًا في فرض رقابة على الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل، على أساس معاداتها للسامية.

إذًا، فاليهودية كديانة – وبسبب اختطافها من قِبَل السياسيين – يحيق بها خطر الاختراق بشكل كامل من الأيديولوجية الصهيونية العنصرية. وأولئك اليهود الذين يختارون الانتماء لإسرائيل على الرغم من كل مظاهر بربريتها من أجل محاباتها في جرائمها ضد الإنسانية، على أنها دفاع شريف عن النفس، هم ليسوا فقط في مواجهة التاريخ، بل يلعبون لعبة خطرة للغاية لا تؤدي إلا لتشجيع أكثر أنواع معاداة السامية شراسة.

إذا كان يتبع كل حرب إسرائيلية موجة من معاداة السامية كما يتبع كل عملية لتنظيم القاعدة موجة من الإسلاموفوبيا، أليس من المفترض أن يقوم الجميع – سواء كانوا مسلمين، يهودًا أو ملحدين – برفع أصواتهم بالاعتراض في وجه الإجرام، أيًا كانت اليد المعتدية؟ ألسنا جزءًا من عالم واحد؟

من الواجب أن يتم كشف النفاق، كما أنه من الضروري أن نواجه جميع أشكال العنصرية بكل قوة. لكن في عصر الحرب على الإرهاب، بعض أنواع العنصرية قد تكون مفيدة في بسط الهيمنة الإمبريالية، ومن ثم يتم شرعنتها. في الحقيقة، إن الإسلاموفوبيا لا تختلف إطلاقًا عن معاداة السامية، بنفس الطريقة التي لا تختلف بها اليوم الحرب على العراق عن الحرب على فيتنام. قد تتغير الأهداف والمواقع، وقد يذهب جنرالات ويأتي آخرون، ولكن العقيدة لا تتغير. إذا كنت تفهم العنصرية فقط من منظورك أنت، ستفشل في إدراك كنهها، هذه الأداة الاستغلالية القائمة على اقتصاد زائف وظالم، وشعارها دائمًا: “فرق تسد”.

من العبودية إلى المحرقة النازية إلى المغامرات الإمبريالية البائسة، تمضي العنصرية ثابتةً على مبادئها. إذا ارتعدت فرائصك خوفًا حال ذكر المحرقة النازية، ولكنك في نفس الوقت تبارك عمليات التطهير العرقي في غزة، فهنالك الكثير من النقص في فهمك لمعنى العنصرية عليك تداركه.

تؤكد هجمات كوبنهاجن غير المبررة إطلاقًا هذا الأسبوع على حاجتنا الماسة لتقريب المسافة – الآخذة في الاتساع يومًا بعد يوم – بين ديانتين إبراهيميتين كان يجب في الأصل أن تكون بينهما صلة أخوية.

إبني مؤمن بكلا الديانتين. لذلك فمن المحتم علي أن أتبنى رؤية أرحَب وأكثر تعددية للعالم؛ واسترداد اليهودية من براثن الصهيونية هو جزء من هذه المهمة. نعم، من الجيد أن يهتم كل منا بخصوصياته ويفخر بها، لكن علينا ألا ننسى أن تحت القلنسوات اليهودية والطواقي الإسلامية يكمن بشر، كلهم من عنصر واحد. جميع أشكال العنصرية إجرام، جميع الأفكار العنصرية شريرة. دعونا نتحلى بروح “ليس بعد الآن”. سواء في مجتمعنا أو غيره، فلنقل للعنصرية “ليس بعد الآن”.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد