في هذا المقال، يستعرض نائب مدير تحرير وكالة الأسوشيتيد برس، توماس كينت؛ الدورَ الفعّال للصحافة المحايدة في تغطية القصص الخبرية، لا سيما أنه أيضا المسؤول عن معايير الإنصاف والدقة في الوكالة، وعمل محكمًا للأعمال المرشحة لجائزة البولتزر، ويعمل مستشارًا لشبكة الصحافة الأخلاقية.

القيمة الدائمة للصحافة المحايدة

منذ سنوات، وما زال دعاة النماذج الصحفية الجديدة ينسفون فكرة الحيادية بكونها هدفًا غير مُجدٍ، وما زالوا ينسفون!

في مهرجان الصحافة العالمي والذي أقيم في ربيع العام الماضي في إيطاليا، تعالت أصوات التصفيق والضحك بعد أن روّس أحد المتحدثين كلمته بجملة “الموضوعية هراء محض”!

وإلى حد اللحظة، ما زال مصطلح الحيادية مصطلحًا مرنًا، بالرغم من السخرية والصورة النمطية التي يتعرض لها هذا المبدأ المتمثل بمصطلح “الحيادية”، هناك متسع كبير للنماذج الأخرى، لكنه من الجدير أن يؤخذ بالاعتبار تلك القيّم التي تتناولها الحيادية!

نقّاد مبدأ الحيادية، يبدؤون دائمًا بالقول أن للجميع آراء، فحاول أن تكتب دون إحداها، ويضيفون أن الكاتب إذا اتخذ قاعدة “هو قال، وهي قالت”* دون أي خلاصة واضحة، سوف يخرج علينا بقصة هشّة!

*يشير الكاتب هنا إلى مصطلح أطلقه البروفيسور جاي روسن (صحافة الـ”هي قالت وهو قال”)

ويقدّم النقّاد هذا البديل: يجب على الصحافيين أن يتباهوا في تحيزاتهم، وأن ينشروا معتقداتهم، واعترافاتهم التي من الممكن أن يدرجوها في موادهم الصحافية.

وهذه الآراء تؤكد مدى تأثر النقاد بالصورة النمطية لمبدأ الصحافة الحيادية!

أولا، الصحافة الحيادية هي مهنة قائمة بحد ذاتها، أي ممارسة مهارة فصل المعتقدات الشخصية، فالأطباء ربما لا يؤيدون آراء المرضى السياسية، لكنهم لا يقومون بقتلهم في غرفة العمليات، المحامون يدافعون ببلاغة عن موكلهم حتى لو كان أكثر الناس دناءة، والصحافيون الذين يسعون ليكونوا حياديين، يجب أن تكون لديهم قابلية تغطية الأحداث والأشخاص دون أن يولوا اهتمامًا لمشاعرهم الشخصية!

والنقاد عادة ما يخلطون بين التغطية الحيادية خلال التقرير وبين النتيجة الحيادية التي يوردها الصحافي في تقريره، وكون المراسل أو الصحافي قام بالتماس كافة وجهات النظر في تقريره، ذلك لا يعني أن القصة ستكون مميعة بفكرة “هي قالت وهو قال” دون فكرة واضحة وموقف واضح تبديه القصة تجاه الحدث.

عندما اتهمت صحيفة “صن سينتنيل” رجال الشرطة بأنهم “أسوأ المسرعين” على طرق جنوب فلوريدا، اعتمدت الصحيفة على أرقام لا لبس فيها، وعندما قامت وكالة الأسوشيتيد برس باكتشاف الإهمال والخداع الممارس في القوات الأمريكية النووية، كانت بالكاد ضعيفة.

وفي الوقت ذاته، ليس من الضروري أن تصاغ كل قصة خبرية على هيئة لائحة اتهام، عرض وجهات النظر المختلفة بعدل وتساوٍ لا يتعبر انتقاصًا من الحقيقة، لكن الطريقة الوحيدة لإخبار القصة بمصداقية في الحالات التالية:

  • أن تكون القصة ما زالت تتطور، أو أن لا نملك المصادر الكافية للوصول للغاية المنشودة من القصة، في حالات كهذه، فإنه من الأفضل أن نقدّم المعلومات التي نملكها عن كافة الأطراف بدلا من التزام الصمت، أو أن نجبر على أن نصنف الخبيث من الطيب على الفور.
  • أن نكون غير قادرين على اكتشاف ما هو حقيقي، كم مرة رأينا أخبارًا اعتقدنا أننا نحكم عليها بحكمة، من ثم
    انقلبت الحقائق رأسًا على عقب: توقعات في ارتفاع كمية استخراج النفط من بقعة معينة تبيّن لاحقا أنها توقعات خاطئة، إعادة تعريف ماهية الأكل الصحي، نظام سياسي معروف بأنه ذو قوة عظمى انهار فجأة!
    ببساطة، لا يمكن للصحافيين أن يحكموا أو يتوقعوا أي شيء، ويجب علينا أن لا ندعي بأنه يمكننا.

 

ما مدى الانحياز الذي يمكن للصحفي أن يبدأ به؟

إن أي ثقافة لديها معتقدات تتغلغل في روح أفرادها، وفي كثير من الأماكن، وعلى سبيل المثال، يتشارك الناس في معتقد  أن الحكومة لا يجب أن تضطهد المواطنين، وأن أصحاب السلطة لا يجب عليهم أن يقوضوا الصالح العام، فبسبب هذا المعتقد يؤمن الصحفي أن القيمة الخبرية تكون عندما تتجاوز الحكومات حدودها، فالتنوع الثقافي داخل غرفة الأخبار يتناسب طرديا مع حجم التنوع في المواد التي تعتبر ذات قيمة إخبارية.

ولكن بينما المنظورات الثقافية تساعد على اكتشاف القصص الجديرة بالتغطية، إلا أن تلك المنظورات تسمح بتغطية القصص بطريقة عادلة ومنصفة، وليست كل قصة تحتاج إلى أن تخاطر من خلالها بتغطيتك المنحازة، فأخبار الكوارث كالحرائق أو التسونامي، ببساطة لا يمكنك إلا أن تكون منحازًا في تغطيتك.

– بوضوح تام، الصحافيون الذين يملكون معتقدات شخصية ستؤثر حتمًا على قصصهم أو صورهم، يجب عليهم الإفصاح عنها.

جاي روسون، دعا إلى استخدام تقنية النقر التوضيحي على اسم الكاتب، فما أن تنقر على اسم كاتب القصة الخبرية تظهر لك صفحة أخرى تبين توجهات الكاتب وآراءه ومعتقداته، وهي نوع من التصريح، ومحاولة إبداعية للقول: “أنا أتيت من ذاك المكان”، لكن أيضًا يجب علينا تقبّل فكرة أن ليس كل صحافي هو سجينًا لمعتقداته التي لربما تشوه تغطيته الإخبارية، وبمقياس واحد، نصف الصحافيين الأمريكيين لديهم استقلال في الآراء السياسية، هذه الفئة كانت تمثل نسبة 18% فقط قبل 11 عامًا، ونسبة قليلة تم التعرف على آرائهم عبر استفزازهم للإفصاح عنها.

ولا أحد يضمن أن تصريحاتهم حول مواقفهم السياسية ستكون صحيحة، أو أن سيرة المراسل ستخبرك فيما إذا كان جديرًا بالثقة أم لا، فإذا كان المراسل قد عمل سابقا في صناعة الكيماويات، هل يعني ذلك أن سينحاز لزملائه السابقين؟ أو أنه بما يمتكله من معلومات هو أفضل مصدر موجود؟

– بشكل مطلق، فإن أسهم الصحافي لا ترتفع بناءً على مدى ما يفصح به عن معتقداته الخاصة، أو عن ماضيه، بل ترتفع  بقدر الأخبار الصادقة التي ينشرها.

لهذا السبب فإن الملايين من الأشخاص كثيري الانشغال الذين لديهم وقت محدد لمطالعة الأخبار، يتوقعون مصداقيتها بمجرد أن يروا اسم الصحفي أو الصحيفة، نظرًا لما وجدوه من مصداقية وحيادية في القصص التي ينشرونها.

هناك متسع في محيط النقاش لكلا المدافعين عن حيادية الصحافة وأولئك الذين يصرون على أن الحيادية يجب أن يُستبدَل بها رأيٌ يمتلك شفافية، ففي عالم عانى بما فيه الكفاية من التعصب والاستقطاب، يجب علينا أن نواصل اختبار وتطوير كافة المنهجيات الصحفية، بدلا من أن نغلق الباب على التقنيات التي ما زالت لها قيمة كبيرة.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد