خلصت دراسة أعدها مركز بيو للأبحاث إلى أن معظم الناس يعتقدون أن التنوع يحسن الحياة في بلدانهم. تعليقًا على نتائج الدراسة، نشر موقع «بيج ثينك» تحليلًا أعده كيفين ديكنسون، المهتم بالشؤون الدينية، استهله بالإشارة إلى أن الدراسة شملت أكثر من 28 ألف شخص على مستوى 11 بلدًا ناشئًا.

وأظهرت بيانات الدراسة أن معظم الناس يعتقدون أن المجموعات العرقية والوطنية والدينية المختلفة حسَّنت حياة الناس في بلدهم. وكان الشباب أكثر أريحية للنظر إلى التنوع نظرة إيجابية، فضلًا عن أولئك الذين حصلوا على مستويات أعلى من التعليم.

ويضيف ديكنسون: نظرة إلى العناوين الإخبارية، يمكن أن تدفع المرء إلى الاعتقاد بأن عالمنا خسر أمام القبلية والكراهية. فخلال السنوات القليلة الماضية، شهدنا مسيرة للمتعصبين البيض تجوب الشوارع الأمريكية علانية، وقوى متطرفة تستهدف مواقع ثقافية تعد بمثابة تذكير بتراث البشرية المشترك، ودور عبادة تتعرض لأعمال إرهابية، وأقليات تتحمل مسؤولية الخرافات المنتشرة حول مصادر فيروس كورونا المستجد ويُعتَدى عليها بسببها، وقيادات تقترح عددًا لا يُحصى من المحاولات لرفض اللاجئين والمهاجرين.

هذا جزء من واقعنا اليوم، ولكن من الجدير بالذكر أن العناوين الإخبارية ليست تحليلًا لاتجاه ما، بل هي مجموعة من التقارير والحالات التي تخبرنا عن جانب واحد فقط من قصتنا، وغالبًا ما يكون هذا الجانب هو الأشد ترويعًا والأكثر تطرفًا.

وبعيدًا عن دفع النزعة العالمية وأخلاق التنوع إلى الهوامش، ربما تتمتع هذه القيم بازدهار وفقًا للبيانات التي استقاها مركز «بيو» للأبحاث من 11 بلدًا ناشئًا.

هل يحسن التنوع الحياة؟

يضيف دينكسون: أجرى المركز دراسة استقصائية شملت 28 ألف شخصًا على مستوى كولومبيا، والهند، والأردن، وكينيا، ولبنان، والمكسيك، وتونس، وفنزويلا، وفيتنام، وجنوب أفريقيا، والفلبين، بشأن آرائهم حول التنوع داخل حدودهم. واختيرَت هذه البلدان بناءً على حالة متوسط الدخل، وتفاوت درجات ملكية التكنولوجيا، وارتفاع مستويات الهجرة (سواء داخلية أو خارجية).

وطرحت الدراسة الاستقصائية أسئلة على المستجيبين تتعلق بكيفية تقييمهم لتزايد أعداد من الأعراق والأديان والقوميات الأخرى، ومعرفة أثر ذلك على نوعية الحياة في بلدانهم. ووُجِهَت أسئلة إضافية تناسب ديموجرافية كل بلد وظروفها الفريدة.

Embed from Getty Images

على سبيل المثال، وُجِّه إلى المستجيبين في الفلبين سؤالًا عن كيفية نظرهم إيجابيًا إلى المسلمين والمسيحيين، بينما سُئِلَ التونسيون عن السنة والشيعة. وسُئِلَ آخرون، في المكسيك ولبنان، عن طالبي اللجوء الذين يفرون من بلدانهم.

وخلص مركز بيو إلى أنه «عبر البلدان الـ11 التي شملتها الدراسة، أوضح كثيرون أن بلدانهم أفضل حالًا بفضل العدد المتزايد من الأشخاص ذوي الأعراق والمجموعات الإثنية والقوميات المختلفة الذين يعيشون هناك». بينما أشارت أقلية إلى أن هذه الزيادة لم تحدث فارقًا، ولفتت حتى أقلية أصغر حجمًا إلى أن بلدها ازداد وضعه سوءًا.

اختبار القبلية

ويتابع الكاتب: عند النظر إلى النتائج الفردية المستقاة من كل بلد على حدة، تصبح الصورة أكثر وضوحًا، إذ وافق غالبية المستجيبين من الهند، وكولومبيا، والفلبين، وكينيا، وفنزويلا، على عبارة أن (زيادة التنوع جعلت بلدانهم مكانًا أفضل للعيش). وعلى النقيض وافقت أقلية على العبارة ذاتها في تونس، والمكسيك، والأردن، ولبنان.

وربما تنبثق أسباب هذا التباين ليس فقط من الانقسامات التاريخية العميقة ولكن أيضًا من الأحداث الراهنة.

ولا غرو، فإن لبنان، التي تعتنق أكثر الآراء السلبية عن التنوع من بين الأحد عشر بلدًا، استقبلت ما يُقدَّر بـ1.5 مليون لاجئ سوري، وهو تدفق ضخم بالنسبة لبلد يبلغ عدد سكانه 7 مليون نسمة.

والأردن أيضًا شهدت موجة هائلة من طالبي اللجوء من (البلدان التي مزقتها) الحرب الأهلية. وأيضًا رأى المستجيبون للدراسة فيها أن الأعداد المتزايدة من الأشخاص المختلفين زادت الحياة سوءًا في بلدهم.

وتابع الكاتب: شهدت المكسيك أيضًا زيادة في عدد طالبي اللجوء من بلدان أمريكا الوسطى، مع أن وجهة النظر الشاملة في هذا البلد لم تكن مواتية كما في الأردن، أو لبنان.

ومع ذلك فالمكسيك هي البلد الوحيد في المجموعة التي لديها أغلبية ترى أن زيادة التنوع العرقي والديني لم يحدث فارقًا في نوعية الحياة. وتبنى نحو نصف أولئك الذين شملتهم الدراسة وجهات نظر سلبية تجاه اللاجئين.

مترجم: هل التنوع العرقي مفيد للدولة؟ 11 نموذج يخبرك

المصدر: مركز بيو للأبحاث

انقسمت وجهات النظر في 11 بلدًا ناشئًا بشأن ما إذا كان الناس يرحبون بزيادة التنوع

ولكن بينما أدت الاضطرابات الحالية في بعض المناطق إلى توتير العلاقات، فإن القصة برمتها لا تقتصر على أن اللاجئين والمهاجرين يتبنون آراء سلبية تجاه الآخرين، إذ تختلف وجهات النظر اختلافًا كبيرًا.

على سبيل، تُبقي كينيا على مخيمات لاجئين كبيرة تؤوي طالبي لجوء من الصومال وجنوب السودان، مع أن نصف المستجيبين للدراسة في البلاد قالوا إن هذا الوضع الذي يتميز بالتعددية الثقافية حسَّن الحياة في بلدهم. فيما اعتنق غالبية المستجيبين آراءً متقبلة للاجئين.

وعلى المنوال ذاته، بحسب التحليل، قيَّم نحو نصف المستجيبين من فنزويلا، وفيتنام، والأردن، مجموعات المهاجرين واللاجئين تقييمًا إيجابيًا. نعم، الأردن كذلك كان ضمن هذه القائمة.

وعلى الرغم من أن غالبية الأردنيين يعتقدون أن زيادة التنوع يجعل الوضع في بلادهم أسوأ، إلا أنهم مع ذلك يعتنقون وجهات نظر متقبلة للاجئين.

ويخمن الباحثون أن هذا التباين ربما ينبثق من حقيقة أن الأردن تستضيف مجموعتين كبيرتين من اللاجئين: اللاجئين السوريين الجدد، واللاجئين الفلسطينيين الموجودين في البلاد منذ صراعات منتصف القرن العشرين.

وخلص الباحثون إلى أن الأردنيين الذين يُعرِّفون أنفسهم بالفلسطينيين نظروا للاجئين بصورة إيجابية.

التعود على بعضنا البعض

يطرح التحليل سؤالًا: وبناء عليه، ما الذي يؤدي إلى تحسن وجات النظر المتعلقة بالتعددية الثقافية؟

ويجيب: وفقًا لبيانات مركز بيو، فإن أولئك الذين يعتنقون وجهات النظر الأكثر إيجابية حول التنوع العرقي والإثني والديني كانوا أولئك الذين تفاعلوا بشدة مع هذه المجموعات. فالمزيد من الاتصال يعني مزيدًا من وجهات النظر الإيجابية.

وفي كافة البلدان، كان البالغون الأصغر سنًا أكثر أرجحية للتفاعل مع أشخاص ذوي خلفيات مختلفة، وباستثناء الأردن، اعتنقوا أيضًا وجهات نظر أكثر إيجابية عن الآخرين. وينطبق الشيء ذاته على أولئك الذين حصلوا على مستويات أعلى من التعليم.

تتوافق هذه البيانات مع ما توصلت إليه دراسة استقصائية أخرى أجراها مركز بيو، وطرح فيها الباحثون أسئلة على الأمريكيين حول وجهات نظرهم بشأن زيادة التنوع العرقي والإثني.

وقال نحو 58% من الأمريكيين إن زيادة التنوع ستجعل الولايات المتحدة مكانًا أفضل للعيش. وأوضح فقط 9% منهم أنها ستزيد الوضع في البلاد سوءًا، بينما أكد 31% منهم أنها لم تحدث فارقًا. وانقسمت الآراء على أسس حزبية، مع مزيد من الديمقراطيين الذين ينظرون لهذه العبارة بإيجابية أكثر من الجمهوريين.

Embed from Getty Images

يقول دينكسون: ولكن على غرار الأحد عشر بلدًا ناميًا، تباين الأمريكيون بحسب السن والتعليم، أيضًا؛ إذ اعتقد 15% من المستجيبين ممن يبلغون 65 عامًا، ومن هم أكبر، أن التعددية الثقافية المتنامية جعلت الأوضاع في الولايات المتحدة أكثر سوءًا، وهي أعلى من أية فئة عمرية.

ونظر 70% من خريجي الجامعات إلى التنوع نظرة إيجابية، مقارنة بـ45% من أولئك الذين حصلوا على دبلوم المدرسة الثانوية أو الحاصلين على تعليم أقل.

ويمكن الاطلاع على نتائج الدراسة الكاملة من هنا، بينما توجد الدراسة الاستقصائية عن موقف الأمريكيين من التنوع هنا.

نحو قبول التنوع

تشير هذه البيانات إلى أن العالم لا يخضع لعهد جديد من القبلية والكراهية. بل إنه بعيد عنهما. وفي الحقيقة، تنتشر معتقدات النزعة العالمية وأخلاق التنوع عبر العديد من البلدان الناشئة في العالم، ومن المرجح أن تزيد كلما أصبحت الأجيال اللاحقة أكثر تعليمًا واندماجًا. ربما يكون ذلك التقدم غير متكافئ، لكنه حقيقي ويمكن قياسه.

يتابع الكاتب: إن تقدير التنوع، أو حتى التطلع إليه لن ينهي الأحداث المأساوية التي ولَّدت عناوين لافتة للنظر، لكنها يمكن أن تجعلنا أكثر قدرة على إدارة مستقبلنا المشترك.

واختتم الكاتب تحليله مستشهدًا بما كتبه (الفيلسوف) كوامي أنتوني أبيا في كتابه «النزعة العالمية: أخلاق في عالم الغرباء»: «ينبغي أن نتعرف على الأشخاص الموجودين في أماكن أخرى، وأن نهتم بحضاراتهم ومناقشاتهم وأخطائهم وإنجازاتهم، ليس لأن هذا سيصل بنا إلى اتفاق، ولكن لأنه سيساعدنا على التعرف على بعضنا البعض».

دولي

منذ شهر
مترجم: بعكس أمريكا.. كيف زادت معدلات الهجرة في اليابان دون معارضة شعبية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد