يعرّفنا هذا المقطع من قناة Veritasium بموقع YouTube على جانبٍ مثير من سيكولوجية الانسان، وكيف يُمكن خلق وهم الحقيقة عن طريق استغلال لهذا الجانب.

هل فكّرت يومًا ما الذي يجعلنا نميل إلى تفضيل «الماركات» العالمية والمنتجات الشهيرة عن غيرها؟ أو لِماذا تنعدم فرص السياسيين المغمورين في اكتساب عدد من الأصوات يؤمن لهم المنافسة على مقاعد المناصب العليا، حتى وإن كانوا أكفأ من نظرائهم المشهورين؟

من منظور أوسع: هل يخلق التكرار لدينا وهمًا بالارتياح تجاه أشياء منفرة، أو التصديق تجاه أشياء ربما لا تكون حقيقية؟ يعرّفنا هذا المقطع من قناة Veritasium بموقع YouTube على جانبٍ مثير من سيكولوجية الانسان، وكيف يُمكن خلق وهم الحقيقة عن طريق استغلال لهذا الجانب.

«السهولة الإدراكية» Cognitive Ease

View post on imgur.com

«السهولة الإدراكية» هي مقياسٌ للمجهود الذي يبذله المخ في تحليل المعلومات الواردة أمامه، أو في القيام بمهمة معينة، من تصفح مواقع التواصل الاجتماعي، إلى الاستذكار ومحاولات القيام بعمليات حسابية معقدة مثلًا.

وفقًا للمقطع، فإن الحقائق البسيطة كطلوع الشمس من المشرق أو أن النار تحرق يتعامل معها العقل بقدرٍ كبير من السهولة الإدراكية؛ لا يبذل العقل كثيرًا من المجهود في محاولة تحليلها؛ لأنّه يعرف يقينًا أنها حقيقية. هذه السهولة الإدراكية لا تُعطي إحساسًا بأن الأشياء حقيقية وفقط، وإنما تورث أُلفة وارتياحًا لدى المتلقّي. لهذا ينصح الأستاذ طلابه عند الإجابة عن أسئلة الاختيار من متعدد، بأن يختاروا الإجابة التي يشعرون بأنها صحيحة ومألوفة؛ لأنها غالبًا كذلك؛ على الأقل في بعض فروع العلم البعيدة عن التعقيد.

ليست هذه مشكلة عند التعامل مع الحقائق، لكن هل يمكن أن تعبر أشياء غير حقيقية إلى الجانب الآخر بوسائل اصطناعية؟

كيف يصنع التكرار وهم الحقيقة

View post on imgur.com

المشكلة الكُبرى أن السهولة الإدراكية يمكن الوصول إليها بشكل اصطناعي. إحدى وسائل ذلك هي تكرار المعلومات والآراء، حتى وإن كانت خاطئة أو غير ذات قيمة ملموسة. كلما ازداد عدد مرات تكرارها تزداد السهولة الإدراكية في التعامل معها، واعتبارها مسلّمات يصعب تفنيدها، إلا من قِبل المتشككين، الذين يُعامل كلامهم عادة على أنه غريب وغير مألوف، وبالتالي يورث نوعًا من عدم الارتياح وبالتالي عدم التصديق. تجارب عدّة أظهرت هذا، تم فيها عرض أشكال غير ذات معنى أو رموز صينية على أشخاص لا يفهمون الصينية بدرجات متفاوتة من التكرار، ثم طُلب منهم في نهاية التجربة أن يختاروا الأشكال أو الرموز التي يعتقدون أنّها تعبر عن شيء جيد. بالطبع كان للأكثر تكرارًا نصيب الأسد في إحساس المشاركين بالارتياح، وأنّه يعني شيئًا جيدًا في مقابل الأقل تكرارًا.

View post on imgur.com

في الواقع، يحدُث هذا كل يوم بشكلٍ ممنهج. يُمكن للحملات الدعائية المكثّفة أن تجعل «حتى المياه الغازية البنّية المحلّاة بالسكر تبدو جذابة». ليس هذا مستغربَا، فالإنسان جُبل على التحفّز تجاه غير المألوف، باحثًا في طياته عن أية مجاهيل أو مخاطر محتملة. وفي بحثه يعمل العقل بصورة أنشط من المعتاد، وهو أمر مرهق بالتأكيد. أمّا الأمور المألوفة، فإن العقل لا يبذل الكثير من الجهد محاولًا تحليلها. الأغاني يصير وقعها محببًا أكثر إلى النفس بعد تكرار سماعها عدة مرات. حتى صغار الطيور تطوّر نوعًا من الألفة مع المقاطع الصوتية التي تسمعها وهي بعدُ في البيضة.

قِس على هذا العديد من الأشياء: الحملات الانتخابية التي تُغرق الشوارع ووسائل الإعلام بأسماء المرشّحين وصورهم؛ الأعراف المجتمعية المسلّم بها دون تدقيق أو تساؤل، وهلمّ جرًا.

أن تبدو أنيقًا.. ذلك أفضل

View post on imgur.com

ليس التكرار هو الطريقة الوحيدة لتوليد السهولة الإدراكية. هناك العديد من الوسائل البصرية التي ترتاح إليها العين وبالتالي يميل العقل إلى تصديق ما تعبّر عنه. الصور التي تتمتع بمعدل تباين Contrast عالٍ نشعر بأنها أفضل من الصور منخفضة التباين، وهو ما يفسّر أثر مرشّحات تطبيقات «انستجرام» و«ريتريكا» على تحسين الصورة.

أيضًا فإن المقاطع المصوّرة ذات الصوت النقي والصورة عالية الوضوح تبدو محببة أكثر. أما المقاطع منخفضة الوضوح أو التي تنخفض فيها جودة الصوت تتطلب المزيد من الجهد الإدراكي؛ إذ يتوتر العقل، ويبدأ في البحث عن مصادر الخطر المحتمل في ثنايا المشهد غير الواضح. ربّما يفسر هذا نجاح سلسة أفلام «فعالية ما فوق الطبيعة» Paranormal Activity وكل أفلام الرعب التي تستخدم تقنيات مماثلة.

View post on imgur.com

ليس ذلك فقط. يذكر المقطع تجربة طُرح فيها على مجموعتين من الناس سؤالًا مخادعًا. المجموعة الأولى كُتب السؤال بخطٍ واضح أنيق، والأخرى كُتب السؤال بخطٍ يتطلب جهدًا لقراءته. اختار 90% من أفراد المجموعة الأولى الإجابة الخاطئة ، بينما انخفض معدل الخطأ في المجموعة الثانية إلى 35% فقط!

السبب أن عدم وضوح الخط وعدم أناقته يحفّزان العقل ليبذل المزيد من الجهد الإدراكي في سبيل قراءته، وبالتالي لم يقفز أفراد المجموعة الثانية إلى الإجابة البديهية الخاطئة التي «تبدو» صحيحة، بل مالوا إلى تحليل السؤال جيدًا؛ ومن ثمّ خرجت نسبة أكبر منهم بالإجابة الصحيحة.

View post on imgur.com

طريقة أخرى ربما تودّ تذكرها عند اختيار اسمٍ لشركتك أو مكتبك: مكاتب المحاماة التي تحمل اسمًا أسهل في النطق تحصل على عدد أكبر من القضايا، والشركات التي يمكن نُطق اختصاراتها في سوق تداول الأسهم، مثل «ليف» LEAF و«ميب» MEP، عادة ما يكون أداؤها جيدًا بالمقارنة بالاختصارات غير المنطوقة، مثل «إي إس إن تي» ESNT. والسبب؟ سحر السهولة الإدراكية.

إذن.. هل يجب أن نفكر بعمقٍ في كل شيء؟

View post on imgur.com

ليس بالضرورة. من الصعب بالتأكيد أن يفكر الإنسان في أبسط العمليات بقدرٍ كبير من التعقيد؛ لأن هذا يمكن أن يورثه قدرًا كبيرًا من الإرهاق والتوتر. يلفت المقطع النظر إلى كون الكثير من العلماء والأكاديميين متشككين ومتجهمين، وأقل سعادة في المتوسط من العامة. ربّما هذا لا يرجع إلى ضعفٍ اجتماعي، وإنما إلى كونهم يبذلون الكثير من الجهد الإدراكي في تحليل النظريات، والتشكيك حتى في الفرضيات السائدة والمعتقدات المنتشرة. ربّما هذا بالتحديد هو ما يجعلهم علماء مرموقين في مجالاتهم.

آليات السهولة الإدراكية لها أهميتها، خاصة أنها تلعب دورًا كبيرًا في العملية الإبداعية؛ إذ تساعد في إيجاد علاقات باطنية تربط الأشياء ببعضها، كما أنها تورث الكثير من الراحة وسرعة البديهة، وتساعد على إنجاز المهام الروتينية التي لا تتطلب مجهودًا عقليًا كبيرًا مثل التسوق.

لكن يمكنها أيضًا أن تجعلك سهل الانخداع، يمرّ من تحت أنفك الكثير من المغالطات والحِيل. لذلك فالأفضل هو أن نكون على وعيٍ بالأوقات التي تتطلب منّا مزيدًا من الجهد العقلي، والأوقات التي يمكن فيها الاسترخاء والاستمتاع بمشاهدة فيلم مع العائلة، دون الحاجة إلى كثيرٍ من القلق.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد