قال ناثان بارك في مقال له على موقع مجلة «فورين بوليسي»، إن كوريا الجنوبية شهدت أزمة سياسية لا مثيل لها: فقد اعترفت الرئيسة المحافظة، بارك جين هوي، علانية بارتكاب جريمة، ظنًّا منها أن شعبيتها ستشفع لها. ومع ذلك، سيطر الحرج على الحزب الليبرالي الذي تنتمي إليه، على الرغم من الفوز الساحق الذي حققه في انتخابات التجديد النصفي. كانت دعوات الإقالة أعلى صوتًا، لكن زعيم الأغلبية كان مترددًا، ولكن حزبه ليس لديه عدد كافٍ من الأصوات لعبور الأزمة.

وأوضح ناثان بارك أنه بالنسبة لأمريكي من أصول كورية يساري مثله، كانت السنوات القليلة الماضية لرئاسة دونالد ترامب مفزعة. إن أوجه الشبه بين رئاسة بارك جين وترامب عديدة. فقد حققت بارك – مثل ترامب- انتصارًا غير متوقع عبر مساعدة حملة تديرها وكالة تجسس. «ليس من النوع الروسي – بالتأكيد- تدخلت وكالة التجسس الكورية الجنوبية في الانتخابات الرئاسية».

وعند توليها المنصب، بدأت بارك بتعيين شخصيات إعلامية غير مؤهلة مستشارين رئاسيين، ومتحدثين رسميين. وقد سيطر عليها جنون العظمة إلى درجة اعتقادها بأن ناخبيها سيدعمونها حتى لو أطلقت النار على شخص في وسط أكثر الشوارع ازدحامًا في سيول.

ولكن رغم كل الصعاب، عُزلت بارك، على الرغم من أن الحزب الديمقراطي المعارض لم يكن لديه أصوات كافية. إن الطريقة التي أنجز بها الليبراليون الكوريون الجنوبيون ذلك تُعد خارطة طريق للحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة لعزل ترامب.

مناورة تشريعية

لا شك أن لكل بلد خصوصياته – يشير ناثان بارك- فالهيئة التشريعية في كوريا الجنوبية، الجمعية الوطنية، بها مجلس واحد يضم 300 عضو. ويمكن أن تتحرك الجمعية الوطنية لإقالة الرئيس بتأمين أصوات أكثر من ثلثي أعضائها – بمعنى آخر، 201 صوت أو أكثر لصالح العزل. بمجرد الموافقة على طلب الإقالة، تُعقد محاكمة أمام المحكمة الدستورية.

بيد أن الأخيرة ليست جزءًا من القضاء؛ بل هي مجلس مؤلف من تسعة أعضاء يترأس الفروع الثلاثة للحكومة، ويقرر المسائل ذات الأهمية الدستورية. إذا صوت ستة أو أكثر من قضاة المحكمة الدستورية لدعم طلب الإقالة، يُعزل الرئيس من منصبه.

لكن على الرغم من هذه الاختلافات، واجه وو سانج هو – زعيم الحزب الديمقراطي في كوريا الجنوبية آنذاك- المشكلة نفسها التي واجهتها رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي: إذ لم يكن لديه عدد كاف من الأصوات. تمامًا كما هو الحال مع ترامب، كانت مؤشرات أخطاء بارك في كل مكان منذ بداية رئاستها في عام 2012. في أبريل (نيسان) 2016، أصبح الحزب الديمقراطي حزب الأغلبية في انتخابات الجمعية الوطنية، إذ أدى ظهور الفضائح تباعًا إلى تآكل شعبية بارك.

ثم تفجرت الفضيحة الكبرى – يكشف كاتب المقال- ففي 24 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، نقلت شبكة تلفزيون JTBC خبرًا عن جهاز كمبيوتر لوحي تابع للمستشارة الروحية لبارك – تشوي سون سل- تضمن خطابًا رئاسيًّا جرى تحريره. لقد كان الدليل الدامغ الذي أثبت الشائعات التي عدها معظم الكوريين غريبة للغاية: أن تشوي، التي كانت مؤهلاتها الوحيدة هي حقيقة أن والدها ادعى أنه يتحدث مع والدة الرئيس الميتة، كانت تدير حكومة ظل تتفشى فيها النفوذ.

عقدت بارك، مؤتمرًا صحفيًّا واعترفت بأن تشوي قرأت الخطاب، ودافعت عن تشوي بالقول إنها «ساعدتها خلال الماضي الصعب». بدأ مئات الآلاف من الكوريين الغاضبين في الاحتجاج على ضوء الشموع أسبوعيًّا، مطالبين الديمقراطيين بعزل بارك. ومع ذلك، كان حزب بارك ما يزال يحتفظ بـ122 صوتًا في المجلس التشريعي. ومن أجل تأمين أكثر من 201 صوت، احتاج وو إلى انشقاق حوالي ربع المحافظين.

كانت الطريقة التي نجح بها «وو» في إطاحة بارك درسًا في المناورة التشريعية. أول قرار حاسم اتخذه «وو» هو عدم تقديم اقتراح الإقالة قبل الأوان. فقد يعرّضه هذا للكثير من النقد، مثلما واجهته بيلوسي من الديمقراطيين التقدميين. لكن القيادة الديمقراطية لكوريا الجنوبية عرفت أن عددًا كافيًا من المحافظين كانوا على وشك الانشقاق.

ومثل ترامب، كانت بارك وأنصارها أقلية داخل حزب المحافظين، ثم عززت قبضتها تدريجيًّا عليه. كان المحافظون المؤسسون الذين خسروا هذا الصراع على السلطة – مثل كيم مو سونج، الرئيس السابق لحزب سينوري- على وشك القفز من السفينة. أنذر النهج العدواني المفرط من جانب الرئيسة برد فعل شديد بين هؤلاء المحافظين، مما تسبب في تحالفهم مجددًا معها.

ينوه الكاتب إلى أن الديمقراطيين كانوا حذرين في تحركاتهم. طلب «وو» من القادة الليبراليين الرئيسيين، مثل مون جاي، الامتناع عن التدخل، لتجنب ظهور الحزبية الزائدة. وبدلًا من التوجه مباشرة إلى التصويت على عزلها، عرض «وو» على بارك حلًّا وسطًا: خذي خطوة إلى الوراء غير رسمية تجنبك الاستقالة. وبما أن الانتخابات الرئاسية المقبلة كانت على بعد أقل من عام، يمكن للديمقراطيين تعيين الحكومة في هذه الأثناء.

لقد كانت حبة سم مُصنَّعة بدقة: بالنسبة للشعب، يبدو أنه عرض معقول للرئيسة التي انهارت شعبيتها. لكن كان من الواضح أن بارك لن تقبل العرض؛ لأنها إذا سلمت مقاليد الحكومة، فمن المرجح أن تحاكم وزارة العدل مساعداتها وفي النهاية ستحاكمها نفسها. ومثلها مثل ترامب، لم يكن لدى بارك مصلحة في تأمين مستقبل السياسة المحافظة، فكانت نجاتها هي هدفها الوحيد.

خسارة بارك المؤيدين

عندما رفضت بارك التسوية في 9 نوفمبر (تشرين الثاني)، أثار تحديها رد فعل أقوى من الجمهور. بلغ عدد المحتجين على ضوء الشموع في 12 نوفمبر أكثر من مليون شخص، في حين اجتذب الاحتجاج في 26 نوفمبر ما يقرب من مليوني شخص. فرض تزايد الاحتجاجات ضغطًا هائلًا على المحافظين المترددين. وبحلول 9 ديسمبر (كانون الأول)، عندما صوتت الجمعية الوطنية على اقتراح الإقالة، انقلبت الكفة تمامًا. وكانت النتيجة النهائية 234 صوتًا مقابل 56 صوتًا. على الرغم من أن التصويت كان سريًّا، فإن 62 مشرعًا محافظًا على الأقل – أكثر من نصف حزب سينوري- أيدوا مقاضاة بارك.

يضيف بارك أن تجربة كوريا الجنوبية تقدم درسين لليبراليين الأمريكيين الذين يرغبون في عزل ترامب. الدرس الأول هو: لا تفقد الأمل. أُحبط كثير من الليبراليين من الدعم الراسخ على ما يبدو لترامب. إنهم يشعرون بالقلق من أن الناخبين الجمهوريين ملتزمون عاطفيًّا جدًّا بترامب لدرجة أنهم سيتغاضون عن أي مخالفات، في حين أن المشرعين الجمهوريين جبناء للغاية بحيث لا يستطيعون الوقوف ضده. زعم الليبراليون الكوريون الجنوبيون الأمر نفسه حتى عام 2016، وهو أن أرضية دعم بارك كانت غير قابلة للاختراق.

لحسن الحظ، كانوا مخطئين. إذ نادرًا ما تكون الهياكل الاستبدادية قوية كما تبدو. إنها تتآكل تدريجيًّا ثم تنهار فجأة. ومنذ أن أطلقت بيلوسي تحقيقات العزل، كان الدعم الشعبي لإزالة ترامب من منصبه يتزايد بثبات. توقع السناتور السابق عن ولاية أريزونا جيف فليك أن يصوت ما لا يقل عن 35 من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين لعزل ترامب، إذا كان التصويت سريًّا. ليس من الغريب الاعتقاد بأن الإجراء المستفز القادم من ترامب سيؤدي أخيرًا إلى انشقاق بعض أعضاء الحزب الجمهوري. قد لا تبدو أنها القشة التي ستقسم ظهر البعير، لكن إن زاد الحمل فوقها فبالتأكيد ستقسمه.

يقول ناثان بارك إن الدرس الثاني هو الاعتراف بالأدوار المختلفة لكل من الشعب والمشرعين. كان من المفهوم تمامًا أن الشعب الكوري الجنوبي غاضب من «وو» لعدم تحركه سريعًا من أجل الإقالة. وبالمثل، كان هناك ما يبرر لـ«وو» والقيادة الديمقراطية أن يأخذوا وقتهم والتأكد من حصولهم على الأصوات قبل تقديم اقتراح الإقالة. كانت لديهم ببساطة أدوار مختلفة، وقد أدوها بكفاءة.

تقاطر الجمهور بأعداد هائلة لإظهار دعمهم وممارسة الضغط على المشرعين، واستفادت القيادة السياسية من الضغط من أجل كسب الأصوات التي ما كانت لتغير موقفها لولا ذلك. من الخطأ أن نطلب من الجمهور كبح جماح خطابهم، بقدر ما هو خطأ مطالبة السياسيين بعدم المشاركة في تجارة الخيول التي تعد ضرورية لأي عملية سياسية.

بالنسبة لليبراليين الأمريكيين الذين يريدون عزل ترامب، فإن الطريق إلى الأمام وعرة. إذ ليست مهمة صغيرة إقناع نصف أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين بالتصويت لإقالة رئيس حزبهم. ولكن في عام 2016، أظهرت كوريا الجنوبية كيف يمكن فعل ذلك. في مواجهة الشتاء القارس، ظهر الجمهور بأعداد هائلة للاحتجاج على ضوء الشموع، وأظهر السياسيون الليبراليون حسن القيادة من خلال التفاوض بصبر مع نظرائهم المحافظين. ومن الجيد أن يدرك الأمريكيون ذلك.

ثورة فانقلابان ومذبحة ثم ثورة.. قصة نضال شعب كوريا الجنوبية لأجل الديمقراطية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد