أعد سي. راجا موهان، مدير معهد دراسات جنوب آسيا بجامعة سنغافورة الوطنية، والعضو السابق في المجلس الاستشاري للأمن القومي في الهند، تحليلًا نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية عن انخراط الهند في المؤسسات الغربية، موضحًا أن هذا التوجه ظهر خلال العقود الأخيرة في الجمهورية التي تقع في جنوب آسيا، والتي تعد من أبرز قادة دول عدم الانحياز ونصير دول العالم الثالث، التي نأت بنفسها على مدار عقود مضت عن أي تحالفات أو مؤسسات غربية. ويرى الكاتب أن سلوك الهند حاليًا توجِّهه مصالحها القومية والتغيرات الكبيرة التي حدثت في العالم، وأهمها اختلال توازن القوى الذي كان راسخًا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

دولي

منذ 4 شهور
«فورين بوليسي»: لماذا يغازل مودي مسلمي الهند الآن بعد حملة قمع عنيفة ضدهم؟

وفي بداية مقاله، يشير الكاتب إلى أن تأكيد رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، أن «الرباعية قد بلغت سن الرشد»، في أول قمة (افتراضية) على الإطلاق للحوار الرباعي مع الولايات المتحدة، واليابان، وأستراليا، والهند الأسبوع الماضي، أرسل إشارة واضحة مفادها أن الهند لم تعد عازفة عن العمل مع الغرب في الساحة العالمية، بما في ذلك المجال الأمني.

ويمثل الاستعداد الجديد للبلاد للمشاركة في المنتديات الغربية منعطفًا حاسمًا في رؤية الهند المستقلة للعالم. وقد تحددت وجهة النظر هذه لمدة طويلة من خلال فكرة عدم الانحياز وصورتِها الرمزية اللاحقة بالاستقلال الإستراتيجي – وكلاهما كانا يتمثلان في وقوف الهند بعيدًا عن التحالفات الغربية، إن لم يكن ضدها، في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن اليوم – مدفوعة بتغير ميزان القوى في آسيا، ونظرة الهند الواضحة إلى مصالحها الوطنية، والجهود الناجحة للرؤساء الأمريكيين المتعاقبين – تتخذ نيودلهي خطوات متزايدة الأهمية تجاه الغرب.

العيون الخمس

ويرى الكاتب أن الرباعية ليست المؤسسة الغربية الوحيدة التي قد ترتبط بها الهند قريبًا. ومن المقرر أن تشارك نيودلهي مع مجموعة واسعة من المنتديات الغربية في الأيام المقبلة، بما في ذلك مجموعة الدول الصناعية السبع وتحالف العيون الخمس (Five Eyes) (تحالف استخباراتي يضم كلًّا من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا). وكانت بريطانيا قد دعت الهند إلى المشاركة في اجتماع مجموعة السبع في لندن هذا الصيف، إلى جانب أستراليا وكوريا الجنوبية وهما ليسا أعضاء في المجموعة. وعلى الرغم من دعوة الهند إلى اجتماعات التواصل لمجموعة الدول السبع – وهو مستوى أو مستويين أقل من مؤتمرات القمة – لعدد من السنوات، فمن المتوقع على نطاق واسع أن يكون اجتماع لندن ساحة اختبار لإنشاء «مجموعة العشر الديمقراطية»، أو «دي-10».

Embed from Getty Images

وفي واشنطن اليوم، هناك أفكار متعددة للتحالفات التكنولوجية التي تقودها الولايات المتحدة لتقليل الاعتماد الغربي الحالي على الصين. وقد أُزِيح الستار عن مبادرتين في القمة الرباعية – مجموعة العمل حول التكنولوجيات الحيوية ومبادرة اللقاح لتزويد جنوب شرق آسيا – تؤكدان إمكانية أن يكون للهند دورٌ في سلاسل التوريد التكنولوجية الموثوقة لدى الولايات المتحدة وشركائها.

وإلى جانب اليابان، انضمت الهند أيضًا إلى اجتماع تحالف العيون الخمس في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 لمناقشة طرق منح وكالات إنفاذ القانون الوصول إلى الاتصالات المشفَّرة على منصات مثل «واتساب» و«تيليجرام». والعيون الخمس تحالف متماسك بإحكام، ومن غير المرجَّح أن تصبح الهند عضوًا فيه في المستقبل القريب. ولكن من الممكن جدًّا أن نتخيل إجراء مشاورات أوسع نطاقًا بين تحالف العيون الخمس والمخابرات الهندية.

رفض التحالفات العسكرية

وشدد الكاتب على أنه من المؤكد أن انخراط الهند مع المؤسسات الغربية ليس جديدًا بالكلية. إذ انضمت الهند إلى الكومنولث الذي تقوده بريطانيا في عام 1947، ولكن بعد أن تأكد أول رئيس وزراء للهند، جواهر لال نهرو، من أنه ليس للمنتدى أي دور أمني في عالم ما بعد الحرب. وكان رفض الانضمام إلى التحالفات العسكرية أحد الركائز الأساسية لسياسة الهند القائمة على عدم الانحياز.

وتحول نهرو إلى الولايات المتحدة عندما انهارت سياسته المتمثلة في مصادقة الصين ودعم حساسيَّاتها بحلول نهاية خمسينيات القرن الماضي. وفي مواجهة الانتكاسات في نزاع عسكري مع الصين على الحدود الطويلة والمتنازع عليها في عام 1962، سعى نهرو للحصول على مساعدة دفاعية ضخمة من الرئيس الأمريكي جون كينيدي. ومع وفاة كل من كينيدي ونهرو بعد مدة وجيزة من ذلك، تراجعت آفاق التعاون الإستراتيجي بين نيودلهي وواشنطن تراجعًا سريعًا.

وشهدت سبعينيات القرن الماضي ابتعاد الهند عن الغرب على ثلاثة مستويات. وعلى محور الشرق والغرب، اقتربت أكثر من الاتحاد السوفيتي. وعلى محور الشمال والجنوب، أصبحت نصيرة للعالم الثالث. وقد تعزز ذلك من خلال التحول الحاد إلى اليسار في السياسة الداخلية للهند وقطع التعاون التجاري المتعمَّد مع الغرب.

معاداة أمريكا جزء من الشفرة الجينية للهند

وأوضح الكاتب أن كثيرين استنتجوا في سبعينيات القرن الماضي أن معاداة أمريكا كانت جزءًا من الشفرة الجينية للهند. وعلى أي حال، صوَّتت الهند في كثير من الأحيان ضد الولايات المتحدة في الأمم المتحدة خلال الحرب الباردة أكثر مما فعل الاتحاد السوفيتي. وكانت فكرة أن الهند تعارض الولايات المتحدة على نحو لا يقبل المصالحة هي التقييم السائد في عاصمتي البلدين. وافترض معظم الباحثين في السياسة الخارجية الهندية أنه مهما يحدث – في الداخل أو في الخارج – ستكُون الهند بعيدة عن الغرب إلى الأبد.

Embed from Getty Images

لكن قصة العلاقات الدولية للهند على مدى العقود الثلاثة الماضية اتَّسمت بالتقدم البطيء، ولكنه واثق الخطى، في التعاون مع الولايات المتحدة والغرب. والقمة الرباعية ليست تتويجًا لذلك المسار الطويل فحسب، ولكنها أيضًا خطوة كبيرة إلى الأمام.

تغيرات في العالم أدَّت إلى تغير موقف الهند

كان إصلاح الاقتصاد الهندي في نهاية الحرب الباردة، إلى جانب انهيار الاتحاد السوفيتي بصفته القوة العظمى الشريكة للهند، هو الذي أوجد الأساس لتجديد العلاقات بين نيودلهي وواشنطن. ولكن حتى مع بدء العلاقات التجارية الواسعة في استقرار العلاقات الثنائية وتعميقها في تسعينيات القرن الماضي، أدَّى نشاط واشنطن بشأن كشمير وحرصها على نزع السلاح النووي من أيدي الهند إلى تصعيب الأمور على نيودلهي. وفي ظل الاضطرابات الداخلية وعصر الحكومات الائتلافية الضعيفة، شرَعَت نيودلهي في إستراتيجية تحوُّط من خلال الانضمام إلى المبادرة الروسية لما يسمى بالمثلث الإستراتيجي مع موسكو وبكين، الذي تطور في النهاية إلى منتدى بريكس بعد انضمام البرازيل وجنوب أفريقيا.

غير أن الرئيس الأمريكي، جورج دبليو بوش، أحدث ثورة في سياسة الولايات المتحدة تجاه الهند في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من خلال التخلي عن وساطة واشنطن بشأن كشمير، وفصل الارتباط بنيودلهي عن الارتباط بإسلام آباد، وحل النزاع حول عدم الانتشار. وأدرك بوش أن الهند أمر بالغ الأهمية لبناء توازن قوى مستقر في آسيا؛ حيث كانت القارة تتغير بفعل الصعود السريع للصين.

ولكن عندما أبدَت واشنطن استعدادًا لتغيير العلاقات مع نيودلهي، أُصيبت الهند بالشلل بسبب الشك الذاتي. وإذا كان رئيس الوزراء آنذاك، أتال بيهاري فاجبايي، قد أخذته الجرأة ووصف الهند والولايات المتحدة بـ«الحلفاء الطبيعيين» في عام 1998 – في وقت لم يكن فيه أحد مهتمًّا بواشنطن – فقد عاد خليفته، مانموهان سينغ، إلى الموقف الثابت السابق. وبدأت حكومته في إعادة اختراع عدم الانحياز، والابتعاد عن الولايات المتحدة، ومضاعفة مبدأ الاستقلال الذاتي الإستراتيجي. وحتى مع تضاعف التوترات الهندية الصينية بعد عام 2008 – عندما بدا أن الأزمة المالية العالمية قد أقنعت القيادة الصينية بأن الولايات المتحدة كانت في حالة تدهور نهائي، ونتيجةً لذلك تبنَّت بكين موقفًا أكثر تأكيدًا للذات تجاه جيرانها – استمرت حكومة سينغ في التحوط ضد القوة الأمريكية.

مودي وبداية جديدة

ويمضي الكاتب إلى أن مودي، الذي أصبح رئيسًا للوزراء في عام 2014، بدأ في تغيير اتجاه مقاومة نيودلهي لشراكة أعمق مع واشنطن. ولم يكن تأكيده في خطابه عام 2016 أمام الكونجرس الأمريكي بأن «تردد الهند التاريخي» في التعامل مع الولايات المتحدة قد انتهى، مجرد تأنق بلاغي.

Embed from Getty Images

ونجح مودي في حل المشكلات المتبقية التي حالت دون تنفيذ الاتفاق النووي التاريخي بين الهند وأمريكا لعام 2008، وجدَّد اتفاق 2005 للتعاون الدفاعي، ووقَّع ما يُسمَّى باتفاقيات الدفاع التأسيسي التي سهَّلت التشغيل البيني بين القوات المسلحة للبلدين. ووسَّع تدريبات مالابار الثنائية السنوية لتشمل اليابان في عام 2015، وأستراليا في عام 2020، وساعد في إحياء الرباعية الخاملة في عام 2017، وخرج بنسخته الخاصة من إستراتيجية المحيط الهندي والمحيط الهادئ الحرة والمفتوحة في عام 2018، وانضم إلى قمة الرباعية في عام 2021.

ويستطرد الكاتب قائلًا: وإلى جانب العلاقة مع الولايات المتحدة، أعاد مودي أيضًا إحياء اهتمام الهند الإستراتيجي في الكومنولث، وعزَّز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، وانضم إلى التحالف الأوروبي من أجل التعددية. لقد سعى إلى جعل الهند جزءًا من الحل للتخفيف من تغير المناخ، ودعم توجه «تعدد أصحاب المصلحة» في حوكمة الإنترنت العالمية، وأطلق التحالف الدولي للطاقة الشمسية والشراكة البحرية للهند والمحيط الهادئ مع فرنسا، وهو على استعداد لوضع الأسس لشراكة إستراتيجية قوية مع رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، عندما يلتقيان في الهند الشهر المقبل.

وكانت كل خطوة من هذه التحركات ضد الغرائز السائدة للطبقة السياسية في الهند، والمؤسسة البيروقراطية، ومجتمع السياسة الخارجية.

وهناك عاملان سهَّلا ذلك. أولًا: حمَل مودي قليلًا من الأمتعة الأيديولوجية المناهضة للغرب للقوميين الذين ينتمون إلى حزبه أو اليسار والوسط السياسيين الذين يفضلون البقاء على مسافة آمنة من واشنطن. وكان حكم مودي بأن الهند بحاجة إلى علاقة أكثر إنتاجية مع الولايات المتحدة والغرب متجذرًا في الحساب البسيط للمصالح الوطنية بدلًا من أي حجج أخرى ينطوي عليها.

ثانيًا: يجب أن يُنسَب كثير من الفضل إلى رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبين – بيل كلينتون خلال ولايته الثانية، وجورج دبليو بوش، وباراك أوباما، ودونالد ترامب – الذين أصروا على المضي قدمًا بينما كانت نيودلهي المترددة تقاتل الشياطين المعادية للغرب في ذهنها. وإذا كنت تبحث عن مثال لكتاب مدرسي عن «الصبر الإستراتيجي» – ربما يكون هذا هو. ويبدو أن بايدن عازم على البناء على هذا الإرث.

المشاركة الهندية في التحالفات العربية لم تعد من المحرمات

ولفت الكاتب إلى أنه في الوقت الذي ينكر فيه كل من نيودلهي وواشنطن أن الرباعية تحالف عسكري، فمن المؤكد أنها يمكن أن تقرِّب الهند أكثر من أي وقت مضى من تحالف أمني مع الغرب. وعلى الرغم من أن الهند وقَّعت بالفعل على اتفاقية شبيهة بالتحالف مع الاتحاد السوفيتي في عام 1971، فإنها تراجعت سريعًا بعد مدة وجيزة من انفصال بنجلاديش عن باكستان وانحسار الأزمة المباشرة. وإذا كانت الهند قد تجنَّبت التحالفات باستثناء هذه المرة العابرة، فإن فكرة المشاركة الهندية في تحالفات أكثر مرونة من أنواع مختلفة مع دول غربية مختلفة لم تعد من المحرمات في دلهي.

دولي

منذ 4 شهور
«فورين بوليسي»: كيف سيتعامل بايدن مع تراجع الديمقراطية في الهند؟

وبطبيعة الحال، ستكون الهند شريكًا مختلفًا تمامًا عن الحلفاء الأوروبيين والآسيويين الحاليين للولايات المتحدة. كما أن الهند على استعداد تام لمشاركة الأعباء الأمنية الأمريكية في منطقة المحيطين؛ الهندي والهادئ، بشروط تعود بالنفع على الطرفين. ونظرًا إلى حجمها وإمكاناتها طويلة الأجل، يمكن أن يكون إسهام الهند جوهريًّا للغاية في أمن آسيا. وفي الواقع، تُعد الإستراتيجية الحرة والمفتوحة في منطقة المحيطين؛ الهندي والهادئ، والمجموعة الرباعية رهانًا مدروسًا على هذا الافتراض. وكذلك هناك رغبة شديدة لدى واشنطن وطوكيو وكانبيرا لضم «المحيط الهندي» إلى «المحيط الهادئ» وجلب الهند غير المنحازة إلى مجموعة من الحلفاء بموجب معاهدة ما.

إسهامات الهند في الحربين العالميتين الأولى والثانية

واستدرك الكاتب قائلًا: ولكن طالما أننا ننظر إلى تاريخ الهند، فلا ينبغي أن يمثل أي من هذا مفاجأة كاملة. وعلى أي حال، أسهمت الهند إسهامًا كبيرًا في انتصارات الحلفاء في الحربين العالميتين الأولى والثانية – ما يقرب من مليون جندي هندي شاركوا في الأولى وأكثر من مليوني جندي شاركوا في الثانية. وكَوْن الهند غير مستقلة في ذلك الوقت لا ينتقص من الدور الحاسم للجنود والموارد الهندية في تشكيل نتائج تلك الصراعات.

وفي نهاية مقاله، يخلُص الكاتب إلى إنه كان من المقبول عقلًا تمامًا أن نتخيل أن إسهام الهند ذا الأهمية الكبيرة في انتصارات الحلفاء كان سيتُرجَم إلى شراكة مع الغرب في بناء النظام العالمي الجديد بعد الحرب العالمية الثانية. لكن قِصَر نظر الحكام الاستعماريين البريطانيين، وتصاعد مواجهتهم مع الحركة الوطنية الهندية في حقبة ما بين الحربين، وتقسيم شبه القارة الهندية، والميل الأنجلو أمريكي نحو باكستان، وابتعاد نهرو النشط عن التحالفات الغربية، وتوجه نيودلهي الاقتصادي الداخلي، قلَّل على نحو مطرد من بروز الهند في مؤسسات ما بعد الحرب. وتشير الرباعية إلى أننا قد نكون قريبين من الوصول إلى دائرة مكتملة الأركان. لقد استغرق الأمر وقتًا طويلًا، لكن الهند يمكن أن تبرز من جديد بوصفها شريكًا طبيعيًّا للغرب في الشرق – وهذه المرة بشروط تتفاوض الهند الأقوى بشأنها مع الولايات المتحدة وحلفائها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد