ما الذي يؤثر فينا تأثيرًا فعليًّا وحاسمًا؟ وما هي الأسباب الكامنة وراء شخصياتنا وسلوكياتنا، بصياغةٍ أخرى: لِمَ نحن على ما نحن عليه؟ جدلٌ كبير وحربٌ فكريّة طويلة قادها أبرز علماء النفس؛ لتحديد إذا ما كانت التنشئة والبيئة التي يربى بها الطفل هي العامل الحاسم لتشكيل شخصيته في المستقبل، أم أن كل ما يحدث في طفولة المرء ليس بشيءٍ يُذكر أمام الوراثة وما يحمله الحمض النووي من صفات الأب والأم.

مساهمة جديدة في هذا المجال تأتي من «روبرت بلومين» بروفيسور علم الوراثة السلوكية في معهد أبحاث الطب النفسي وعلم النفس وعلم الأعصاب بجامعة «كينكز كوليدج» في لندن، والذي نشر كتابًا هذا العام تحت عنوان «مخطط أزرق: كيف يجعلنا الحمض النووي DNA من نحن عليه»، وكما يبدو جليًا من العنوان يقترح «بلومين» أنه في حرب التنشئة والطبيعة الأخيرة تفوز؛ فالتأثيرات البيئية مهمة أيضًا لكنها غير منتظمة وغير مستقرة وبالغة الحساسية. يتناول «بلومين» هذا الموضوع تناولًا مختصرًا ومبسطًا في مقاله الأخير على موقع «Scientific American»؛ ليشرح لماذا يحدد الحمض النووي خطوط شخصيتك بعد كل شيء؟

رحلتنا في فهم شخصياتنا

عندما برزت دراسة النفس بمثابة «علم» في أوائل القرن العشرين، تركزت في البداية على التنشئة والتربية، أي المسببات البيئية للسلوك. سيطرت النظرية «البيئية» على علم النفس عقودًا من الزمان، لا يقصد الكاتب هنا البيئة الإيكولوجية المادية، بل وجهة النظر القائلة بأننا ما نتعلمه.

منذ فترة فرويد فصاعدًا، ساد الافتراض بأن البيئة الأسريّة هي العامل الرئيسي في تحديد من نحن. في الستينات بدأ علماء الوراثة يتحدّون هذا الرأي، فهنالك سماتٌ أو معالم تبرز آثارها في النفس تنتقل من جيلٍ إلى جيل في العائلات كما هو الحال في الأمراض النفسية مثلًا. بدأ يتشكّل نوع من الإقرار التدريجي بأن التشابه الأسري ربما يعود إلى الطبيعة (الجينات) بدلًا من التنشئة (البيئة) وحدها، فالأطفال يتشابهون مع آبائهم بنسبة 50% جينيًّا، وفقًا للكاتب.

Embed from Getty Images

خلال العقود الأربعة الماضية، أجرى العلماء دراسات طويلة الأمد على الأقارب ذوي السمات الخاصة، مثل التوائم والأطفال المتبنّيين؛ لاختبار تأثيرات الطبيعة والتنشئة، ونتج من هذه البحوث جبلٌ من الأدلة المبيّنة إسهام علم الوراثة المهم في جميع الاختلافات النفسية بيننا. في الواقع، تستأثر أحماضنا الوراثية «DNA» بحوالي 50% من الاختلافات بيننا في الشخصيات، والصحة العقلية وأمراضها، والقدرات المعرفية والإعاقات.

 أجريت دراسات طويلة الأمد على الأقارب ذوي السمات الخاصة، مثل التوائم والأطفال المتبنيين؛ لأنهم يشكّلون أمثلة مميزة لاختبار تأثيرات الجينات وفصلها عن أثر التنشئة والرعاية.

ما معنى التأثير الجيني؟

قد تعني كلمة «جيني» أشياء متعددة، لكنها تحيل هنا إلى الاختلافات في تسلسل الحمض النووي «DNA»، هناك 3 مليارات خطوة على الدرج الحلزوني للحمض النووي الذي نرثه من آبائنا لحظة حدوث الحمل. من المذهل والمحيّر للعقل التفكير بالأثر العظيم والممتد الذي تحدثه هذه الاختلافات الموروثة المشكّلة للخلية الواحدة التي بدأنا الحياة بها.

Embed from Getty Images

تؤثر هذه الاختلافات في سلوكنا ونحن بالغون، بعد أن تتحول تلك الخلية الواحدة في البداية إلى تريليونات من الخلايا، وكلها تحمل الحمض النووي نفسه. وهي تنجو من المسارات الملتوية الطويلة بين الجينات والسلوكيات، مسارات تتعرج عبر التعبير الجيني والبروتينات والدماغ. تأتي قوة البحث الجيني من قدرته على اكتشاف تأثير تلك الاختلافات الوراثية في الصفات النفسية دون معرفة أيّ شيء عن العمليات المتداخلة اللاحقة.

 من المذهل أن تترك خلية واحدة كل ذلك الأثر اللاحق في تحديد شخصياتنا وشكل الحياة التي سنعيشها.

فهم أهمية التأثير الجيني هو مجرد بداية القصة حين يأتي الأمر لفهم كيف يجعلنا حمضنا النووي «DNA» من نحن عليه. أوصلتنا دراسة الحالات الغنيّة بالمعلومات الجينية – مثل حالات التوائم والمتبنّيين- إلى بعضٍ من أكبر النتائج في علم النفس، لأنه وللمرة الأولى أصبح بإمكاننا فصل أثر الطبيعة عن أثر البيئة وفكّهما بعضهما عن بعض.

النتائج والاكتشافات

يذكر الكاتب نتيجتين رئيسيتين من نتائج دراسات علم النفس طويلة الأمد الدالّة على الفروق المهمة بين آثار الطبيعة والتنشئة على نفس الإنسان وشخصيته وسلوكياته اللاحقة في الحياة:

1- البيئة تتفاعل مع الجينات

هذه إحدى أهم الاكتشافات في هذا المجال وفقًا للكاتب، إذ إنه حتى معظم مقاييس البيئة المستخدمة في علم النفس – مثل جودة الأبوة، والدعم الاجتماعي، وأحداث الحياة- تظهر تأثرًا جينيًّا كبيرًا. كيف يكون ذلك والبيئات لا تمتلك حمضًا نوويًّا بنفسها؟ يتسلل الأثر الجيني إلى المشهد هنا لأن البيئة ليست عشوائية و«منفصلة هناك في الخارج»، ولا هي مستقلة عنا أو عن سلوكنا. نحن نختار، ونعدل، وحتى نصنع بيئاتنا بما يتماشى مع الميول الوراثية لدينا.

 ليست البيئة مستقلّة ومنفصلة عنا، فالجينات تؤثر في البيئة وفي مقاييسها وعواملها وتغيّر من مفعولها.

لا يعني وجود الارتباطات بين ما ندعوه «البيئة» والسمات النفسية أن البيئات تتسبب بالسمات بالضرورة. على سبيل المثال، ترتبط الأبوة السيئة بسلوك الأطفال المعادي للمجتمع، ولكن هذا لا يعني أن الآباء هم من يتسببون في سلوك أطفالهم المعادين للمجتمع. يوضح الكاتب أن الأمر مختلف في الحقيقة؛ إذ يعود سبب هذا الارتباط إلى حد كبير لاستجابة الآباء السلبية لميول أطفالهم الجينية الأساس.

Embed from Getty Images

2- لا تعمل البيئة بالطريقة التي نتوقعها

ثاني اكتشاف حاسم يذكره الكاتب يتمثل في أن البيئة تعمل في الحقيقة بشكلٍ مختلفٍ تمامًا عن الطريقة التي كان أنصار النظرية البيئية يظنونها. بالنسبة لمعظم القرن العشرين، كانت تعتبر العوامل البيئية باعتبارها التنشئة والرعاية للاعتقاد السائد آنذاك بأن العائلة حاسمة بيئيًا في تحديد من سنصبح في المستقبل. لكن الأبحاث الجينية أظهرت خطأ ذلك المعتقد، إذ إننا سنصبح الشخص نفسه جوهريًّا في ما لو دخلنا في نظام التبنّي عند الولادة، وأنشأتنا وربّتنا أسرة مختلفة عن أسرتنا البيولوجية. يعود الكاتب للتذكير: التأثيرات البيئية مهمة وتمثل حوالي نصف الاختلافات بيننا أيضًا، لكنها غير منتظمة إلى حدّ كبير، وهي فرديّة وغير مستقرة، باختصار: عشوائية.

 لو تبّنتك عائلة مختلفة منذ لحظة الولادة، هل سيترك ذلك أيّ اختلاف جوهري على شخصيتك؟

ماذا يعني أن يحددنا الحمض النووي شخصيتنا؟

إن اختلافات الحمض النووي «DNA» التي نرثها من أبوينا في لحظة حدوث الحمل، تبقى مصدرًا ثابتًا ومتواصلاً مدى الحياة لفرديّتنا النفسية، وهي «ورقة المخطط الزرقاء» التي تشكّلنا. تحوي ورقة المخطط عادة خطة البناء والصنع الرئيسية، ومن الواضح أنها ليست الهيكل ثلاثي الأبعاد الذي ينتج في النهاية. يمكن للبيئة أن تؤثر في الخطة وتغيرها مؤقتًا، ولكن بعد المطبات البيئية التي تصادفنا نعود إلى مسارنا الوراثي. ليس الحمض النووي «DNA» كل شيء، لكنه هو العامل الأكثر أهمية من كل شيء آخر حين يأتي الأمر للسمات النفسية الثابتة المشكّلة لماهيّتنا وشخصياتنا.

يشبّه الكاتب الجينات بورقة المخطط الزرقاء التي تُخطّ عليها معالم شخصياتنا الرئيسية الأكثر ثباتًا.

تدعو هذه النتائج إلى إعادة التفكير بشكل جذري في كل ما يخصّ الرعاية الأبوية، وتنشئة الأطفال، والتعليم، والأحداث المشكّلة لحيواتنا، كما تقدّم منظورًا جديدًا بالنسبة لتكافؤ الفرص، والحراك الاجتماعي، وبنية المجتمع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد