اتهمت الحكومة السورية إسرائيل بقصف موقع عسكري قرب حماة يوم الخميس الماضي، ولم تنف إسرائيل الواقعة أو تؤكدها. رغم كونها ليست المرة الأولى التي تهاجم فيها إسرائيل سوريا، إلا أن هذه المرة تعد مختلفة. نشرت هآرتس تحليلًا للكاتب تسفي برئيل، محلل شؤون الشرق الأوسط، يتناول فيه المكاسب والخسائر التي قد تحصدها إسرائيل من هذا الهجوم وتأثيره على الساحة السياسية في سوريا.

يشير برئيل في بداية مقاله إلى مركز البحوث العلمية، أحد المواقع المقصوفة، والاسم الحركي لجزء من ترسانة الأسلحة السورية غير التقليدية، ويديره جنرال سوري. يعد المركز مسؤولًا أيضًا عن مصانع الأسلحة الكيماوية وهي ثلاثة بحسب التقارير، مصنعان قرب دمشق ومصنع ثالث قرب مدينة مصيف – شمال غرب سوريا، وهي تبعد 70 كليومترًا عن قاعدة حميميم الجوية الروسية القريبة من اللاذقية.

ليس من الأكيد إن كانت سوريا تصنع قذائف الكيماوي بجانب ما تصنع من قذائف المدفعية وصواريخ طويلة المدى في هذا المصنع، لكنه حال علم إسرائيل بتصنيعها فهذا يعني – بلا شك – أن الولايات المتحدة وروسيا تعلمان أيضًا.

طبقًا لبيانات الحكومة السورية الرسمية، هاجمت إسرائيل مركز البحوث العلمية من داخل الحدود اللبنانية في الصباح الباكر من يوم الخميس. يقول الكاتب إن البيانات لا تضم أي تفاصيل حول مدى ضرر المنشأة أو عما تصنعه، لكن أحد هذه البيانات كان يقول إن الهجوم مدبر لرفع معنويات مقاتلي داعش بعد أن عانوا من خسائر كبيرة في المعارك حول دير الزور؛ فنظام بشار الأسد لا يكتفي بقول إن إسرائيل أسست داعش، بل إنها دعمتها أيضًا في عملياتها الأخيرة.

يضيف الكاتب أنه ليس من الأكيد إن كانت سوريا تصنع قذائف الكيماوي بجانب ما تصنع من قذائف المدفعية وصواريخ طويلة المدى في هذا المصنع، لكنه حال علم إسرائيل بتصنيعها فهذا يعني – بلا شك – أن الولايات المتحدة وروسيا تعلمان أيضًا، ومن المفترض أن إسرائيل قد أعلمت الولايات المتحدة بالهجوم وتلقت ردًا بالإيجاب قبل هجومها.

اقرأ أيضًا: إسرائيل تضرب سوريا.. ما الذي تخبئه الأيام لنظام الأسد؟

لماذا يختلف هذا الهجوم عما سبقه؟

بالطبع هذه لم تكن المرة الأولى التي ينسب فيها لإسرائيل هجوم جوي على أراض سورية لكن التوقيت هو ما يثير الفضول، بحسب التقرير. يأتي الهجوم بعد تهديد روسيا باستخدام حق النقض في مجلس الأمن ضد قرار يصف حزب الله بالمنظمة الإرهابية، وبعد وقت قصير من لقاء نتنياهو مع بوتين في مدينة سوكي الروسية؛ اللقاء الذي عاد منه نتنياهو دون أي تعهد روسي بانسحاب إيران من الأراضي السورية. ينقل التقرير ما قاله وقتها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: «تعهدت روسيا بألا تتسبب إقامة مناطق للتهدئة في الإضرار بمصالح إسرائيل الأمنية».

يقول الكاتب إن تعريف الروس لما يضر بمصالح إسرائيل الأمنية ليس بالضرورة نفس تعريف الإسرائيليين، ويضيف أنه إن كانت إسرائيل تعتبر وجود حزب الله في سوريا تهديدًا لها، فما بالك بوجود قوات موالية لإيران قرب حدودها الشرقية على هضبة الجولان وفي المنطقة المحيطة بدرعا في جنوب سوريا.

كما يضيف أن روسيا تستبعد إجبار قوات الحزب على الخروج من لبنان، وهي حتى لا تعتبره منظمة إرهابية. سبب ذلك، بحسب الكاتب، هو موقف إيران من حزب الله؛ حيث تعتبر الحزب أساسيًا في الحفاظ على نفوذها في لبنان وقوة تكتيكية هامة في الحرب السورية. تحتاج إيران الحزب في لبنان لتضغط على الحكومة وقت الضرورة، على عكس سوريا التي تخضع لتأثير إيران المباشر دون وسطاء.

ويضيف الكاتب أن روسيا تقر بأنها يجب أن تنسق مع إيران إن أرادت تحقيق طموحها في استقرار حكم الأسد، رغم أنها تقيد حرية العمليات الإيرانية في سوريا.

ماذا تعلمت روسيا مما حدث في حلب؟

يقول برئيل إن روسيا تعلمت الدرس من مفاوضات حلب، حين ظنت أنها يمكن أن تطبق اتفاقية وقف إطلاق النار دون إيران، ثم أدركت بعدها أن الميليشيات الشيعية وحزب الله يمنعون مقاتلي المعارضة من استقلال الحافلات التي ستأخذهم خارج المدينة، وكان هذا بأوامر إيرانية. ويضيف أن إيران بررت وقتها تصرفها بأنها ليست جزءًا من الاتفاقية وليست ملزمة بتنفيذها، ومنذ ذلك الحين تجنبت روسيا الدخول في أي مفاوضات – محلية أو دولية – بخصوص سوريا دون مشاركة إيران.

لا يبدو أن هجومًا كهذا قد يتسبب في رد فعل هجومي من روسيا، بحسب الكاتب، خاصة وأنه مصنع أسلحة يشتبه في إنتاجه للأسلحة الكيماوية. قبل أربع سنوات، أقنعت روسيا أوباما في اللحظات الأخيرة بألا يهاجم سوريا بسبب استخدامها الأسلحة الكيماوية في حلب، وفي المقابل وقعت روسيا اتفاقية ثلاثية تقوم بموجبها سوريا بتدمير مخزون الأسلحة الكيماوية أو تسليمه لروسيا. يمكن لروسيا أن تحاول إثبات أن المصنع لم ينتج هذه الأسلحة، لكن الكاتب يشك أن روسيا ستجهد نفسها وتفعل ذلك. إن تلك الاتفاقية قد شملت أيضًا غاز الكلورين والذي ما زال الجيش السوري يستخدمه.

تحافظ القوات الروسية والإسرائيلية على خط أحمر بينهما، لكن هذا الهجوم قد يجعل روسيا تفرض قواعد جوية أكثر صرامة على إسرائيل.

يقول الكاتب: «روسيا تتفهم أن هجوم إسرائيل المزعوم على مصنع محتمل للسلاح الكيماوي يعد تصرفًا مشروعًا في المجتمع الدولي، مثله مثل قصف الصواريخ الأمريكية لسوريا بعد الهجوم الكيماوي في خان شيخون في أبريل (نيسان) الماضي». ويضيف أن حتى روسيا قد وضحت في 2013 أنها لن تعترض على أي هجوم ضد مخازن الأسلحة الكيماوية إن أقرت الأمم المتحدة تلك الخطوة، وإن ثَبت استخدام سوريا لهذه الأسلحة. ويشير الكاتب أنه في حال تنفيذها للهجوم الأخير، فإن إسرائيل تضع اليوم تعريفًا أوسع لما تعتبره تهديدًا أمنيًا.

يتساءل برئيل إن كانت روسيا ستقبل هذا التعريف – الذي يجعل سوريا دولة عدوًا تمثل تهديدًا – ضمن رؤية إسرائيل الاستراتيجية للعالم، وإن قبلته روسيا فهذا يضمن لإسرائيل موافقتها على ضربات أخرى ضد قواعد الطيران السوري مثلًا، أو حتى ضد أهداف سورية على الأرض، وذلك بحجة أنها تعتبر تهديدًا.

تحافظ القوات الروسية والإسرائيلية على خط أحمر بينهما، بحسب الكاتب، لكن هذا الهجوم قد يجعل روسيا تفرض قواعد جوية أكثر صرامة على إسرائيل. يمكن لروسيا فعل ذلك بأن تعلن عن استهدافها الطائرات الأجنبية التي تدخل المجال الجوي الروسي، باستثناء طائرات التحالف الدولي ضد داعش.

كيف أنقذت إسرائيل الولايات المتحدة؟ وكيف ورطتها؟

ينتقل الكاتب للحديث عن واشنطن التي تشعر أن إسرائيل أسدت لها خدمة. فبعد عدة تقارير حول استخدام الجيش السوري لغاز الكلورين كانت ستصبح مضطرة لفعل شيء، ما كان سيزيد من تدهور علاقاتها مع روسيا.

ويضيف: «لكن هذه الخدمة الإسرائيلية ستزيد من انغماس واشنطن في الساحة السورية. هذه المرة لن تكون فيها مراقبًا مهتمًا بطرق أبواب القوى العظمى لتعزيز مصالحها الأمنية، بل ستكون شريكًا فاعلًا يضيف تواجده العسكري مكونًا جديدًا لمنظومة القوى، والتي تضم حتى الآن روسيا وإيران وتركيا وروسيا».

من ناحية أخرى، يقول برئيل إن العامل الإسرائيلي ربما يهدد بإفساد خطط روسيا. فمثلًا، تسعى روسيا وإيران وتركيا لإقامة منطقة آمنة في محافظة إدلب التي يحتشد فيها مقاتلو جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقًا) الموالية للقاعدة. تتضارب مصالح تركيا وإيران في المنطقة، ورغم ذلك تتفقان على وقف إطلاق النار. يقول الكاتب إن تركيا تريد استخدام المنطقة قاعدة عسكرية لعملياتها ضد مناطق الأكراد السوريين قرب الحدود التركية، وإيران ترى في إدلب نقطة استراتيجية وقاعدة لسيطرتها على سوريا. تخطط الدول الثلاث لهجوم مشترك ضد مراكز المقاتلين، ما لم تنجح روسيا في فرض إطلاق النار كما فعلت في المناطق الجنوبية.

إسرائيل قد لا تبدو مهتمة بإدلب، باستثناء قلقها من استقرار وتمدد إيران فيها. لكن السيطرة على إدلب تمهد قنوات دبلوماسية من أجل اتفاق دائم، كما حدث في الحملة العسكرية على دير الزور.

تسعى روسيا لإظهار سيطرتها على إدلب ودير الزور بحلول نهاية الأسبوع القادم، وهو الوقت المقرر أن يجتمع فيه ممثلو الأطراف المختلفة للحرب الأهلية السورية في أستانة عاصمة كازاخستان. ويضيف برئيل أن الروس يريدون تقديم هذه السيطرة دليلًا على الانتصار الشامل للنظام السوري، انتصار يدمر أدوات ضغط جماعات المعارضة.

بحسب الكاتب، هذه السيطرة الروسية السورية تدعم الافتراض العملي باستمرار الأسد رئيسًا لسوريا، خاصة وأن معارضي نظامه في أوروبا والولايات المتحدة وتركيا، وحتى السعودية، تنازلوا – تقريبًا – جميعًا عن مطلبهم بعزله قبل بدء أي مفاوضات.

ويضيف: «هذه النتيجة ستضطر إسرائيل أن تصبح شريكة – ولو بشكل غير مباشر – في عملية تأسيس حكومة سورية جديدة، والنقاش حول وضع إيران وحزب الله في سوريا، والضمانات التي ستطرحها روسيا – وليست الولايات المتحدة – ضد التهديدات التي ستنتج عن اتفاق كهذا».

اقرأ أيضًا: كيف غيَّر أكراد سوريا ساحة المعركة الآن؟

التدخل في سوريا: سلاح ذو حدين

تظن إسرائيل أنها كلما زادت من تدخلها العسكري في سوريا سواء بهجمات متفرقة أو بتقوية علاقاتها بجماعات المعارضة، صارت في موقف أقوى عندما يأتي وقت التسوية السياسية، لكن هذه رؤية ذات حدين كما يقول برئيل. سوف يوفر هذا لإيران عذرًا «عظيمًا» لزيادة تواجدها العسكري في سوريا، وروسيا قد تقلل تنسيقها العسكري مع إسرائيل أو تلغيه تمامًا وتعلن حظر الطيران في سوريا، وحزب الله قد يحوّل هضبة الجولان لجبهة مشروعة ضد إسرائيل ضمن ضبطها لتوازن الرعب فيما بينهما.

يختم الكاتب بالقول: «هناك فرق كبير بين القدرة على مهاجمة أهداف محددة وموقف دائم تحارب فيه جبهتان، الأولى في سوريا والثانية في لبنان، خاصة وأن الداعم الأهم لإسرائيل، وهي الولايات المتحدة، غارقة بشدة في أمورها ولا تريد التدخل مطلقًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك