قال كل من جيفري جتلمان وهاري كومار في مقال لهما في صحيفة «نيويورك تايمز» إن أكثر من 4 ملايين شخص في الهند -معظمهم من المسلمينـ معرضون لخطر إعلانهم مهاجرين أجانب؛ لأن الحكومة تدفع بأجندة قومية هندوسية متشددة تحدت تقاليد التعددية في البلاد، وتهدف إلى إعادة تعريف معنى أن تكون هنديًّا.

تجري عملية البحث عن المهاجرين في ولاية آسام، وهي ولاية فقيرة جبلية بالقرب من الحدود مع ميانمار وبنجلاديش. وُلد الكثير من الأشخاص الذين يجري التشكيك في جنسيتهم الآن في الهند، وتمتعوا بكامل حقوقهم بوصفهم مواطنين، مثل التصويت في الانتخابات.

وأوضحت الصحيفة أن نيودلهي تخطط لبناء معسكرات اعتقال ضخمة جديدة. فقد قُبض على مئات الأشخاص للاشتباه في كونهم مهاجرين أجانب – بمن فيهم بعض قدامى المحاربين في الجيش الهندي. يقول ناشطون ومحامون محليون إن الذعر قد دفع العشرات إلى الانتحار.

لكن الحزب الحاكم لرئيس الوزراء ناريندرا مودي ماضٍ في خطته. فقد تعهد بمواصلة الحملة لإجبار الناس على إثبات أنهم مواطنون في أجزاء أخرى من الهند، كجزء من برنامج قومي هندوسي بعيد المدى يغذيه انتصار السيد مودي الكاسح في انتخابات شهر مايو (أيار).

وتكشف الصحيفة أن الذعر يسيطر على الأقلية المسلمة في الهند، الذين يتابعون ما يجري في آسام عن كثب.

البداية كشمير

قبل أقل من أسبوعين، ألغى السيد مودي من جانب واحد صفة الدولة عن الولاية الهندية الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة، جامو وكشمير، فألغى الحكم الذاتي وحولها إلى منطقة فيدرالية دون أي تشاور مع الزعماء المحليين، الذين اعتُقل العديد منهم.

تكشف الأحداث في آسام وكشمير أن رئيس الوزراء يستخدم الأشهر الأولى من فترة ولايته الثانية لتطبيق الأجندة الهندوسية القومية الأكثر تطرفًا على الإطلاق في الهند -تنوه الصحيفة- بغية إعادة تشكيل مفهوم الهوية الهندية ليكون مرادفًا لكونه الهندوسية. ويرى العديد من الهنود، على جانبي الطيف السياسي، أن ما يجري في آسام وكشمير هو مؤشر على الاتجاه الذي سيقود السيد مودي هذه الدولة إليه.

إن الغرض من كشف المواطنة في آسام هو العثور على مهاجرين غير شرعيين من بنجلاديش، وهي دولة ذات غالبية مسلمة إلى الجنوب. أشار أميت شاه، وزير الداخلية الهندي القوي، مرارًا وتكرارًا إلى هؤلاء المهاجرين بوصفهم مثل «النمل الأبيض».

Embed from Getty Images

تعين على جميع سكان آسام البالغ عددهم 33 مليون نسمة أن يثبتوا، بوثائق رسمية، أنهم أو أسلافهم مواطنون هنود قبل أن تتأسس بنجلاديش بعد الانفصال عن باكستان عام 1971. وهذا ليس سهلًا. إذ تتسابق العديد من العائلات للحصول على سند ملكية ممتد لعقود من الزمن أو شهادة ميلاد مزيفة تحمل اسم أسلاف عليها.

علاوة على ذلك -تضيف الصحيفة- حاولت حكومة السيد مودي إقرار مشروع قانون في البرلمان ينص على إعفاءات للهندوس والبوذيين والمسيحيين وأشخاص من ديانات أخرى، لكنه يستبعد المسلمين.

يقول منتقدو السيد مودي إنه يلعب لعبة خطرة، ويفكك النسيج الاجتماعي المتنوع والحساس الذي كان قائمًا في الهند منذ قرون.

جذور دينية للمشكلة

ينتمي مودي إلى حركة قومية هندوسية تؤكد سيادة الدين. تتمتع هذه النظرة العالمية بتاريخ طويل من الانقسام بين الأغلبية الهندوسية في البلاد والأقلية المسلمة، والتي تتحول في بعض الأحيان إلى أعمال عنف.

تملك الحزن نور بيجوم، التي كانت تعيش في قرية صغيرة بمنطقة غارقة في الفيضانات، بعد أن اكتشفت أنها ووالدتها استُبعدتا من قوائم الجنسية. لكن والدها وأخواتها السبعة نجحوا في إثبات نسبهم.

دُهشت العائلة مما جرى، إذا كانوا قد عاشوا جميعًا وولدوا في المكان نفسه، فكيف يُعتبر البعض هنودًا، بينما يعتبر آخرون أجانب غير قانونيين؟ قال والدها عبد الكلام: «لا شك أنها هندية. لقد كانت تغني الأغاني الوطنية الهندية في المدرسة. وكانت تفخر بانتمائها إلى الهند». في صباح أحد الأيام في شهر يونيو (حزيران)، شنقت نور نفسها، كانت في الرابعة عشر.

متظاهر مصاب في كشمير

والحال نفسه يسيطر على المسلمين في كشمير، كما تواصل الصحيفة. بعد أن قضت حكومة السيد مودي على الحكم الذاتي لكشمير، خرج الآلاف من الكشميريين الغاضبين إلى الشوارع، لكنهم ظلوا مقيدين بسبب الانتشار الكثيف لقوات الأمن وقطع الاتصالات.

لطالما كانت كشمير منطقة ملتهبة. إذ تسيطر كل من الهند وباكستان على أجزاء مختلفة منها، وقد دفعت التوترات الخصمين النوويين إلى الحرب أو التهديد بها. على الرغم من أن الحكومة الهندية خففت بعض القيود المفروضة على الاتصالات في الأيام القليلة الماضية، إلا أن مئات المثقفين الكشميريين ما زالوا قيد الاعتقال، وباكستان تشتعل غضبًا.

إن التوتر مع باكستان يخدم مصالح السيد مودي السياسية -تقول الصحيفة- فموقفه القوي ضد العدو الأول للهند يضيف فقط إلى صورته كوطني لا يتزعزع ويظهره أحد أهم رؤساء الوزراء والأكثر قوة الذين أنتجتهم الهند منذ عقود.

لا يعترض الكثيرون في الغالبية الهندوسية في الهند على السياسات القومية للهندوسية للسيد مودي، أو حتى يفكرون فيها كثيرًا. بل ويشيدون بما يرون أنها خطوات واسعة قام بها في محاربة الفقر وعرض صورة أكثر قوة عن الهند على المسرح العالمي.

لكن المنتقدين يقولون إن معتقداته القومية الهندوسية أساسية بالنسبة له للفوز بأصوات الأغلبية الهندوسية. يشكل الهندوس حوالي 80% في الهند، في حين تبلغ نسبة المسلمين 14% فقط. (يشكل المسيحيون والسيخ والجاين والبوذيون النسبة المتبقية).

مقاومة ضعيفة

لقد حاولت أقلية صغيرة ولكن ذات صوت مسموع من المثقفين اليساريين والقادة المسلمين والسياسيين المعارضين تحويل الرأي العام ضد سياسات السيد مودي، دون نجاح كبير.

قال هارش ماندر، موظف مدني سابق تحول إلى ناشط في حقوق الإنسان: إن ما يحدث في آسام وكشمير «هو اعتداء على مخيلة الهند ذاتها، والنضال في سبيل الحرية، والدستور، وفكرة بلد ينتمي إليه الجميع بالتساوي. بات المسلمون هم العدو. إنها حرب على الدستور الهندي».

Embed from Getty Images

كانت الهند قد ألغت الحكم الذاتي في كشمير

بينما قال أشوتوش فارشني، رئيس برنامج جنوب آسيا بجامعة براون، إن الهند «تتجه نحو أن تكون دولة ذات قومية هندوسية». ومع تشرذم المعارضة السياسية، وسيطرة السيد مودي بحزم على جميع الوكالات الحكومية، وخاصة البيروقراطية والأجهزة الأمنية -تؤكد الصحيفة- قال السيد فارشني إن الأمل الوحيد للديمقراطية العلمانية في الهند هو في المحاكم. لكنه حذر قائلًا: «ربما يستسلم القضاء».

وحتى الأحداث المثيرة للقلق في الأسابيع الأخيرة، بما في ذلك فقدان الوظائف الكبير في قطاع السيارات، والفيضانات المميتة في جميع أنحاء البلاد، واندلاع أعمال عنف جديدة من قبل الغوغاء الهندوس ضد المسلمين، لم تضعف شعبية السيد مودي.

قد يتساءل الغرباء كيف يمكن لأي حركة سياسية في الهند أن تشكك في مساهمة المسلمين في المجتمع. تعد الهند مكانًا متعدد الثقافات، وقد ساهم المسلمون في بنائها لعدة قرون، حتى إنهم حكموا البلاد في بعض الأحيان. بنى الأباطرة المسلمون بعضًا من أروع الكنوز الثقافية في الهند، بما في ذلك تاج محل.

لكن منذ أن تولى السيد مودي مهام منصبه في عام 2014، أعادت الهيئات الحكومية كتابة كتب التاريخ، وأغلقت أقسامًا عن الحكام المسلمين، وغيرت أسماء الأماكن الرسمية الإسلامية إلى هندوسية. وقام الغوغاء الهندوس بإعدام عشرات المسلمين. نادرًا ما يعاقب المشاركون.

ولكن نفى السيد مودي وحلفاؤه في حزب باراتيا جاناتا أي تحيز ضد المسلمين، ورفضوا الانتقادات بأن الطريقة التي تعاملوا بها مع التحقق من المواطنة الجماعية في آسام كانت قاسية، أو تمييزية. وقال مسؤولون على مستوى الولاية إن هذا كان مجرد إجراء إداري لاستخراج الأشخاص الذين ليس لديهم حق قانوني في الإقامة في الهند. قال روبام جوسوامي، المتحدث باسم الحزب: «الأمر مجرد عملية توثيق».

من هو «الإله رام» الهندوسي الذي يُقتل المسلمون في الهند باسمه؟

تتمتع ولاية آسام بتنوع عرقي وديني منذ زمن بعيد -تكشف الصحيفة- وقد جذب إنتاجها من الشاي الرائع الآلاف من العمال المهاجرين. لكن العديد من السكان الأصليين من الأساميين، ومعظمهم من الهندوس، استاءوا من المهاجرين من بنجلاديش، قائلين إنهم يأتون إلى ولايتهم ويسلبون وظائفهم وأرضهم. في عام 1983، انفجر هذا العداء ضد الغرباء.

ذبح القرويون الأساميون أكثر من ألف من البنغال، وكثير منهم من المسلمين، كما يقول الباحثون إن معظم البنغاليين في آسام مسلمون. وفي عام 2012، اندلعت موجة أصغر أخرى من العنف.

في العام التالي، شرعت المحكمة العليا في الهند في عملية لتحديث التسجيل على نطاق واسع للمواطنين في ولاية آسام، لتحديد من كان هنديًّا ومن لم يكن كذلك. جرى تمديد الموعد النهائي للمواطنين لتقديم دليل بأنهم أو أسلافهم لديهم إرث كونهم مواطنين هنود، يعود إلى مارس (آذار) 1971 أو قبل ذلك، عدة مرات.

على الرغم من أن هذه القضية تسبق تولي السيد مودي مقاليد الحكم في عام 2014، إلا أن حزبه دعم العملية بقوة، إذ تعهد السيد شاه بالتخلص من كل «النمل الأبيض».

عندما نُشرت قائمة أولية لمواطني آسام في عام 2018، مستبعدة 4 ملايين شخص، قال المحللون إن معظمهم من المسلمين، لكن تم استبعاد أعداد كبيرة من الهندوس الناطقين باللغة البنغالية.

تشريعات إقصائية للمسلمين

لكن عاد الحزب ودفع بمشروع قانون الجنسية الجديد الذي ينص على أن المهاجرين من البلدان المجاورة من الهندوس أو المسيحيين أو السيخ أو البوذيين أو البارسيين أو جينس سيكونون مؤهلين للحصول على الجنسية الهندية. مع إهمال واحدة من كبرى المجموعات الدينية في جنوب آسيا: المسلمون.

زعمت الحكومة أنها تحاول مساعدة الأقليات الدينية من أفغانستان وباكستان وبنجلاديش. ولكن بالنسبة إلى النقاد، بدا الأمر وكأنه حملة أخرى ضد المسلمين. عُرض مشروع القانون في مجلس النواب -تشير الصحيفة- لكنه تعطل بعد أن قال العديد من السياسيين الأساميين إنهم لا يؤيدون البعد الديني الذي يميز القانون، أو احتمال إعطاء عدد كبير من الهندوس البنغال استثناءً.

وُلد الكثير من الأشخاص الذين بقيت أسماؤهم في القائمة في الهند، وعاشوا هناك طوال حياتهم وكانوا مواطنين بكل ما للكلمة من معنى. أحدهم هو محمد صنع الله، نقيب الجيش المتقاعد. في مايو، تم القبض عليه للاشتباه في أنه مهاجر غير قانوني وسجن لمدة أسبوعين تقريبًا. قال السيد صنع الله إنه كان محبطا بالكامل. «أنا هندي وأبي هندي وجدي هندي وأسلافي هنود. لقد ولدوا جميعا في الهند. وسنبقى هنودًا إلى الأبد».

الهندوس يشكلون غالبية آسام

تقوم حكومة ولاية آسام بإرسال المهاجرين الأجانب المشتبه بهم إلى محاكم للغرباء، وهي شبكة متنامية تضم أكثر من 100 محكمة صغيرة حيث يقع العبء على المشتبه بهم لتقديم الدليل الذي تطلبه الحكومة. وقد اشتكى مراقبو حقوق الإنسان من أن الإجراءات كثيراً ما تميز ضد المسلمين وأنها محاكمات صورية.

لقد وعد السيد شاه وغيره من قادة الأحزاب مؤيديهم بأن يجروا مراجعات جماعية للمواطنة في جميع أنحاء البلاد -تشدد الصحيفة- ويخشى نشطاء حقوق الإنسان أن تستخدم هذه الوسائل للتمييز ضد الأقليات، وسيكون ذلك أسهل لأنه بموجب قواعد المحكمة العليا، يُسمح للأفراد بالطعن قانونيًّا في جنسية مواطن آخر.

قدم أكثر من 3.5 مليون شخص نُزع منهم حق المواطنة في ولاية آسام تظلمات ضد استبعادهم، ويقوم المسؤولون على مستوى الولاية بمراجعة هذه التظلمات. لكن آسام لا تنتظر. تخطط حكومة الولاية، التي يسيطر عليها حزب بارايا جاناتا، لبناء 10 معسكرات اعتقال جديدة لديها القدرة على استيعاب آلاف الأشخاص.

من جانبها، لم تكن بنجلاديش حريصة على قبول البنغال في ولاية آسام مواطنين أيضًا. قد يترك ذلك الكثير من الناس يقطنون بلا وطن أو حقوق.

يقول النقاد إن ما يحدث في كل من آسام وكشمير هو محاولة لتغيير التركيبة السكانية لصالح الهندوس، تواصل الصحيفة. ويخشى الكشميريون من أن يكون الغرض الحقيقي من قضاء الحكومة على استقلالهم هو تمهيد الطريق لإعادة توطين أعداد كبيرة من الهندوس في كشمير، وإنهاء وضعها بوصفها إقليمًا ذا أغلبية مسلمة في الهند.

بموجب التغييرات، سيفقد الكشميريون حقوق الأرض الخاصة التي اعتادوا على امتلاكها؛ مما جعل من الصعب على غير الكشميريين شراء الأراضي في ولايتهم. جادل السيد مودي بأن الترتيب الجديد سيجلب الاستثمار الخارجي وحوكمة أفضل.

لكن الولايات الهندية الأخرى لديها حماية مماثلة للسكان المحليين وحزب السيد مودي لا يحاول تغييرها. ويقول النقاد إن الفرق واضح: فتلك الولايات ليست مسلمة.

«ف. أفيرز»: كيف نجح التسامح الديني في إندونيسيا المسلمة وخسر في الهند العلمانية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد