نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا أعده ستيف هيندريكس، مدير مكتب الصحيفة في القدس، والصحافي الفلسطيني سفيان طه، تحدثا فيه عن «صفقة القرن»، أو «خطة السلام للشرق الأوسط»، التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع الماضي في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، وأوضحا كيف أن هذه الخطة تحقق أحلام المستوطنين الإسرائيليين وتسحق أحلام الفلسطينيين.

وفي مستهل التقرير، تحدث هيندريكس وطه عن إليانا باسنتين، وهي: «مُستوطِنة يهودية في الضفة الغربية، تشكو من إطلاق العديد من الأوصاف «الجارحة» عليها – مثل: منتهكِة القانون، والمحتلة، والعقبة أمام السلام – خلال الـ24 عامًا التي عاشتها مع عائلتها في تلك البلدة الواقعة على قمة تل فوق موقع شايلوه، العاصمة الأولى لبني إسرائيل الوارد ذكرها في الكتاب المقدس»، بحسب التقرير.

وفي الأسبوع الماضي تسارعت دقات قلبها طربًا عندما سمعت شيئًا مختلفًا من رئيس الولايات المتحدة: أنها تنتمي إلى هذه الأرض. تقول إليانا إنها «كانت لحظة عاطفية»، عندما شاهدَتْ الرئيس ترامب وهو يطرح خطة السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين – وبالرغم من أن معظم دول العالم رفضتها، إلا أن «العهد القديم» يؤيدها بحماس – إذ تستند هذه الخطة إلى اعتقاد مفاده أن لليهود حقًا قديمًا في هذه الأرض لا يتغير بمرور الزمن».

دولي

منذ 7 شهور
ما هي المؤسسات التي تريد «صفقة القرن» تصفيتها؟

وعلى الجانب الآخر أفاد الكاتب أن الأمر كان مثيرًا أيضًا لمشاعر شادي الحجر، وهو مزارع من قرية عين يبرود الفلسطينية القريبة، ولكن بشكل سلبي.

ويقول الحجر بينما كان يحتسي القهوة مع جيرانه في محل جزارة: «يغمرني شعور بالإحباط؛ فبالنسبة إليهم يُعد تعزيز شرعية الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية بمثابة تحقيق لأحلامهم في العيش خارج حدود مستوطناتهم اليهودية». وأضاف: «اعتقدنا أنهم (المستوطنين) في طريقهم إلى مغادرة بلادنا، وأننا سنتمكن من زراعة أرضنا مرةً أخرى».

وربما كان التأثير العاطفي لإعلان ترامب أشدّ ما يكون لدى هؤلاء الخصوم الذين يعيشون جنبًا إلى جنب، ففي حين دبّ اليأس في أوساط الفلسطينيين، كان هناك شعور معاكس لدى المستوطنين الذين رأوا أن ترامب أكد على حقهم في العيش على هذه الأرض.

ومن الفناء الخلفي لمنزلها الذي يطل على مناظر طبيعية لقمم جبلية ووديان تنتشر فيها ثماني مستوطنات يهودية، وثماني قرى فلسطينية، قالت إليانا: «كنت أنتظر طوال هذه السنوات أن أسمع شخصًا يقول شيئًا ما عما نعلمه ونؤمن به ونحياه كل يوم… وسماعي هذا الإعلان من البيت الأبيض، سيجعلني أتذكر دائمًا تلك الكلمات التي بدت وكأنها بداية جديدة».

Embed from Getty Images

ورحَّب معظم الإسرائيليين بخطة ترامب للسلام، ولكن رفضتها القيادة الفلسطينية وكثير من المفاوضين المخضرمين في الشرق الأوسط رفضًا قاطعًا من جانب واحد.

وتشير الخطة إلى إمكانية قيام دولة فلسطينية، ولكنها ستكون دولة ذات سيادة فلسطينية محدودة على حوالي 70٪ من أرض الضفة الغربية، دون الحق في تكوين جيش أو بناء مطار، والقدس ليست عاصمتها، ولكن ستكون عاصمتها ضاحية قريبة (قرية أبو ديس شرق الحدود البلدية الإسرائيلية لمدينة القدس). أما الثلث الآخر من الضفة الغربية، الذي يضم أكثر من 135 مستوطنة يهودية، ترى معظم الدول أنها غير قانونية (وفقًا للقانون الدولي)، ستستولي عليه إسرائيل.

ولفت الكاتب إلى أن الإعلان عن خطة البيت الأبيض أوضح أن هناك جهودًا تبذلها الحكومة الإسرائيلية لضم المستوطنات في الوقت الحالي، لكن مساعي نتنياهو لإجراء تصويت فوري لتفعيل السيادة الإسرائيلية على المستوطنات وغور الأردن قوبلت بالرفض من إدارة ترامب.

وهذا الضم الإسرائيلي من شأنه تغيير الوضع الراهن في الضفة الغربية تغييرًا كبيرًا، إن لم يكن سيغير ملامح الحياة اليومية نفسها، بغض النظر عما إذا كانت خطة ترامب للسلام ستكتسب زخمًا أم لا. ويرى طرفا النزاع أن هذا الاحتمال من منظورين مختلفين تمامًا.

شظايا فخار قديم

وأشار الكاتب إلى أن إليانا، وهي يهودية أرثوذكسية حاصلة على درجة الماجستير في علم الآثار، ولدت في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، وهاجرت إلى إسرائيل مع والديها، وانتقلت إلى مستوطنة عيلي بعد أن تزوجت، وكان الحي الذي تعيش فيه عبارة عن عربات متنقلة أو مقطورات مكشوفة تذروها الرياح.

وقالت: إن خطة العيش في هذه البلدة كانت مزدوجة الهدف: «الشعور المندفع بمساعدة إسرائيل في تثبيت جذورها في الأراضي المقدسة التي سيطرت عليها منذ حرب عام 1967 ولقربها من شايلوه، المركز الروحي اليهودي للعصر البرونزي».

وقالت إليانا، وهي تحمل بعض شظايا الفخار القديم المكسور التي عثرت عليها في حديقتها: إنها «بقايا طقوس التضحيات اليهودية»، وتضيف: «من المؤلم أن تُوصَف بأنها أرض محتلة لا صلة لنا بها. لقد كنا هنا منذ 3500 عام».

وتُحاط بلدتها، وهي عبارة عن مجموعة أنيقة من حوالي ألف منزل، بأسلاك شائكة وتخضع للمراقبة بكاميرات استشعار حراري، والتي رُكِّبت قبل ثلاث سنوات بعد أن حاول شابان فلسطينيان اقتحام أحد المنازل وهجما على ربِّ الأسرة بالسكاكين والهراوات.

وألمح الكاتب إلى أن إليانا تشعر بالأسف لوجود حاجز من الأسلاك الشائكة. وتقول إنها تريد التواصل أكثر مع الفلسطينيين الذين يعيشون حولها، والذين تعتقد أن معظمهم يرغبون في العيش بسلام وتتحدث مع كثيرين منهم عندما تقابلهم في محلات البقالة.

وترى إليانا أنه يجب أن يتمتع الفلسطينيون بالقدرة على العيش في حدود القانون داخل قراهم كما تتمتع هي بذلك في بلدتها. وقالت: «لا أريد أن يضطر أي شخص لحزم أمتعته ومغادرة بلاده».

مثل كثيرين غيرها في المستوطنات، أعربت إليانا عن امتنانها لترامب لتأييده بناء المستوطنات وتتطلع إلى ضمها لإسرائيل.

وانضمت إليانا على تطبيق «واتساب» إلى مجموعة من الإسرائيليين والفلسطينيين، الذين يرغبون في الالتقاء والتحدث عن الحياة ومستقبل هذه المنطقة. وكانت تأمل في المشاركة في لقاء في ليلة ما لمناقشة «صفقة القرن» التي طرحها ترامب مع «بعض جيراننا الفلسطينيين»، على حد قولها.

لكن الخوف من العنف هو سمة الحياة التي اختارتها. (توجد في غرفة معيشتها صورة معلَّقة لصديقين مقربين، وزوجين، أُطلق النار عليهما في سيارتهما في عام 2002، أثناء الانتفاضة الفلسطينية الثانية). وعندما سأل زوجها عما إذا كان اللقاء آمنًا، قالت: «اضطررت أن أقول له: في الحقيقة لا أعرف فأنا أثق في الأشخاص الذين سيشاركون في اللقاء، لكن ماذا عن أقاربهم الذين قد لا يروقهم ذلك؟».

مثل كثيرين غيرها في المستوطنات أعربت إليانا عن امتنانها لترامب لتأييده بناء المستوطنات وتتطلع إلى ضمها لإسرائيل، لكن إلى أن تشعر أن القيادة الفلسطينية قد فعلت الكثير لمنع حدوث عنف متطرف، فإنها غير مستعدة لتعيش ومِن حولها دولة فلسطينية.

وتساءلت: «كيف يمكن أن تعيش جنبًا إلى جنب مع شخص يستخدم مدارسه لتعليم الأطفال كراهية اليهود ضمن مسألة رياضيات؟»، في إشارة إلى معاداة السامية التي أُبلِغ عن وجودها في الكتب المدرسية الفلسطينية. وأضافت: «لا أعتقد أن هذا أمر ممكن».

ينهبون أرض الأجداد

ويستطرد الكاتب قائلًا: «على الجانب الآخر في قرية عين يبرود، الواقعة على بعد حوالي 20 ميلًا على الطريق السريع المتعرج بين مدينتي القدس ونابلس، كان هناك إجماع في محل الجزارة على أن فكرة الدولة الفلسطينية على النحو المحدد في خطة ترامب فكرة سيئة».

قال إبراهيم حامد، وهو جزار، بينما كان واقفًا بين بقرتين مذبوحتين معلقتين ويقطع اللحم لبيعه لأحد الزبائن: «لقد أضفت صفقة القرن الصبغة القانونية على ما هو قائم بالفعل على الأرض».

وقالوا: إن المستوطنات تفرض ضغوطًا متزايدة على الحياة اليومية، ووصفوا هذه الضغوط بأنها سلسلة من «الإهانات». ومن المفترض أن تستغرق رحلة حامد 10 دقائق للوصول إلى بلدته المجاورة، ولكنها في الواقع تستغرق ساعات – وتصل أحيانًا إلى أربع أو خمس ساعات – عندما يقيم الجيش الإسرائيلي نقاط تفتيش، أو عندما يغلق الطريق.

وترفض إسرائيل بانتظام إعطاء تصريحات للفلسطينيين لبناء منازل أو متاجر جديدة، ثم تأمر بهدم المباني في حال بنائها على أية حال.

Embed from Getty Images

ونوَّه الكاتب إلى إنهم «دانوا العنف ضد المستوطنين، لكنهم أشاروا إلى أن بعض المستوطنين يهاجمون الفلسطينيين الذين يجمعون محصول الزيتون، ويحرقون أشجار البساتين ويدمرون السيارات».

وفي الأسبوعين الماضيين، أبلغت الأمم المتحدة عن وقوع ثماني هجمات على الأقل في الضفة الغربية وأشارت إلى تورط مستوطنين فيها، فضلًا عن أربع حوادث على الأقل لإلقاء قنابل مولوتوف من قِبل فلسطينيين على مركبات إسرائيلية.

وقال موسى الحجر، والد شادي: «أعيش هنا منذ 70 عامًا. مات أبي هنا، ومات جدي هنا، ومات والد جدي هنا. ويوجد مسجد في بلدتنا زاره الخليفة عمر بن الخطاب، أحد كبار صحابة النبي محمد، قبل 1400 عام».

وروى موسى أنه عندما بدأت المستوطنة اليهودية القريبة المسماة عوفرا قبل 35 عامًا كانت عبارة عن عربات متنقلة أو مقطورات قليلة، وفجأة ظهرت فوق أرض كانت ذات يوم معسكرًا عسكريًّا أردنيًّا. وسرعان ما حلت المنازل محل المقطورات، وبدأ أحد السكان في الزراعة على أرض قال موسى: إن أحد أجداده كان يزرعها.

وصف فلسطينيون الاقتراح الأمريكي بأنه تفريغ للقضية من مضمونها، وأظهر أن واشنطن وسيط سلام متحيز.

وقال شادي إنهم رفعوا قضية ضد المزارع المتطفل أمام محكمة إسرائيلية، وربحوا القضية في النهاية. لكنه استدرك أن المسؤولين ما زالوا يَقْصِرون وصول أسرته إلى مستوطنة عفرا على بضعة أسابيع في السنة. وقال: «يقولون لنا إنها منطقة أمنية عسكرية».

ويخشى أن الضم الإسرائيلي ربما يلتهم المزيد من أراضي قريته، لا سيما المناطق العازلة على طول الطرق الموعودة والطرق الجانبية التي توصِّل إلى المستوطنات. ووصف الأشخاص المجتمعون عند محل الجزارة الاقتراح الأمريكي بأنه تفريغ للقضية من مضمونها، وأظهر أن واشنطن وسيط سلام متحيز وأن آمالهم في العيش خارج ظل المدن الإسرائيلية المتنامية قد تقلصت.

واختتم الكاتب مقاله مستشهدًا بما قاله حامد الذي قدم استقالته مؤخرًا لعجزه عن العمل: «لذلك سنبقى تحت الاحتلال، ولنرَ ماذا سيحدث في المستقبل. هذه المستوطنات بنيت لتبقى».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 9 شهور
«نيويورك تايمز»: فلسطينيون وإسرائيليون.. لا أحد يشعر بالأمان في الضفة الغربية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد