سلّط سي. راجا موهان، كاتب عمود في مجلة «فورين بوليسي»، ومدير معهد دراسات جنوب آسيا بجامعة سنغافورة الوطنية، الضوء على الدور القديم الذي كانت تضطلع به الهند في الشرق الأوسط، والآن عادت لتمارسه من جديد بعد إحجام طويل الأمد، مشيرًا إلى ظهور رباعية شرق أوسط جديدة تضم: الولايات المتحدة، والهند، وإسرائيل، والإمارات العربية المتحدة.

في مطلع مقاله الذي نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، يقول الكاتب إنه في وقت سابق من هذا الشهر، عندما شكَّلت الولايات المتحدة والهند وإسرائيل والإمارات مجموعة عمل مشتركة جديدة لتنسيق الإستراتيجيات فيما بينها (عقد وزراء خارجية الدول الأربع لقاءً افتراضيَّا بشأن توسيع التعاون الاقتصادي والسياسي في الشرق الأوسط وآسيا)، كانت هذه الرباعية الجديدة بكل تأكيد سببًا في عقد مقارنة بينها وبين الحوار الأمني ​​الرباعي- رباعية منطقتي المحيطين الهندي والهادئ، التي تضم: الولايات المتحدة والهند وأستراليا واليابان.

الهند وتحوُّل كبير

ورجَّح الكاتب أن يستغرق الأمر بعض الوقت حتى تصل هذه الرباعية الشرق أوسطية الجديدة – التي هي حتى الآن مجرد مجموعة عمل بين وزراء الخارجية – إلى مستوى نظيرتها الشرقية التي عقدت بالفعل قمتين خلال هذا العام. بيد أن رباعية منطقتي المحيطين الهندي والهادئ قد بدأت في صورة ممارسة متواضعة بين كبار المسؤولين في عام 2007.

دولي

منذ شهر
«فورين بوليسي»: كيف تحوِّل سياسات مودي حياة الروهينجا إلى جحيم؟

وتلخيصًا لهدف الرباعية الجديدة، أشار وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى المصالح المشتركة للدول الأربعة في «الطاقة والمناخ والتجارة والأمن الإقليمي». وأوضح بلينكين أن الشكل الجديد لهذه الرباعية سيعزز «القدرات التي يكمل بعضها بعضًا في عديد من المجالات» لإنجاز أهداف جديدة في الشرق الأوسط.

والسبب في أن هذه الرباعية رائعة يتمثَّل بالطبع في أنها تضم الهند. وفي تصريحاته خلال الاجتماع الأول، قال وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار إن علاقات بلاده مع هذه الدول الثلاث «من أوثق العلاقات، إن لم تكن أوثقها على الإطلاق». ورؤية الهند للولايات المتحدة، وإسرائيل، والإمارات، على أنهم أقرب شركائها الإستراتيجيين، واستعدادها للعمل معهم في المنطقة؛ يُعد انعكاسًا لمدى التحوُّل الجذري الذي طرأ على سياسة الهند الخارجية تجاه الشرق الأوسط. فلطالما كان الابتعاد عن الولايات المتحدة، وإسرائيل، ودول الخليج، فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية بمثابة الوضع الافتراضي الدائم للهند في الشرق الأوسط.

على رأس القائمة

يشير الكاتب إلى أن أهمية الموقع الجغرافي للهند تعود إلى الواجهة مرةً أخرى؛ إذ تتميز شبه القارة الهندية بأهمية طبيعية في شرق آسيا والشرق الأوسط على حد سواء. ومن المثير للاهتمام أيضًا أن نجد أن واشنطن وتل أبيب وأبوظبي تتطلع إلى بناء شراكة مع نيودلهي، التي لطالما كانت لا تتدخل في تطورات الشرق الأوسط. والآن أصبحت الهند شريكًا مُرحَّبًا به من الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين.

Embed from Getty Images

وعلى غرار رباعية المحيطين الهندي والهادئ، تسلِّط رباعية الشرق الأوسط الجديدة الضوء على التقارب المتزايد بين المصالح الهندية والأمريكية في آسيا. والآن باتت نيودلهي، التي عارضت في الماضي سياسات الولايات المتحدة في شرق آسيا والشرق الأوسط، على استعداد للعمل مع واشنطن لتحقيق الاستقرار في المنطقتين. وفي حين تُعيد الولايات المتحدة صياغة تحالفاتها وترتيب أولوياتها العالمية، فإنها لا تبحث عن منتفعين بالمجان لينضموا تحت لوائها، ولكنها تريد شركاء راغبين وقادرين، وتبرز الهند على رأس القائمة.

وكان التحول السريع في علاقات الهند مع إسرائيل والإمارات – وهما حليفان رئيسان للولايات المتحدة في المنطقة – تحت قيادة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بمثابة الأرضية المشتركة الجديدة بين الدول الأربع. وبعد أن سهَّلت اتفاقات أبراهام في عام 2020، جذبت واشنطن الهند إلى ما يسميه البعض الاتفاقات الهندية – الإبراهيمية.

وفيما يتعلق بالولايات المتحدة، يُعد ضم «الهند» إلى شبكة الحلفاء والشركاء الآسيويين نهجًا جديدًا وغير متوقع لتعزيز مكانة الولايات المتحدة في المنطقة؛ فبعدما كانت نيودلهي، بتقاليدها القوية في معاداة أمريكا وسياسات عدم الانحياز، تتراجع عن أي اقتراح للتعاون في الماضي، فإنها الآن تبدو شريكًا مفعمًا بالحماسة للتعاون.

الهند تدعم مصالحها هذه المرة

وألمح الكاتب إلى أن الهند قوة رئيسة تقع في نقطة ارتكاز آسيا وفي القلب من المحيط الهندي، ولهذا فهي في وضع جيد لتشكيل النتائج الجيوسياسية في كلتا المنطقتين. كما يسمح التحالف بين الولايات المتحدة والهند لكلا البلدين بتوسيع قوتهما العالمية. وعلاوةً على ذلك، ستكون عودة الهند إلى شرق آسيا والشرق الأوسط سببًا في استعادة دورها التاريخي في كلتا المنطقتين. لقد لعبت الهند الاستعمارية دورًا رئيسًا في الهيمنة البريطانية على المحيط الهندي والمناطق المجاورة له حتى منتصف القرن العشرين. كما قدَّمت الهند الموارد العسكرية – المتمثلة في القوة البشرية والإمدادات والأموال – لبريطانيا من أجل تحقيق الاستقرار في أجزاء كبيرة من آسيا، بدءًا من إخماد ثورة الملاكمين في الصين (لرفض الوجود الأجنبي) ومرورًا بهزيمة اليابان وانتهاءً بمحاربة الإمبراطورية العثمانية في الشرق الأوسط.

وتذكيرًا بهذا الدور، بدأ جايشانكار زيارته لإسرائيل بوضع إكليل من الزهور على قبور الجنود الهنود الذين ضحوا بحياتهم خلال الحرب العالمية الأولى. وكان دور الجيش الهندي البريطاني في الشرق الأوسط – بما في ذلك خلال الحربين العالميتين – دورًا كبيرًا. ولكن حتى تولَّى مودي مهام منصبه، كان التردد سمة الحكومات الهندية المتعاقبة بشأن الاعتراف بالدور الدولي للجيش الهندي البريطاني. واليوم تغير كل ذلك؛ إذ تحتفل نيودلهي بذكرى إسهام الهند في السلام والأمن الدوليين خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.

Embed from Getty Images

ويرفض عديد من المراقبين في الهند وخارجها الروابط التجارية والعسكرية العميقة بين الهند والشرق الأوسط من القرن السابع عشر حتى القرن العشرين باعتبارها ملوثة بسياق استعماري. ومع ذلك يؤكد بعض مؤرخي الحقبة الاستعمارية على مركزية دور الهند في الإمبراطورية البريطانية، مؤكدين أن الروابط الأفقية عبر الإمبراطورية العثمانية كانت مهمة كالروابط الرأسية بين لندن وشبه القارة الهندية.

واليوم نشهد إعادة تكوين تلك الروابط بين الهند والقوة الغربية المهيمنة اليوم – الولايات المتحدة – من قناة السويس إلى بحر الصين الجنوبي. ولكن على عكس الحقبة الاستعمارية، لا تدعم الهند إمبراطورية دولة أخرى في هذه المرة، ولكنها تدعم مصالحها الخاصة في المنطقة.

إن رباعية الشرق الأوسط الجديدة تسلِّط الضوء على نجاح نيودلهي في التخلص من الهواجس التي لطالما ساورتها وقللت من تفاعلها مع المنطقة. لقد كانت السياسة الخارجية للهند في الشرق الأوسط بعد الاستقلال مدفوعة بضرورة النأي بنفسها عن تراث الهند البريطانية. وبهذا تخلَّت الهند عمدًا عن دورها الأمني ​​في المنطقة وعن دورها المركزي في العولمة الاقتصادية للمحيط الهندي؛ وهما دوران رئيسان قامت بهما في الحقبة الاستعمارية.

بين الماضي والحاضر

ونوَّه الكاتب إلى أن الهند بعد الاستقلال عارضت تحالفات ما بعد الحرب، مثل حلف بغداد أو ما عُرِف بـ«منظمة المعاهدة المركزية (سينتو)»، والتي كانت واشنطن تنوي من خلالها احتواء الاتحاد السوفيتي، والحد من نفوذه، وملء الفراغ الذي نشأ بعد انسحاب أول رئيس وزراء للهند، جواهر لال نهرو، من ساحة السياسة الأمنية في المنطقة. وفي المقابل، كانت باكستان عضوًا مؤسسًا في «حلف بغداد» إلى جانب إيران، والعراق، وتركيا، وبريطانيا. لكن باكستان لم تستطع أن تملأ الفراغ الذي تركته الهند، وعلى أية حال لم يدم الحلف طويلًا.

ولجأت بعض دول الخليج إلى الهند للتعاون الدفاعي في أعقاب استقلالها. ومن ثم وقَّعت الهند على بروتوكول ثانوي بشأن التبادلات العسكرية مع عمان في عام 1972. وكان نهرو وخلفاؤه متأثرين بشدة بالقضايا الأيديولوجية الأكبر في ذلك الوقت، بما في ذلك راديكالية العالم الثالث، ومناهضة الاستعمار، ومعاداة الصهيونية، واحتضان القضية الفلسطينية، والقومية العربية.

وأكد قادة الهند الجدد على الاكتفاء الذاتي وتحول اقتصاد البلاد إلى الداخل، وبذلك قطعت نيودلهي روابطها الاقتصادية القديمة مع الشرق الأوسط.

بداية التغيير

ولفت الكاتب إلى أن بعض التغيير بدأ يحدث بعد الحرب الباردة، بعدما أقامت الهند علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. وكانت نيودلهي تُعامل إسرائيل وكأنها عشيقة، على حد وصف بعض الدبلوماسيين الإسرائيليين؛ إذ كانت تنخرط معها في الحياة الخاصة، ولكن تتردد في الظهور معها في الأماكن العامة.

Embed from Getty Images

ولما تولى مودي منصب رئيس وزراء الهند، كانت أول خطوة اتخذها هي احتضان إسرائيل كشريك مهم والتفاخر بالعلاقة معه. وكانت الدبلوماسية الهندية في الماضي تراعي على الدوام المخاوف العربية المستمرة من فتح علاقات مع إسرائيل، ولكن مودي اكتشف أن بإمكانه مد جسور التعاون مع كليهما. وهناك تحول ملحوظ آخر، تمثل في حماس مودي المفاجئ لمد جسور التعاون مع الإمارات والمملكة العربية السعودية. وفي عهد مودي اكتشفت نيودلهي أن بإمكانها بناء شراكات تجارية وسياسية وأمنية مع دول الخليج، وأن هذه الدول عملية أكثر منها أيديولوجية.

ويرجح التحليل أن تتقدم رباعية الشرق الأوسط الجديدة بوتيرة أسرع من رباعية المحيطين الهندي والهادئ، لافتًا إلى أنها تشكِّل تتويجًا للبراجماتية الأكبر في السياسة الخارجية للهند من نواحٍ كثيرة. وسيكون التركيز الأولي لهذه الرباعية على القضايا الاقتصادية وليس الإستراتيجية. وهناك كثير من التآزر بين السوق الهندية، ورأس المال الإماراتي، والتكنولوجيا الإسرائيلية، والنفوذ الجغرافي الاقتصادي الأمريكي في المنطقة.

منطقة الشرق

منذ شهر
«يديعوت أحرونوت»: كيف قد يؤثر انقلاب السودان في مسار التطبيع مع إسرائيل؟

وقد بدأت رباعية المحيطين الهندي والهادئ بتركيز أمني وانتقلت بعد ذلك إلى جدول أعمال أوسع، إلا أن رباعية الشرق الأوسط الجديدة أعطت الأولوية للأمور غير العسكرية. ومع ذلك، لا يقلل هذا من إمكانية توسيع التعاون الدفاعي بين الهند والولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات. وعلى المدى الطويل، قد يؤدي ذلك إلى تنسيق إستراتيجي أكبر بين الشركاء الأربعة في المنطقة.

واختتم الكاتب مقاله بالقول: ويمكن النظر إلى رباعية الشرق الأوسط الجديدة على أنها جزء من الجهود المبذولة لإعادة ترتيب النظام الإقليمي وتوازن القوى في المنطقة، بما يعيد نيودلهي إلى الاضطلاع بدور أكثر قوة، بما يناسب موقعها الجغرافي وأهميتها الاقتصادية ومصالحها السياسية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد