يبدي العديد من المواطنين والمُشرّعين الأمريكيين بعض الذعر ما إن يسمعوا بكلمة الشريعة الإسلامية (والتي تعني بالأساس الطريقة والمنهج الذي ينبغي اتباعه)، وهو الشعور الذي يمكن تفهمه إلى حد ما.

ولكننا لا نتفهم هذا الشعور نظرًا لوجود أي خلل في بنيان الشريعة الإسلامية ذاتها، فأي نظام له ما له وعليه ما عليه، بل نتفهمه لأن الأنظمة القانونية المختلفة تتطور مع مرور الوقت بما يتوافق مع الظروف الثقافية والتاريخية السائدة محليًا باختلافاتها، ومن ثمّ فما يمكن تطبيقه في الشرق الأوسط يختلف تمامًا عما يسري بنجاح في الولايات المتحدة الأمريكية.

ومع ذلك، فإن الشريعة الإسلامية تتشابه إلى حد كبير ومن جوانب عدة مع القانون العام السائد في إنجلترا والولايات المتحدة، ويتجلى وجه التشابه في أنها تطورت منذ بداية ظهورها مع مرور الزمن، وذلك من خلال القرارات التي يصدرها القضاة الذين غالبًا ما يصدرون أحكامهم بناءً على قضايا بعينها بعيدًا عن القوانين الشاملة السارية في البلدان التي تعمل بقانون مدني (ولكن القياس على قضايا سابقة يشغل حيزًا أقل في الشريعة الإسلامية من القوانين الأمريكية والبريطانية).

ويقدم هذا المقال المعطيات التي قد تساهم في تقبل الولايات المتحدة ومواطنيها لفكرة تطبيق الشريعة الإسلامية في البلدان ذات الأغلبية الإسلامية، بل وليتمسكون بها لأنها قد تكون نظاما يمكن تطويعه ليلاقي قبولًا في أمة تعاني من التشتت والاضطرابات.

ويمكن للجهات الليبرالية بالغرب الداعمة للتعددية وكذلك المحافظين الداعمين للأفكار التقليدية أن يتفقا على مبدأ تقبل تطبيق الشريعة الإسلامية في الدول ذات الأغلبية الإسلامية؛ فالمفهوم الحقيقي للتسامح والتعددية يتسع لقبول الشريعة الإسلامية باعتبارها تمثل جزءًا من تعددية الأنظمة العالمية سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية، عوضًا عن أن يسيطر على العالم نزعة كونية ذات طبيعة متجانسة. ويتفق مع هذا الرأي كلا الفريقين سواء أصحاب الفكر الليبرالي التنويري أو المحافظين، وكما أوضح المفكران “مونتسكيو” و”بيرك” أن تنوع العادات التقاليد المتبعة بين الشعوب عادة ما ينجم عن طبائعهم المختلفة.

وهناك رأي لافت للنظر آخر يأتينا من جانب رئيس الوزراء البريطاني والسياسي المحافظ “ديفيد كاميرون”:

“لقد أصبح كل من التفكك العائلي والمخدرات والجرائم بل والفظاظة جزءًا لا يتجزء من الحياة المعاصرة في بريطانيا، حتى أن العديد من البريطانيين الآسيويين بالكاد يجدون صعوبة في الاندماج مع هذا المجتمع (ويشمل مصطلح البريطانيين الآسيويين مسلمين وهندوسيين وسيخ بالإضافة إلى شعوب شرق آسيا)، فإنهم بلا شك يجدون أن بعض جوانب الحياة البريطانية المعاصرة تشكل تهديدًا للقيم التي يعتزون بها، تلك القيم التي يجب أن نعتز بها جميعًا.

وتبدي العائلات والمجتمعات الآسيوية درجة عالية من القوة والترابط، فضلاً عن إحساسهم بالمسؤولية الاجتماعية، مما يشعرنا جميعًا بالخجل، وهو الأمر الذي يدفعني للتفكير – وليس للمرة الأولى – أن الأغلبية العظمى من الشعب البريطاني هي من تحتاج إلى الاندماج في حياة البريطانيين الآسيويين وليس العكس”.

ومن ثم لا داعٍ لوجود معارضة من أي جانب داخل الأوساط السياسية في الولايات المتحدة والدول الغربية حيال أن تطبق الأمم الأخرى القوانين والقيم التي تناسب تقاليدها وأعرافها، وهذا لا ينطبق على الشريعة الإسلامية في الدول الإسلامية فحسب، بل أيضًا مذاهب أخرى ومنها مذهب الكونفشيوسية على سبيل المثال. وبالطبع، يتعين على الغرب التمسك بقيمهم وتقاليدهم الخاصة بهم.

ومع ذلك، لا يمكن بأي حال من الأحوال استبعاد احتمالية تطبيق بعض جوانب الأفكار القانونية والاقتصادية والعلمية الغربية في الدول غير الغربية، إذا يرغبون في ذلك. ولكن العديد من الظروف التي يشهدها العالم في الوقت الحاضر تقودنا إلى التركيز على بعض التوجهات الفكرية التي تنبع من التقاليد الأصلية لبلد ما بل والاستعارة منها، خاصةً إذا كانت تدعم أفكارًا مثل مذهب الفردية وحقوق الإنسان والمبادئ النسوية وغير ذلك.

الشريعة ليست مذهبا بدائيا وغير متغير، بل إنها على العكس نظام قانوني متطور للغاية مع وجود مذاهب فقهية متنوعة منها أربعة مذاهب سنية إلى جانب مذهبين شيعين بارزين من بين عدة مذاهب أخرى، وهذا يعني أن الشريعة تحمل قدرًا كبيرًا من الآراء المختلفة والتي تتنوع بين المرن والمتزمت.

وقد أصبح للحضارة الإسلامية والشريعة على وجه الخصوص صدًا سيئًا في الغرب نتيجة للفوضى المنتشرة في أرجاء الشرق الأوسط وجنوب آسيا. صحيح أن الإسلام يحتوي على جوانب قانونية وسياسية أكثر من أي دين آخر، بل إن هذا الأمر تحديدًا هو ما يميزه، فالشريعة تقابلها الهالاخاه في الديانة اليهودية على سبيل المثال. ولكن في الحقيقة، فالغرب هو ما يشذ عن القاعدة فيما يخص رؤيته تجاه الدين والسياسة. وكما أوضحت الباحثة الدينية “كارين أرمسترونج” في كتابها الأخير:

“في العصور القديمة، كان الدين يتغلغل في جميع جوانب الحياة. فالكثير من الأنشطة التي يعتبرها الناس روتينية كانت تُمارس فيما مضى باعتبارها أعمالا شديدة القدسية، ومنها: تنظيف الغابات والصيد ومباريات كرة القدم وألعاب النرد وعلوم الفلك والزراعة ولعبة شد الحبل وبناء الدول وتخطيط المدن والتجارة وتناول شراب قوي، فضلًا عن الحروب، والتي تأتي في المقام الأول. فقد توصلت الشعوب القديمة إلى أنه من المستحيل أن ينتهي الدين حيثما تبدأ السياسة، وبالطبع لم يتسم القدامى بالغباء الذي يمنعهم من لمس هذا الفارق، ولكنهم كانوا في المقابل يرغبون في إضفاء قيمة مثلى على كل شيء يقومون به.”

وتضيف “أرمسترونج” أن العالم الغربي الحديث هو المكان الوحيد الذي يضع قوانين حول الدين ويجعله خاصًا على حد وصفها. وقد كانت العلمانية منهجًا جديدًا يحمل تغييرًا جذريًا، فيبدو لغير الغربيين “غير طبيعي أو حتى غير مفهوم”. وفي العديد من الثقافات الأخرى، فكلمة الدين تحمل مفهوما أكثر اتساعًا وإبهامًا وشمولًا من دلالتها في اللغة الإنجليزية، بل إنها تعني أسلوب الحياة ككل في اللغة العربية. والديانات الدارمية السينسكريتية هي أيضًا مفهوم شامل لا يمكن ترجمته لأنه يضم الدين والعدل والأخلاقيات والحياة الاجتماعية. كما أن قاموس “أكسفورد” الكلاسيكي يؤكد بكل حزم أنه لا يوجد في اليونانية أو اللاتنية ما يعادل الدلالة الإنجليزية لكلمة الدين. ومن ثم، فإن فكرة اعتبار الدين مسعى شخصي ومنظم في الأساس لم تكن ورادة أبدًا في الحضارات القديمة باليونان واليابان ومصر وبلاد الرافدين وإيران والصين والهند.

الحضارة الإسلامية ما هي إلا مجتمع قد وقع في فخ الفوضى والاضطرابات نتيجة لانفصالها عن بنائها السياسي والتشريعي التقليدي، والذي يقوم في الأساس على مفهوم الحق المطلق. ورفض الشريعة يعني ضمنيًا عدم الإقرار بأن الإسلام هو كلمة الله الأخيرة، وهو ما ينشأ عنه الكثير من المخاوف الوجودية داخل العالم الإسلامي، وهذا في المقابل يؤدي إلى تعزيز التفسيرات المتطرفة للإسلام كرد فعل لهذا الرفض.

وقد سعت السياسية الأمريكية وتوجهاتها البديهية على مدار السنوات إلى القضاء على الشريعة والانتقال في النهاية إلى قانون علماني عقلاني يمكن تعديله على يد بعض ممثلي أي مجتمع ليتناسب مع الاحتياجات القانونية العصرية من وجهة النظر الغربية والتي لا ترى القانون خالدًا أو مقدسًا. والتوجهات الغربية تكمن في وعيهم الجمعي حتى وإن لم يتم التصريح بها، ولكن الدفع لإحداث فاصل جذري عن ماضي أي أمة لن يفيد كثيرًا، كما إنه ليس في مصلحة الغرب، بل إذا وافق الغرب على أن تحتفظ الدول الإسلامية بقيمها التقليدية وأنظمتها القانونية – بالطبع إذا هذا ما تريده تلك الدول – فإن ذلك سيكون مفيدًا لأقصى درجة، حتى إذا لم ترُق تلك المناهج للغرب. ومن ثم ليس غريبًا أن يلقى التطرف تأييدًا أكبر داخل أرجاء العالم الإسلامي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، أي في الوقت الذي بدأ خلاله الغرب في الدفع برؤية عالمية ليبرالية للعالم كله. وقبل ذلك بمئة عام تقريبًا، كان التوجه الأساسي المسيطر في العالم الإسلامي هو محاكاة الغرب، وذلك عملًا على التعزيز من مكانته، مع ملاحظة أنه خلال هذه الفترة كانت أغلب مناطق العالم الإسلامي تخضع لسيطرة الغرب أو استعماره، ولكن القوى الاستعمارية نادرًا ما كنت تتدخل في التقاليد المحلية، فكانوا إما يحتقرونها أو يتجاهلونها على الأغلب.

وفي النهاية، فإن التغيير الأبدي الذي سيحل على العالم الإسلامي وجوانبه السياسية والقانونية لن ينبع إلا من الداخل، وذلك حينما تعثر المجتمعات الإسلامية على الطريقة المناسبة لتطبيق أعرافهم وأنظمتهم التقليدية في عالم مختلف. فالخيار التركي الذي يعد بإنشاء فاصل قطعي عن الماضي لن ينجح بالأحرى في أرجاء العالم الإسلامي، بل إن هذا الأمر قد يأتي بحركة ارتجاعية عنيفة من جانب القوى المحافظة نفسها كما حدث في إيران. ومن ثم، فليس من مصلحة الغرب والولايات المتحدة الدفع بالدول الإسلامية لقبول أفكار قانونية تلقى مقاومة داخل تلك الدول. فإحداث الكثير من التغيرات على وتيرة سريعة قد يقود إلى حركة ارتجاعية او انعزال فئة ما، وهو الأمر الذي سيقود في النهاية إلى مزيد من العنف والتطرف. لابد إذًا من السماح للمجتمعات الإسلامية بأن تُسيّر نظمها بقوانينها الخاصة لتحظى بتطور طبيعي بل وأكثر سلاسة والذي يساعدها على الانتقال إلى الحداثة على طريقتها الخاصة. ولهذه الأسباب لابد وأن تتقبل الولايات المتحدة تطبيق الشريعة الإسلامية في الدول الإسلامية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد