558

تخيل للحظة واحدة أنك فلاديمير بوتين. تجلس على المكتب وأمامك ملف يحمل اسم «دونالد ترامب». وفي داخل هذا الملف مجموعة من الوثائق التي جمعتها وكالات الاستخبارات التي تثبت أن ترامب شارك في أنشطة محرجة أو غير قانونية. هناك بعض المستندات المالية، والنسخ الصوتية للمحادثات الهاتفية، وربما صور ترامب أثناء وجوده في موسكو. كيف ستقرر ما إذا كنت ستظهر هذه الملفات أمام العالم؟

الآن تخيل أنك الرئيس ترامب، وأُبلغتَ بوجود هذا الملف على مكتب بوتين. خلال فترة هدوء من عملك اليومي، تتساءل عما إذا كان بوتين ينوي نشر هذه الملفات، ومتى. كيف تتعامل مع روسيا عندما تعرف أنك تُبتَز؟

قد يبدو هذا السيناريو مقتبسًا من رواية تجسس، لكن بعض الناس الجادين جدًا يعتقدون أن روسيا قد تمتلك في واقع الأمر ملفات للمساومة تتعلق بترامب؛ بل وتستخدمها لابتزازه. وإلا، فإنهم يتساءلون: كيف يمكننا أن نفسر الحالات العديدة التي سعى فيها ترامب ودائرته للحصول على دعم روسيا، أو الحفاظ على مصالحها؟

كان هذا هو التساؤل الذي طرحه سكوت رادنيتز، وهو أستاذ مشارك في كلية جاكسون للدراسات الدولية، في مقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية.

وقال الكاتب إنه ومع ذلك، فإن فرض الإدارة الأمريكية للعقوبات الروسية، وإمداد أوكرانيا بالأسلحة الفتاكة، وإغلاق القنصليتين الروسيتين يظهران استعدادها لاتخاذ نهج أكثر صرامة في بعض الأحيان تجاه موسكو.

بحسب الكاتب الذي عمل مديرًا لمركز إليسون لدراسات روسيا وأوروبا الشرقية وآسيا الوسطى في جامعة واشنطن، يثير هذا المزيج من السياسات المتسقة والمتشددة سؤالًا مثيرًا للاهتمام: إذا كانت روسيا تبتز ترامب فعلًا، وهو يعرف ذلك، فلماذا يعتقد أنه يستطيع أن يتجاهل مصالح روسيا؟ إلى أي مدى يتسامح بوتين مع تحدي المصالح الروسية قبل الكشف عن أسرار ترامب؟ وكيف تؤثر معتقدات ترامب حول حسابات بوتين في كيفية تعامله مع روسيا؟ يمكن لأدوات نظرية الألعاب مساعدتنا في التفكير في هذه الأسئلة.

السيناريو الأول: إذا كانت الملفات ستلحق الضرر بترامب بشكل خطير

لنفترض أولًا أن المادة الموجودة في الملف ضارة جدًا للرئيس الأمريكي، على سبيل المثال، دليل على غسيل الأموال في منظمة ترامب، والذي قد يؤدي إلى عزل ترامب أو سجنه. للوهلة الأولى، يبدو أن هذا يعطي روسيا نفوذًا هائلًا.

ومع ذلك، من وجهة نظر بوتين، فإن عزل ترامب سيكون نتيجة مفزعة؛ لأنه سيحل محله نائب الرئيس مايك بنس، الذي من المحتمل أن يتخذ موقفًا أكثر تشددًا تجاه روسيا. وهذا من شأنه أن يستبعد أي فرصة بأن تقوم الولايات المتحدة بإسقاط العقوبات في أي وقت قريب. من وجهة نظر بوتين، إذن، فإن الملفات ستكون مفيدة فقط طالما أنه لم يقم بكشفها، في حين أنها ستغدو عديمة الجدوى –بل وستأتي بنتائج عكسية– بمجرد أن يكشف عنها علنيًّا.

وإذا افترضنا أن ترامب يعرف ما يحمله بوتين، ويفهم أن الكشف عنه سيؤدي في نهاية المطاف إلى الإضرار بمصالح روسيا، فإنه سيعرف أن تهديد الكرملين بابتزازه غير جدير بالثقة. وبالتالي، لن تكون أيدي ترامب مكبلة لاتخاذ مواقف صارمة تجاه روسيا، ولكن فقط إلى حد معين.

إلى أي حد؟ إلى الحد الذي لم يعد فيه بوتين يفضل ترامب على الرئيس بنس. إذا اتخذ ترامب، لسبب ما، موقفًا متشددًا للغاية تجاه روسيا أو تبنى خطوات متهورة تهدد ببدء حرب نووية، فقد يبدو بنس بديلًا أفضل. الآن يمكن استخدام الملفات بشكل أكثر إقناعًا؛ لأنه يمكن الكشف عنها.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

السيناريو الثاني: إذا كانت الملفات غير ضارة بالنسبة لترامب بشكل كبير

لكن لنفترض أن الملفات لا تلحق سوى القليل من الضرر بترامب، مثل الأدلة المصورة عن علاقاته الجنسية في روسيا، أو انتهاكات أخلاقية يمكن أن تهدد ترامب بشكل ضئيل، وهي تطورات قد تكون محرجة، ولكنها لن تؤدي إلى عزله من منصبه.

كيف سينظر بوتين إلى ترامب الذي لا يزال متمسكًا بالسلطة رغم الهزة السياسية التي سيكون قد تعرض لها؟ سينظر إليه بشكل إيجابي، إذا كان هدف روسيا هو زرع الفتنة في الولايات المتحدة.

إذا كان ترامب يفكر في العواقب، فإنه يرى أن تهديد روسيا بمتابعة الابتزاز سيكون ذا مصداقية، وقد يفكر مرتين قبل أن يتبنى سياسات صارمة تجاه روسيا. ومع ذلك، قد لا تزال روسيا مترددة في الكشف عن المعلومات، بافتراض أن الضرر الذي يلحق ترامب سيؤدي إلى تدقيق أكثر دقة من الكونجرس والرأي العام، ويحد من فرصه في مساعدة روسيا في المستقبل.

ماذا لو ساومت ترامب أطرافٌ أمريكية محلية؟

إذن، كيف سيحدد بوتين الوقت المناسب لاتخاذ خطوته إذا كان لديه ملفات تلحق القليل من الضرر بترامب؟ عندما يكون ترامب مقيَّدًا محليًّا، فإن يديه ستكون مكبلة في السياسة الخارجية، وأكثر فائدة لروسيا كبطة عرجاء.

إذا أظهر التحقيق الذي يجريه المحقق الخاص مولر –أو التحقيق الذي يجريه مكتب التحقيقات الفيدرالي بشأن محامي ترامب الشخصي– أدلة مدمرة، فسيُجبر ترامب على الاعتماد أكثر على المؤيدين له في الكونجرس (الذين يميلون إلى أن يكونوا أكثر تشددًا تجاه روسيا)، وسيكونون أقل ميلًا إلى متابعة السياسة الخارجية الموالية لروسيا.

والنتيجة هي أن الضغط القانوني المتزايد سيضع ترامب في مأزق: تحدي بوتين والتعرض للمخاطر، أو مساعدة بوتين ومواجهة مخاطر تنفير حزبه.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب- واشنطن

إذن ماذا يخبرنا سلوك ترامب تجاه روسيا؟

تساءل الكاتب بقوله: هل سلوك ترامب تجاه روسيا أكثر اتساقًا مع وجود ملفات قوية أم ضعيفة؟ يعتمد ذلك على ماهية تفضيلاته الحقيقية. إذا كان ترامب يريد بإخلاص أن يكون متشددًا ولكنه مجبر على اللعب بشكل جيد –وهو جوهر نظرية الابتزاز– فإن الملفات ليست قوية بالشكل الكافي.

ولكن إذا كانت تفضيلاته الحقيقية مؤيدة لروسيا، فإن تذبذبه بين اتباع رغباته ورغبات مستشاريه يمكن تفسيره بالتردد البسيط. قد ينجو ترامب من هذا لأنه يعرف أن بوتين يمتلك ملفات قوية لدرجة أنه لن يستخدمها أبدًا.

ولكن مع تزايد الضغط في الداخل فقد نعلم المزيد. ستعتمد قدرة ترامب المستقبلية للمناورة في ما يتعلق بروسيا على مدى الضرر الذي تسببه الملفات: ستكون لديه قدرة كبيرة إذا كانت الملفات قوية، وقدرة أقل إذا كانت ضعيفة، ولن تسبب سوى القليل من الحرج.

سيناريوهات البطاقات الرابحة

بطبيعة الحال، يمكن للضغوط الأخرى أن تقلب هذا التحليل. على سبيل المثال، قد يتعرض بوتين لضغوط من النخب الروسية المتعثرة التي تطالب بوتين بالوفاء بتعهداته. قد يقرر ترامب أنه لا يقهر سياسيًّا، ويقف إلى جانب المتشدّدين الموالين له. وبالطبع، ربما لم يفكر ترامب في هذه السيناريوهات بعناية.

لا تتضمن التفسيرات الأخرى لسلوك ترامب وجود مثل هذه الملفات. ربما يسعى إلى تجنب حرب نووية، أو أنه يؤمن بقوة الدبلوماسية، على الرغم من أنه لا يبدي مثل هذا الاعتبار تجاه الدول الأخرى. أو ربما يكون معجبًا ببساطة بأسلوب بوتين في القيادة، أو يأمل في عقد صفقة عقارية كبرى في روسيا بعد رئاسته.

إذا طلب بوتين من أصحاب نظرية الألعاب في الكرملين أن يفكروا في هذه الاحتمالات، فسيرى أن وجود ملفات للمساومة ليس كافيًا. يجب أن تستخدم هذه الملفات بعناية، وحتى ذلك الحين، فليس من السهل ابتزاز زعيم أجنبي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك