منذ أن أصبحت إلهان عمر ذات الأصول الصومالية النائبة المسلمة الأولى في تاريخ الكونجرس الأمريكي، أثارت تصريحاتها الكثير من الجدل والتساؤلات والنقاشات، من بينها النقاش الهام حول الفارق بين معاداة السامية وانتقاد إسرائيل، والسؤال حول ما إن كانت تتعرض لحملة تشويه حتى تستقيل من الكونجرس. إذ طالبها الرئيس الأمريكي ترامب بالاستقالة بعد تصريحها الذي ألمحت فيه للدعم الذي تقدمه لجنة «أيباك» للسياسيين الأمريكيين، قائلًا: «إنَّ اعتذارها غير كافٍ وغير مقبول».

وفي هذا الصدد كتب الصحافي والمحلل السياسي ميشيل بليتنيك تقريرًا في مدونة «لوب لوج»، يفند فيه المزاعم المثارة حول إلهان، ويُفصِّل حملة التشويه التي تتعرض لها.

«نيويورك تايمز»: ما سر هجوم حزب ترامب ضد النائبتين المسلمتين بالكونجرس؟

أوضح بليتنيك أنَّ الهجوم على النائبة إلهان عمر في ازدياد. وأشار إلى أنَّ آخر حوادث هذا الهجوم جاءت خلال عطلة نهاية الأسبوع، عندما ظهر ملصقٌ إعلاني في مبنى الكونجرس في ولاية فرجينيا الغربية في اجتماعٍ عام برعاية الحزب الجمهوري، يحمل صورةً لوجهها أمام برجي مركز التجارة العالمي مشتعلين بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، ومكتوب أعلاه: «قُلتم لن ننسى أبدًا، وأنا الدليل على نسيانكم»، في إشارةٍ إلى وصول إلهان عمر للكونجرس.

وبعد موجة الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي، أصدر الحزب الجمهوري الحاكم في ولاية فرجينيا الغربية بيانًا ينكر فيه علاقته بالملصق، مصرحًا أنَّه عُلّق دون علمه، ووصفه بأنَّه يندرج ضمن خطاب الكراهية، لكنَّه لم يدينه، بل «أنكر تأييده له»، وبما أنَّ الملصق عُلّق في الكابيتول، فمن الصعب التصديق بأنَّ منظمي الحدث لم يكونوا على علم بوجوده، إلا بعد أن أصبح جدلًا وطنيًا.

في كلتا الحالتين جاء الهجوم من اليمين الأمريكي في أعقاب الانتقادات الأخيرة لإلهان من دوائر ليبرالية ووسطية واسعة. ويرى بليتنيك أنَّ هذا الهجوم جاء في الوقت المناسب تمامًا، إذ وفرت واقعة ولاية فرجينيا الغربية، بوقاحتها ورسالتها المليئة بالكراهية الواضحة، الغطاء المناسب لهؤلاء المنتقدين الوسطيين والليبراليين، ليُدينوا ولو بتهكم الهجوم الجمهوري على إلهان، بينما يتهمونها بشكلٍ سافر بمعاداتها للسامية.

ويعتقد الكاتب بأنَّ تغريدتها الأولى، التي أشارت فيها إلى أنَّ مواقف الكونجرس تجاه إسرائيل كانت كلها بسبب الدعم المادي والتمويل، ربما كانت غير مدروسة، لكن أي أحدٍ لا يزال يتسم بالصدق ولم يستسلم لشعور الإسلاموفوبيا الدفين يعلم أنَّها تنتقد دور اللوبي القوي في صنع السياسات، ولا تدعي أنَّ عصابة شريرة سرية من «حكماء صهيون» تتحكم في حكومة الولايات المتحدة.

اعتذرت عمر عن التغريدة، مع إصرارها على عدم التراجع عن انتقاد تأثير جماعات الضغط على السياسة عمومًا، و«لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (آيباك)» على سياسة الشرق الأوسط خصوصًا. فعلت ذلك يوم الأربعاء الماضي وأثارت الجدل من جديد.

الجدل الأخير

بحسب الكاتب يدل تطور التهمة الأخيرة الموجهة لإلهان على مدى الظلم والأفكار المسبقة التي تواجهها، وأحيانًا التلاعب الساخر بكلماتها، إذ قالت في تصريحٍ لها:

«ما أخشاه – لكوني ورشيدة طليب (النائبة عن ولاية ميشيجان) مسلمتين – أنَّ الكثير من زملائنا اليهود والكثير من ناخبينا وحلفائنا، يفكرون أنَّ كل ما نصرّح به حول إسرائيل يعني معاداتنا للسامية لأنَّنا مسلمون. بالنسبة لي، هذه محاولات مصممة لإنهاء النقاش، إذ ندخل فيها مساحةً من الجدل. نعم أعلم كيف يبدو التعصب، وأنا حساسة لسماع انتقاداتٍ تزعم أنَّ ما أقوله يمثل تعصبًا، لأنَّني أحاول تجنب ذلك، وأتألم لسماع ذلك. لكن يبدو الأمر كما لو أنَّنا عندما نقول أي شيءٍ في أي وقت، بغض النظر عما نقوله، يجب أن نُصنّف، مما ينهي النقاش. لأنَّنا في النهاية نضطر إلى الدفاع عما نقوله، وبالتالي لا ينتبه أحد للنقاش الأوسع حول ما يحدث في فلسطين. لذا، بالنسبة لي، أريد التحدث عن النفوذ السياسي في هذه الدولة الذي يسمح بالضغط لفرض الولاء لدولة أجنبية».

يرى بليتنيك أنَّ إلهان تشير بوضوح إلى القوى العديدة التي تؤثر على سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل وفلسطين، والتي تتضمن المجتمعات اليهودية والمسيحية، وشركات السلاح والتكنولوجيا، وأصحاب الفكر الاستراتيجي الجيوسياسي المتشدد.

ومن الواضح في رأيه أنَّها لم تكن تقصد الإشارة إلى اليهود أو أي فصيل محدد آخر عند حديثها عن النفوذ الإسرائيلي المتشعب، لكنَّ لورا كيلي، الصحافية في موقع «جويش إنسايدر»، اختلقت القصة واقتطعت من تصريحات إلهان لتجعلها في سياق الحديث عن اليهود. إذ تقول روايتها: «صاح أحد المستمعين في الكونجرس ضاحكًا: (الأمر كله يتعلق بالمال) فابتسمت كل من إلهان وطليب خلسة».

وبحسب الكاتب، فإنَّ دلالة أنَّ إبتسامة إلهان المتوترة تعكس الشعور بالذنب، حسبما كتبت كيلي وأكد موقع جويش إنسايدر صراحةً في ملحوظةٍ للمحرر، أضفت على الكلمات اللاحقة للنائبة طابعًا سلبيًا، يستنتج وجود تلميح في كل كلمةٍ تقولها، لكنَّ كلمات كيلي تلك كانت أقل صراحةً بكثير مما كتبه جوناثان تشيت، الصحافي بمجلة «نيويوركر»:

«ابتسمت إلهان بعدما صاح واحدٌ من الحضور: «الأمر كله يتعلق بالمال»، كما يقول تقرير كيلي، ثم صرَّحت إلهان بعدها: «أريد التحدث حول النفوذ السياسي في هذه الدولة، والذي يسمح بالضغط لفرض الولاء لدولة أجنبية». كان هذا أسوأ كثيرًا من تغريدة المال، فاتهام اليهود بـ«الولاء لدولة أجنبية» طريقة كلاسيكية تاريخية لنزع الشرعية عن مشاركتهم في النظام السياسي. وسواءٌ كانت أو لم تكن أجندة السياسة الخارجية التي أقرها المؤيدون الأمريكيون لإسرائيل حكيمةً أو إنسانية، فهي تعبير شرعي عن حقوقهم السياسية كمواطنين أمريكيين. الاعتقاد بوجود تحالف أمريكي قوي مع إسرائيل (أو كندا أو المملكة المتحدة أو أي دولة أخرى)، ليس إعلانًا بالولاء لهذه الدولة. تستدعي إلهان بهذا مباشرةً أسطورة الولاء المزدوج القديمة، التي يُشكَّك من خلالها في ولاء اليهود الأمريكيين لأمريكا، وتصبح بموجبها مشاركتهم السياسية مشروطةً بإثبات وطنيتهم».

بهذا انتزع جوناثان تصريحات إلهان من سياقها أكثر مما فعلت كيلي، وتبعته محاولاتٌ أخرى مشابهة وفقًا لبليتنيك. إذ انتشر فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لا يتضمن إلا جملة إلهان الأخيرة، التي جردت من سياقها تمامًا، ثم انخرط زملاؤها في الجدل المثار حول المسألة.

فصرَّح إليوت إنجل، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب: «من غير المقبول والمسيء جدًا التشكيك في ولاء المواطنين الأمريكيين الآخرين بسبب آرائهم السياسية، بما فيها دعمهم للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية». وغردت نيتا لوي، نائبة الحزب الديموقراطي عن ولاية نيويورك: «أشعر بالحزن من استمرار النائبة عمر في تشويه الدعم لإسرائيل». وصرّح جيرولد نادلر، النائب الديموقراطي أيضًا عن ولاية نيويورك، إنَّ القيادة الديموقراطية يجب أن تقول أو تفعل شيئًا، للرد على إلهان. وأطلقت اللجنة اليهودية في الحزب الجمهوري التي يمولها شيلدون أديلسون حملةً إلكترونية عبر البريد الإلكتروني تطالب الشعب بالتواصل مع رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، لمطالبتها بإقالة إلهان من لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب.

وذكرت التقارير أنَّ قادة الحزب الديموقراطي في مجلس النواب يصوغون في الوقت الحالي قرارًا لتوبيخ إلهان في قاعة المجلس، وهي خطوة نادرة للغاية. وجاء في تقريرٍ لموقع «بوليتيكو» الأمريكي أنَّ إلهان تعرضت للتوبيخ من قبل، بسبب «إشارتها إلى أنَّ المجموعات الموالية لإسرائيل تستخدم ثقلها المالي لتشكيل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط». يوضح هذا في رأي بليتنيك عبثية اللغط الحالي؛ لأنَّه توجد العديد من لجان العمل السياسي الموثقة التي تروج للسياسة المؤيدة لإسرائيل، والتي بحكم تعريفها تفعل ما وصفته إلهان بالفعل. ومع ذلك تواجه النائبة إنتقاداتٍ حادة لإشارتها إلى حقيقةٍ واضحة.

رد إلهان

يرى بليتنيك أنَّ إلهان لا تبدو مستعدةً للاعتذار حاليًا، ربما لإدراكها أنَّ الطريقة الوحيدة لتجنب هذه الخلافات ربما تكون التوقف عن الحديث عن سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل. وردت على تغريدة نيتا لوي على تويتر قائلةً: «لا ينبغي أن أقدم الولاء أو أتعهد بدعم دولة أجنبية لخدمة بلدي في الكونجرس أو خدمة اللجنة». بذلك أوضحت أنَّ استخدامها لكلمة «ولاء» لم يكن حول اليهود أصحاب «الولاءات المزدوجة»، لكنَّ حول دفع سياسيي الولايات المتحدة لإثبات ولائهم لإسرائيل باستمرار.

وأوضح الكاتب أنَّ إلهان تتحدث عن ظاهرةٍ يواجهها أي شخص في كل الجماعات المؤيدة للسلام كل يوم، وهي ما لاحظه الكثيرون على مدى عقود من أنَّ مناقشة وقائع السياسة والتحركات الإسرائيلية في إسرائيل أسهل منه في الولايات المتحدة.

وأصبحت إلهان عمر ضحيةً لهذا الحراك في رأيه، وكون الإنجليزية ليست لغتها الأم، يجري تحليل كل كلماتها وتأويلها. وأحيانًا يكون التأويل خدّاعًا، فيحمله أولئك الذين يتمنون تشويه سمعتها محمل معاداة السامية.

وفي أحيانٍ أخرى، يصطبغ ذلك التحليل بالإسلاموفوبيا الكامنة ضدها كأول نائبة ترتدي الحجاب في الكونجرس. ويستشهد بليتنيك هنا برد الفعل الخافت نسبيًا تجاه معاداة السامية الأكثر وقاحةً من النائب الجمهوري جيم جوردان على «تويتر» نهاية الأسبوع الماضي.

وعلَّقت لارا فريدمان المطلعة على شؤون السياسة في واشنطن على تلك الفجوة في ردود الفعل التي يشير إليها بليتنيك، قائلةً: «الحساسية المفرطة هنا بسبب هوية إلهان عمر وما تمثله، كونها امرأة مسلمة تنتقد إسرائيل. من الغريب فقط قول هذا، خاصةً بعد ثماني سنوات من مشاهدة من عينوا أنفسهم مدافعين عن إسرائيل يحاولون تشويه صورة باراك أوباما كمعادٍ للسامية، وأيضًا عندما نرى هذا بشكلٍ أوضح في سياق التسامح طويل الأمد والمذهل مع معاداة السامية، عندما تأتي من أشخاصٍ يراهم صناع السياسات أصدقاءً لإسرائيل. وأيضًا يبدو هذا غريبًا صراحةً في الوقت الذي يعطي فيه الكونجرس والسلطات التشريعية وزنًا أكبر لآراء أولئك الذين يريدون حماية إسرائيل من الانتقادات أو الضغوط أكثر مما يعطون للاتحاد الأمريكي للحريات المدنية».

تشير نقطة لارا الأخيرة بحسب بليتنيك إلى تشريعٍ في العديد من الولايات يطالب الناس بالتوقيع على تعهد بعدم دعم حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، أو الانخراط في نشاطٍ اقتصادي مماثل لمعارضة السياسات الإسرائيلية، وأيضًا القانون الصادر حديثًا من مجلس الشيوخ (لم يناقش بعد في الكونجرس)، الذي قال الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية إنَّه ينتهك التعديل الأول بالموافقة على حق الولايات الفردية في سنّ مثل هذه التشريعات، التي هي ضد حرية التعبير. وكانت إلهان في رأيه تشير للشيء ذاته.

وفي الاثنين الماضي ضمَّ النائب خوان فارجاس صوته لمنتقدي إلهان عمر، لكنَّه سهوًا ختم كلماته مؤكدًا رأيها، قائلًا: «من المزعج أنَّ إلهان عمر تستمر في إبراز فكرة معاداة السامية التي تؤذي مجتمعنا اليهودي وتسيء تمثيله. بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ التشكيك في دعم العلاقات الأمريكية الإسرائيلية غير مقبول».

ويخلُص بليتنيك إلى أنَّه كما يبدو، في الولايات المتحدة، من الممكن مناقشة أي سياسة محلية أو أجنبية، باستثناء الدعم المطلق لإسرائيل، وهذه على ما يبدو هي الخطيئة التي ارتكبتها إلهان عمر.

«ذي إنترسبت»: إلهان عمر تكسر «التابوه» وتنتقد هذه اللجنة الداعمة لإسرائيل

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد