استعرض مقال أعده سامي مجدي – مراسل وكالة الأنباء الأمريكية «أسوشيتيد برس» – مطالب وتطلعات السودانيات في حقبة ما بعد البشير، وسلّط الضوء على الانتهاكات التي تعرضت لها السودانيات خلال الانتفاضة التي أطاحت بالرئيس السابق.

وفي مستهل مقاله الذي جاء تحت عنوان: «في السودان الجديد.. السودانيات يردنّ مزيدًا من الحرية ودورًا سياسيًا أكبر»، أشار سامي إلى أن السودانيات يبحثن عن الحريات التي عمل النظام القديم على تقييدها.

«فورين أفيرز»: الربيع العربي لم يكن سوى مرحلة أولى.. هكذا سيغير العرب مستقبلهم

لا يوجد ما نخسره

يسرد سامي قصة سودانية تُدعى خالدة صابر، قائلا: «خلال جولاتها اليومية من المنزل إلى وظيفتها في مدرسة ابتدائية في مدينة بورتسودان، كانت خالدة صابر تحث الناس على الانضمام إلى الاحتجاجات ضد حكم الرئيس السوداني الاستبدادي عمر البشير الذي دام ثلاثة عقود».

وفي المدرسة، كانت خالدة تقوم بحشد زملائها المعلمين من أجل الانضمام للانتفاضة المؤيدة للديمقراطية. إذ قالت في حديثها مع الوكالة: «كنت أخبرهم أنه لا يوجد ما نخسره مقارنة بما خسرناه فعليًا.. كنت أخبرهم أن علينا النزول إلى الشوارع والتظاهر والتعبير عن رفضنا لما يحدث».

Embed from Getty Images

وفي صباح أحد أيام شهر يناير (كانون الثاني)، بعد شهرين من اندلاع الاحتجاجات، قامت قوات الأمن مرتدية ملابس مدنية، باختطاف السيدة خالدة من حافلة واقتادتها إلى المكتب المحلي لجهاز الأمن والمخابرات الوطني.

لاحقًا جرى اعتقال خالدة في جناح أسس حديثًا داخل سجن بالعاصمة الخرطوم إلى جانب متظاهرين آخرين، وأكدت أنها تعرضت للضرب على يد قوات الأمن مع الوافدين الجدد على السجن.

قضت خالدة 40 يومًا رهن الاعتقال، وكانت من بين آلاف من السودانيات خاطرنَ بحياتهن لقيادة احتجاجات دفعت الجيش في نهاية المطاف للإطاحة بالبشير في أبريل (نيسان) الماضي.

البحث عن مزيد من الحريات والمساواة

أعقب ذلك عدة أشهر اتسمت بالاضطرابات، إذ كان يخشى المحتجون أن يتشبث الجيش بالسلطة قبل التوصل لاتفاق تقاسم السلطة في يوليو (تموز) الماضي، وهو الاتفاق الذي أفضى إلى تشكيل حكومة مؤقتة يقودها مدنيون، أدت اليمين الدستورية الشهر الماضي.

ومع تصاعد الآمال إزاء الحقبة الجديدة، يبحث العديد من السودانيات مثل خالدة عن مزيد من الحريات والمساواة، ويسعين لإلغاء العديد من القوانين المقيدة لهنّ والتي تستند إلى الشريعة، لكن نشطاء يقولون إنها تقيِّد حقوق النساء.

وتنقل الوكالة عن خالدة قولها «بالتأكيد، لدى الشعب السوداني مصلحة في قيام هذه الثورة، لكننا نحن النساء لدينا مصلحة أكبر ودافع لقيامها».

التضييق على السودانيات في حقبة البشير

يُذّكِر التقرير أن البشير جاء إلى سدة السلطة بانقلاب عسكري مدعوم من الإسلاميين في العام 1989، متبنيًا تفسيرًا متشددًا للشريعة الإسلامية عمل على الحد من قدرة النساء على المشاركة الفعالة في الحياة العامة، بحسب تقرير لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية عام 2015.

Embed from Getty Images

وقالت جيهان هنري المديرة المشاركة لقسم أفريقيا في المنظمة، التي تتخذ من نيويورك مقرًا لها: «فرضت قوانين النظام العام الزي الإسلامي على السودانيات وقيدت قدرتهن على الحركة بحرية، إن لم يكنّ متزوجات، أو مع زملائهن الذكور».

ويوضح التقرير أن السيدات المخالفات لتلك القوانين تعرضنّ للجلد أمام العامة وغرامات مالية كبيرة، غير أن نهاية حكم البشير ستقود السيدة خالدة، التي عملت مع منظمة غير حكومية محلية فيما يتعلق بقضايا حقوق المرأة طيلة أعوام، للفرار من البلاد وتحدثت إلى الوكالة الأمريكية من منزلها في منفاها الاختياري بالعاصمة المصرية القاهرة.

الفرار من جحيم الجنجويد

وفرت خالدة مع زوجها وابنتيها بعد يومين فقط من عزل البشير في 11 من أبريل الماضي وقالت: إن «عائلتها تعرضت للتهديدات بشكل أساسي من قوات الدعم السريع، وهي مجموعة شبه عسكرية نشأت من ميليشيات الجنجويد سيئة السمعة التي استخدمها البشير في الصراع داخل إقليم دارفور بالسودان».

ينوه التقرير عن أن خالدة وثّقت انتهاكات قوات الدعم السريع، لاسيما تلك التي كانت ضد النساء، وذلك من خلال إفادات قبل وبعد الانتفاضة، ونتيجة لذلك تلقت تهديدات باستهداف ابنتيها من قبل القوات.

وبعد الإفراج عنها في مارس (آذار) الماضي، سرعان ما التحقت خالدة بالاحتجاجات أمام اعتصام القيادة العامة للجيش بالخرطوم.. لافتة إلى تزايد التهديدات في ذلك الوقت، ولم يكن أمامها أي سبيل لمغادرة البلاد.

فظائع ضد السودانيات أثناء الاحتجاجات

تعكس قصة خالدة موجة العنف ضد السودانيات خلال الاحتجاجات، فقد أفادت حركة المرأة السودانية – وهي جماعة حقوقية – في تقرير نشرته في وقت سابق من أكتوبر (تشرين أول) الجاري أن السودانيات واجهنّ قدرًا غير مسبوق من العنف وانتهاكات حقوق الإنسان التي ترتقي إلى فظائع خطيرة، مشيرةً إلى مقتل 12 سيدة وفتاة تبلغ من العمر سبعة أعوام خلال الاحتجاجات.

ووثقّت الحركة 26 حالة اغتصاب على الأقل أثناء قيام قوات الأمن بفض اعتصام القيادة العامة في أوائل يوليو الماضي كما زعمت أنه لم يتم توثيق أو الإبلاغ عن العشرات من حالات الاغتصاب الأخرى بسبب خشية النساء من الانتقام أو وصمة العار التي سيعانين منها.

قالت خالدة: إن «عددًا لا يُحصى من النساء في المناطق الحضرية والريفية شاركنّ في التظاهرات خلال الانتفاضة».. مؤكدة أنها لم تستغرب رؤية العديد من النساء في مقدمة المسيرات نظرًا لتنامي الوعي بحقوق النساء وإدراكهن أنه يتعين عليهن التمسك بمطالبهن.

تزايد الآمال في مزيد من الحقوق والمساواة 

أكدت خالدة أنها بعد قضاء خمسة أشهر في القاهرة، لا يزال ينتابها القلق والخوف وأنه من السابق لأوانه العودة للسودان.

يشير التقرير إلى أن الحكومة الانتقالية بالسودان لا تزال هشة، إلا أن تعيين العديد من النساء في مناصب الحكومة بما في ذلك أول سيدة في منصب وزيرة الخارجية وسيدتين أخريين في المجلس السيادي المؤلف من 11 عضوًا، قد زاد من الآمال أن يؤدي الدور الذي لعبته النساء في الانتفاضة إلى التغيير.

ولفتت هنري إلى أن الحكومة ملتزمة بالعديد من الإصلاحات القانونية، بما في ذلك التغييرات المطلوبة لتحقيق المساواة بين الجنسين.. مشيرة إلى أن قوانين الأسرة والميراث «تفّرِق بوضوح بين الرجل والمرأة، وتحد من قدرتها على وراثة الممتلكات بالتساوي».

إلغاء التمييز ضد السودانيات

ينقل التقرير عن الناشطة بحزب المؤتمر السوداني وفاق قرشي قولها: «ينبغي على الحكومة إعطاء الأولوية لإلغاء جميع القوانين التي تقيد حركة المرأة وحرياتها وتطبيق سياسات توفر فرصًا أكبر للمرأة».

وأوضحت وفاق، التي اعتُقِلت لفترة قصيرة خلال الانتفاضة في فبراير (شباط) الماضي، أن القليل من الإصرار سيؤدي إلى تمثيل عادل للمرأة رغم العقبات الهائلة التي تواجهها السودانيات.

واختتمت تصريحاتها بالقول: «إن الطريق طويل للمضي قدمًا، لاسيما للتخلص من طريقة التفكير التقليدية في ذلك المجتمع الذكوري السلطوي».

حصاد الاقتصاد السوداني بعد 6 أشهر من عزل البشير.. هل تؤتي الثورة ثمارها قريبًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد