يتعلم أطفال في الرابعة والخامسة من عمرهم البرمجة قبل حتى أن يجيدوا الكلام وتقدم الهند تجربة فريدة من نوعها في تعليم البرمجة للأطفال في سن مبكر

تغير التكنولوجيا كل ما نعرفه عن العالم والتعليم، لكن من يتصور أن يتعلم أطفال في الرابعة والخامسة من عمرهم البرمجة قبل حتى أن يجيدوا الكلام؟ تقدم الهند تجربة فريدة من نوعها في تعليم البرمجة للأطفال في سن مبكر، تصحبنا فيها الكاتبة بارول أغراوال تقرير نشرته النسخة الهندية من موقع «كوارتز» الأمريكي.

ريشي شيف.. لا يشتت انتباهه شيء

تفتتح الكاتبة مقالها بالإشارة إلى الطفل ريشي شيف بي، الذي لا يشتت انتباهه شيء حين يكتب كود برنامج حاسوبي. تبقى عين الفتى ذي الخمسة أعوام ثابتة على الشاشة وتتراقص أصابعه الصغيرة على لوحة المفاتيح، بينما يفتح القوائم المنسدلة ويبني حلقات متداخلة.

وفسر الفتى بينما يجلس على مكتب أمه، الذي يُعتبر زاويته المفضلة في منزلهم بمدينة بنغالور: «هذه لعبة الطير المرفرف». اللعبة مكتملة تقريبًا، يضيف فقط إليها ألوانه المختارة لخلفية المشهد الذي سيحلق الطائر عبرها متخطيًا طريقًا مليئًا بالعقبات.

في ما ينشغل ريشي بحثًا عن الأمر الحاسوبي المناسب لتلك المهمة، تخبر والدته، كاتبة التقرير ريتش اشواري شيف، عن الألعاب والرسوم المتحركة التي صنعها خلال الأشهر الأربعة الماضية. وتقول الكاتبة إنه حتى مع استبعاد حبها له بوصفها أمًا، تبدو شهية الطفل للبرمجة استثنائية.

وينقل التقرير عن ريشي قوله بطاقة معدية: «لعبة رمي الكرة هي المفضلة بالنسبة لي، حيث أرمي الكرة… وألعب مع الحاسوب لتحقيق الهدف».

اهتمامه المبكر بالحواسيب والتكنولوجيا هو ما دفع والديه لإلحاقه بإحدى الدورات التعليمية لشركة «وايت هات جونيور»، وهي شركة في مومباي تقدم للأطفال دروسًا في البرمجة. والآن يقضي الفتى ثلاثة ساعات أسبوعيًا تقريبًا في تعلم كتابة الأكواد.

ثم تنتقل الكاتبة من الطفل إلى المعلم، وتنقل عن آنشال ريكي، التي تعلم ريشي البرمجة في «وايت هات جونيور» قولها إنها فخورة بالتقدم الذي يحرزه الفتى.

وتضيف الشابة ذات التسعة وعشرين عامًا التي تحمل شهادة في تصميم الجرافيك: «حين طوَّر ريشي لعبة رمي الكرة، كنت مذهولة برؤية كيف استخدم المنطق لضبط سرعة الكرة حتى يحقق هدفًا، يستخدم الأطفال أكواد السحب والإفلات لكن بعضهم يفعل ذلك بإبداع». وريشي بين من يملكون نزعة إبداعية في البرمجة.

Embed from Getty Images

عالم البرمجة.. انقر ومرر

تقول الكاتبة إنه في العالم الرقمي الحالي يتعلم معظم الأطفال النقر والتمرير عبر شاشات الأجهزة الإلكترونية قبل أن يستطيعوا التحدث بطريقة متماسكة أو المشي، لافتة إلى أن الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية هي لهاياتهم الرقمية، ورفيقهم، ومصدر تسليتهم. وطبيعي في هذا الحالة أن يرغب العديد من الآباء في أن يتعلم أطفالهم صناعة التقنيات التي يعتمدون عليها.

وتضيف أن عددًا كبيرًا من مراكز البرمجة يلبي هذه الحاجة في الهند في بنغالور، ودلهي، ومومباي، وتشانديجارف، وجورجاون.

وتستخدم معظم تلك الأماكن مجموعة مشتركة من الأدوات والمنصات مثل «كود ستوديو/Code Studio»، و«لايت بوت/LightBot»، و«بوتلي/Botley»، أو لغة البرمجة «سكراتش/Scratch» التابعة لشركة إم آي تي، وجميع تلك الأدوات والمنصات صُنعت لسوق غربي حيث تزدهر بالفعل صناعة تعليم البرمجة للأطفال. ويتمثل الهدف من كل هذا في تعزيز مهارة الطفل في تطوير مجموعة دقيقة من الأوامر بلغة يفهمها الحاسوب.

وينقل تقرير «كوارتز» عن كاران باجاج، مؤسس «وايت هات جونيور» عام 2018 في مومباي قوله: «قبل الثورة الصناعية، كانت المدارس التي تدرس الرياضيات أقل من 10%»، مضيفًا أن الأمر تغير لاحقًا بعد نقطة تحول حاسمة في المجتمع إذ «أدخلت كل مدرسة مناهج الرياضيات لأن ذلك كان محور الثورة. نحن الآن في منتصف ثورة الحاسوب، وهذه هي الظاهرة نفسها، لذا تحتاج المدارس إلى إدراك أهمية البرمجة باعتبارها مهارة».

يشرح ريكي، بحسب التقريرـ أن الأطفال في«وايت هات جونيور» يتعلمون أولًا مصطلحات مثل كود، وأوامر، وخوارزميات. أما الدرس الثاني هو كيفية تقسيم مهمة «إلى أوامر متعددة يمكن أن يفهمها الحاسوب»، وهذا هي أساسيات البرمجة. ويضيف: «لا يحتاج الأطفال أن يكونوا ماهرين في القراءة او الكتابة لفعل ذلك لأننا نستخدم القصص والصور لشرح المفاهيم».

وأسهب ريكي مفصلًا أكثر: «حتى في عمر الرابعة أو الخامسة، يملك الأطفال الهيكل الأساسي للمنطق. لذا في حصصنا رأينا طفلًا يبلغ ستة أعوام يصنع مسابقة تهجئة، وطفل يبلغ سبعة أو ثمانية أعوام يصنع جسمًا طائرًا مجهولًا من خلال أكواد السحب والإفلات. نستخدم البرمجة والأدوات المبنية على اللبنات إذ يكمن التركيز فيها على المنطق أكثر من التركيب النحوي، وهو ما يشبه النحو في لغة الحاسب».

Embed from Getty Images

المعرفة الرقمية

ويشير التقرير إلى أن تطوير الألعاب والتطبيقات ليس السبب الوحيد الذي يجعل الأطفال منجذبين إلى البرمجة، موضحًا أن هناك حاجة متزايدة إلى المعرفة الرقمية، وبالنسبة للأطفال الذين يتيسر لهم الوصول إلى التكنولوجيا، توفر البرمجة فرصة لتحسين المهارات المعرفية وتطوير التفكير الحاسوبي.

في بنغالور، يدير بهارات ديفانج، خريج المعهد الهندي للتكنولوجيا ووالد طفل يبلغ خمسة أعوام، أكاديمية «ZugZwang»، أو ما يسميه هو الصالة الرياضية للعقل، بحسب التقرير، الذي أشار إلى أن حب ديفانج للشطرنج وإيمانه بفكرة الذكاء المرن دفعاه إلى دمج الاثنين وتوفير دورة تدريبية متعددة التخصصات في الشطرنج، وكتابة الأوامر البرمجية، والبرمجة للأطفال من سن سبعة إلى 12 سنة.

في أحد أيام الأسبوع، كان روهيت ذو العشرة أعوام مشغولًا بحل تحد في لغة بايثون للبرمجة.  وبدا روهيت، وهو الطفل الأصغر في مجموعة مكونة من سبعة طلاب، كمن وجد شغفه. ونقل التقرير عن روهيت قوله: «أحب خوض تحديات بايثون، لو كنت في مرحلة سهلة، يمكنني حل من سبعة إلى ثمانية تحديات في اليوم، لكن أحيانًا أعلق وأحل واحدة فقط. لا يستطيع أصدقائي فعل هذا لأن هذا ليس ما يعلموننا إياه في حصص الحاسوب بالمدرسة. أريد أن أصبح مهندس برمجيات عندما أكبر، وربما أذهب لدولة أجنبية لممارسة ذلك».

لاحقًا بعد ساعة، شهدت كاتبة التقرير وصول المجموعة الثانية من الأطفال الملتحقين بدورات البرمجة. تسلمت أنانيا ذات الثمانية أعوام جهاز آيباد يمكنه الولوج إلى «لايت بوت»، وهي لعبة أحجية لتعليم البرمجة كتابة الأوامر البرمجية. بحسب التقرير، فقد كانت مهمة أنانيا تحريك الإنسان الآلي في اتجاهات متعددة بإعطاء الأوامر للنظام. شرحت الطفلة القيود والقواعد التي تتقيد بها  للكاتبة التي رأتها تتنقل من أمر لآخر بينما تقرر ما يحتاج الإنسان الآلي لفعله.

ونقل تقرير «كوارتز» عن شريفاسا سرينا الذي ألحق ابنه ذا الأربعة أعوام بحصص الشطرنج عام 2018، ودورات تعليم كتابة الأوامر البرمجية هذا العام.: «يتعرض الأطفال الآن إلى التكنولوجيا بمجرد ولادتهم، لكن الأفضل لطفلي أن ينخرط مع التكنولوجيا بفهم نقدي بدلًا من أن يصبح مستخدمًا سلبيًا».

Embed from Getty Images

وبحسب التقرير فقد قدم ديفانج مالك أكاديمية «ZugZwang» مؤخرًا دورة تدريبية في علم التشفير، متجاوزًا بذلك المستوى المتعارف عليه في البرمجة. وتعلم أطفال يبلغون الثامنة والتاسعة في تلك الدورة التدريبية عن العملات المشفرة والتشفير باستخدام الأحجيات ومنصات مثل «كريبت جرام».

وقال ديفانج: «نؤمن أن كل طفل يدخل هذه الدورات هو مهندس برمجيات مستقبلي. يمكن أن يكون فنانًا، أو طبيبًا، أو رسامًا، أو معلمًا، لكنا نؤمن أن التفكير الحاسوبي والبرمجي سيساعدهم على التميُّز في أي شيء يفعلونه في عالم متصل رقميًا».

عام 2017، أطلقت شركة «يوفيوس ليرنينج» التقنية التعليمية في دلهي، مشروع «كيوبتو»، وهو مجموعة أدوات لتعليم البرمجة للأطفال. و«كيوبتو» هو لعبة روبوت خشبية يمكن للأطفال من عمر ثلاثة سنوات برمجتها. ونقل التقرير عن سارفيش سريفاستافا، الذي شارك في تأسيس الشركة قوله: «قدمنا كيوبتو إلى الأطفال في مستوى ما قبل سن المدرسة في 300 مدرسة تقريبًا بالهند، فكرة كوبيتو هي لغة البرمجة القائمة على اللبنات مصممة للأطفال في سنوات قبل التعليم. وهي أداة برمجة بلا شاشات تعلم أساسيات البرمجة للأطفال الصغار».

يؤمن كل من أولياء الأمور والمعلمين أن في دولة كالهند، حيث يكافح نظام التعليم في ظل نقص الابتكار، والبنية التحتية، والمناهج القديمة، يمثل تعلم البرمجة وكتابة الأوامر البرمجية طريقة محكمة لتعريف الأطفال بالتفكير المنطقي وحل المشكلات، ويجهزهم أيضًا إلى سوق العمل الذي يهيمن عليه علم البيانات وعلوم الحاسوب، بحسب التقرير.

ويشير التقرير إلى أن «مؤسسة راسبيري باي»، وهي مؤسسة خيرية مقرها في بريطانيا تروج لدراسة تعليم علوم الحاسوب في المدارس، قد انضمت إلى جهود تعليم البرمجة في الهند عن طريق إطلاق برامج «كود كلابس/Code Clubs»، و«كودر دوجو/CoderDojo». وتسعى المؤسسة من وراء ذلك إلى مساعدة المدارس والمجتمعات ذات المصادر المحدودة على إقامة ورش برمجة للأطفال وخلق فرص متكافئة.

تنشئة شاملة في عالم البرمجة

وعلى الجانب الآخر من القضية تظهر وجهة نظر مغايرة، إذ تروج لاثا مادو سودان، التي شاركت في تأسيس روضة «براكرتي والدورف» وتعمل ناظرة لها في مدينة بنغالور، بحسب التقرير، إلى فكرة الذكاء الطبيعي والتعليم الخالي من الضغط، وتؤمن أننا لا نحتاج إلى ماكينات أكثر لتعليم أطفالنا كيفية التعامل مع الحياة.

Embed from Getty Images

ونقل التقرير عن لاثا قولها: «نظرة الطفل الداخلية تبنى بالتفاعل مع العالم الخارجي، يتطلب تكوين الطفل تطوير كل من المهارات الحركية الدقيقة والكلية. يحقق الطفل هذا بقضاء الوقت في اللعب واستخدام أطرافه وجسده لكسب التحكم في نظامه. هذه هي المهارات التي ستهيئ العقل. تقديم التكنولوجيا في عمر مبكر سيسلب هذا كله من الطلب ويضر تكوينه الفسيولوجي للأبد».

وفقًا لكاتبة التقرير، فهناك أدلة على أن التكنولوجيا تجدد عقول الأشخاص وتبدل أجسامهم. إذ تشير إلى أن ناقدين يعتقدون أن نقص الانتباه وزيادة مشكلات الصحة العقلية يستدعيان تنشئة كلية وواعية للأطفال، مضيفة أن الأطفال يستحقون فرصة ليعيشوا طفولتهم لا كشيء آخر سوى كونهم أطفال، بقدر ما يحتاجون التكيف مع العالم المتغير.

وتلفت في نهاية تقريرها إلى أن والدة ريشي واعية بذلك التوازن المطلوب، إذ قالت بينما تساعده على الاستعداد للخروج واللعب مع أصدقائه: «يَمَل ريشي من كل شيء بسرعة. يرغب في استكشاف ألعاب جديدة وأمور جديدة على الحاسوب كل يوم، لكني أتأكد من تفاعله مع العالم الخارجي ولا يتجاوز وقته مع الشاشات أكثر من ساعتين يوميًا».

حينما يرسم الروبوت لوحة ويكتب شعرًا.. هل ينافس الذكاء الاصطناعي إبداعات البشر؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد