نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا أعدَّه جيري شيه يستعرض فيه تحدي تطبيق «كوو» الهندي لموقع التواصل الاجتماعي الشهير تويتر، ويستهل الكاتب تقريره بالإشارة إلى أن موقع تويتر والحكومة الهندية انخرطا في مواجهة مريرة في وقت سابق من هذا العام.

تطبيق جديد في قلب المواجهة

وأوضح الكاتب أن الحكومة الهندية، الغاضبة من رفض تويتر حذف منشورات لمزارعين هنود يطالبون بالإصلاحات الزراعية، اتَّهمت شركة تويتر بدعم المتظاهرين الذي يتبنَّون العنف، وهدَّدت بسجن موظفي تويتر وردَّ المسؤولون التنفيذيون في الشركة قائلين إنهم يدافعون عن الحق في حرية التعبير، وهو موقف التزموا به إلى حد كبير على مدى عقد من الزمان.

وكان الفائز في هذا النزاع تطبيق تواصل اجتماعي هندي غير معروف يسمى كوو (Koo).

تكنولوجيا

منذ 3 شهور
مترجم: كيف تتعامل «فيسبوك» و«تويتر» و«يوتيوب» مع طالبان؟ 

وفي الأشهر التي أعقبت الخلاف بين تويتر والحكومة الهندية، فتح جَمْع من الوزراء والوكالات الحكومية والمشاهير اليمينيين حساباتٍ على تطبيق كوو لدعم هذا المنافس المحلي لتويتر، وجلبوا معهم ملايين المتابعين الهنود وأدَّى الارتفاع المفاجئ في ظهور التطبيق إلى جلب دفعة استثمارية بقيمة 30 مليون دولار للتطبيق المحلي من شركتي تايجر جلوبال وأكسل، وهما صندوقان لرأس المال الاستثماري في الولايات المتحدة كانا يراهنان ذات مرة على شركة ناشئة أخرى على وسائل التواصل الاجتماعي؛ ألا وهي فيسبوك وقد نما هيكل الموظفين في تطبيق كوو من 40 موظفًا في بداية العام إلى أكثر من 200 موظف، وجرى تنزيل التطبيق 9 ملايين مرة، معظمها في الهند وكذلك في نيجيريا.

ومع شعار الطائر واقتصار المنشور النصي على 400 حرف يسمى «كووز»، تأخذ شبكة التواصل الاجتماعي الجديدة علاماتٍ واضحة من منافستها الراسخة، ولكن أبراميا راداكريشنا، المؤسس المشارك لكوو، وضع شركته الناشئة باعتبارها شيئًا أكثر قومية وشعوبية، مناهض لتويتر.

فلسفة كوو

ويقول راداكريشنا إن جاذبية كوو تكمن في تغذيتها المميزة التي تتيح اللغات المحلية مثل الهندية، في حين تهيمن اللغة الإنجليزية، لغة النخبة العالمية، على تويتر ويقول راداكريشنا إن هناك أيضًا اختلافًا عميقًا في فلسفة التطبيق، وآية ذلك أن كوو لن يتحدى أبدًا أمرًا حكوميًّا لإزالة المحتوى، ناهيك عن فرض رقابة أو إسكات زعيم وطني، كما فعل تويتر مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أعقاب هجوم 6 يناير (كانون الثاني) على مبنى الكابيتول الأمريكي.

Embed from Getty Images

وقال راداكريشنا في صباح أحد الأيام الأخيرة في مكاتب كوو المؤقتة، وهو منزل من طابقين في إحدى ضواحي بنجالور: «ينزعج المستخدمون إذا لم تعمل شركات وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها منصات محايدة. ويسألون: هل انتخبناكم؟ ما الذي يجعلكم حاملي لواء حرية التعبير؟ ما الذي يجعلكم تحكمون على ما هو صواب وما هو خطأ في هذا البلد؟»

وبعد مرور عقد من الزمان على خروج تويتر إلى ساحة الخطاب العالمية التي ساعدت في تأجيج الحركات الاحتجاجية، بما في ذلك الربيع العربي، كان صعود كوو انعكاسًا للحكم العالمي على وسائل التواصل الاجتماعي وكثيرًا ما تتعرض الشركات، بما في ذلك فيسبوك وتويتر، للانتقاد لعدم قيامها بما يكفي للحد من خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، لكن الحكومات تتعرض أيضًا لضغوط متزايدة من أجل فرض الرقابة على المعارضين، الأمر الذي يثير التساؤلات حول ما يُشكِّل خطابًا غير مشروع، ومتى يتعين على الشركات أن تمتثل لطلبات الإزالة أو مقاومتها.

رؤية بديلة

وأضاف الكاتب أن تطبيق كوو في الهند، وهي سوق شاسعة، يستهدفه عديد من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، قدَّم رؤية بديلة أكثر مرونة لوسائل التواصل الاجتماعي ورغم أنه من غير المحتمل أن يتفوق على تويتر في المستقبل القريب، فقد تبنته الحكومة الهندية بقيادة رئيس الوزراء ناريندرا مودي وأنصاره اليمينيين في الوقت الذي يناقش فيه عديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، هل ينبغي التحقق من تأثيره في شركات وادي السيليكون أم لا.

قال أنوبام تشاندر، الخبير في تنظيم التكنولوجيا في كلية الحقوق بجامعة جورجتاون، إن: «الهند ليست وحدها، ولكن الحكومات في جميع أنحاء العالم تشعر بعدم الراحة من اتخاذ عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين قرارات مهمة تخصها»، مضيفًا أن المشكلة تكمن في أن المنصات تُزيل الخطاب الذي تحبه الحكومات، وتترك خطابًا لا تحبه الحكومات.

ولفت الكاتب إلى أن الصراع من أجل السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي كان على أَشدِّه في الهند، حيث اتُّهمت حكومة مودي بإسكات المعارضة على الإنترنت وفي الصحافة وحرم الجامعات، وفي ظل إدارته القومية الهندوسية، تأججت الانقسامات الدينية كثيرًا في الهند، وانتشر خطاب الكراهية عبر الإنترنت ضد الأقلية المسلمة في الهند وسط ضعف الإشراف على المحتوى على منصات مثل الفيسبوك.

Embed from Getty Images

وفي غضون ذلك، احتضن مودي وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا مثل قلة من السياسيين في تاريخ الهند وحقق حزبه الذي يتزعمه، بهاراتيا جاناتا، فوزًا مدويًا في عام 2014، ويرجع الفضل في ذلك جزئيًّا إلى إستراتيجيته الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي، ويكتب مودي عدة مرات في اليوم مخاطبًا 70 مليون متابع على حسابه على تويتر الذي تضخم بأعداد كبيرة من المؤيدين للحكومة.

وفي يناير، واجهت الحكومة خصمًا عنيدًا ماهرًا بوسائل التواصل الاجتماعي، فقد كان المزارعون المحتجون يتجمعون حول نيودلهي، واشتبكوا مع الشرطة وأطلقوا حملة على تويتر تتهم مودي بارتكاب فظائع بحق مواطنيه، وقد دعمت نجمة البوب ​​ريهانا والناشطة المناخية جريتا ثونبرج المزارعين بالتغريد على تويتر، مما أثار حفيظة الحكومة الهندية، وزعم المسؤولون الهنود أن الحملة تدعمها قوى أجنبية وتشكل تهديدًا للقانون والنظام، وطالبوا تويتر بحجب مئات الحسابات، بما في ذلك حسابات سياسيين معارضين ومجلة كارافان الإخبارية المعروفة بتحقيقاتها الصارمة وانتقاداتها لتغطية الحكومة.

وعندما رفض تويتر حظر بعض الحسابات، استشاط المسؤولون الحكوميون الهنديون غضبًا، إذ طالبوا المنصة بالامتثال للقوانين الهندية، بغض النظر عن قواعدها الخاصة وفي الأيام التالية، بدأ وزراء وسياسيون بارزون من حزب بهاراتيا جاناتا، بالإضافة إلى مركز أبحاث حكومي، بالإعلان عن فتح حسابات على تطبيق كوو.

قال بيزاي سونكار شاستري، المتحدث باسم حزب بهاراتيا جاناتا، إن الهجرة الجماعية من تويتر إلى كوو لم تكن منسقة، لكنه أضاف: «نحن حزب منضبط لديه أعضاء يتصرفون وفقًا لذلك إذا شعروا أن هناك شيئًا ما ضد حزبنا أو حكومتنا. ويجب أن تكون شركات وسائل التواصل الاجتماعي منتدى محايدًا، لا أن تلعب دورًا مناهضًا للحكومة».

ما وراء إطلاق كوو

ولفت الكاتب إلى أن منصة كوو، التي تأسست في أواخر عام 2019، انطلقت في مارس (آذار) 2020، وبعد ذلك بقليل انضمت إلى مسابقة حكومية سعَت إلى تحديد الشركات الناشئة المحلية الواعدة وتمويلها. وبحلول ذلك الصيف، ذُكِر التطبيق في الخطب العامة التي ألقاها مودي، الذي كثيرًا ما روَّج لرؤيته لبناء «الهند المعتمدة على الذات».

وقالت تريشا راي، الباحثة في مؤسسة «أوبزرفر» للأبحاث في نيودلهي، إن كوو لم تنطلق إلا بعد الخلاف بين حكومة حزب بهاراتيا جاناتا وتويتر، وقالت: «لقد كانت صدفة سعيدة أن ركبوا هذه الموجة من هجرة المسؤولين الحكوميين واليمينيين لتويتر».

Embed from Getty Images

يقول راداكريشنا إن كوو اليوم تدار باعتبارها شركة خاصة مستقلة، ولكن التمرير عبر موجز التغذية باللغة الهندية يعني النظر إلى تجمع لليمِين الهندوسي في الهند.

والمواطنون العاديون يثنون على رام، الإله الهندوسي المحبوب، في حين يشارك نواب ووزارات حزب بهاراتيا جاناتا التحديثات حول الإنجازات الكبيرة والصغيرة. ولدى مشاهير مثل بابا رامديف، خبير يوغا تحول إلى ملياردير يَعُد مودي صديقًا مقربًا، حسابات شائعة وبعرض «ريبابليك تي في»، وهي شبكة محافظة، أحيانًا على شاشتها وسوم كوو، بحيث يمكن للمشاهدين التفكير في كوو إلى جانب النقاشات الصاخبة التي تتكشف أمام الكاميرا.

يقول راداكريشنا، الذي يصف نفسه بأنه غير سياسي، إن ميل منصته ليس عن قصد، مشيرًا إلى أن تطبيق كوو، وبسبب تركيزه على اللغات المحلية، يجذب بطبيعة الحال قاعدة مستخدمين تعكس الهند كثيرًا، حيث يتمتع مودي بنسبة تأييد 70%، مقارنةً بالصحف التي تصدر باللغة الإنجليزية أو تويتر التي تهيمن عليها اللغة الإنجليزية، حيث يوجد مزيد من الانتقادات لرئيس الوزراء.

وقال راداكريشنا: «هناك جزء معين من الهند، المتقنون لـللغة الإنجليزية والمتعلمون والأثرياء المرتبطون بالغرب، ممن يهتمون بمسائل مثل حرية التعبير. ولكن ما يهم الناس في المناطق النائية هو الحصول على الوظائف وعندما تُطبَّق مفاهيم العالم المتقدم على دولة نامية، سيكون هناك عدم تطابق».

مناهضة الشركات العملاقة

ونوَّه الكاتب إلى أن راداكريشنا يقول إنه كان جزءًا من الطبقة «الطموحة» في الهند قبل أن يصبح رجل أعمال ناجحًا، فقد نشأ في أسرة من الطبقة المتوسطة الدنيا في ولاية غوجارات، مسقط رأس مودي، وعمل جاهدًا لاقتحام عالم الاستشارات الإدارية واليوم، ومع نمو كوو، كثيرًا ما يقوم هو وشريكه المؤسس، مايانك بيداواتكا، بوضع أنفسهم مكان المستضعفين المحليين في حين ينتقدون ما يَعُدونه تجاوزًا من جانب المسؤولين التنفيذيين في وادي السيليكون.

وعندما حظر تويتر كانجانا رانوت، ممثلة بوليوود وداعمة مودي، بسبب «سلوكها البغيض» بحسب وصف تويتر عندما نشرت تغريدة تشجع على العنف متعلقة بأعمال شغب في البنغال في مايو (آيار)، شجبت كانجانا ما وصفته بالعقلية البيضاء المتمثلة في الشعور باستحقاقِها «استعباد» الهنود وفرض الرقابة عليهم وأشاد راداكريشنا بها علنًا لعودتها إلى كوو المحلية، حيث فتحت حسابًا لها.

كان تأثير الشركة ملموسًا أيضًا خارج الهند. ففي يونيو (حزيران)، عندما أزال موقع تويتر منشورًا للرئيس النيجيري، محمد بخاري، يشير ضِمنًا إلى أنه سيشن «حربًا» ضد الانفصاليين، ردَّت حكومته بمنع موقع تويتر من العمل في نيجيريا. ويتذكر راداكريشنا قائلًا: «سارعتُ بنشر تغريدة على كوو تقول: هل يجب أن نجرِّب الذهاب إلى نيجيريا؟»، موضحًا أنه كان يسير مع التيار ويستغل الموقف.

دولي

منذ شهر
«فورين بوليسي»: كيف تحوِّل سياسات مودي حياة الروهينجا إلى جحيم؟

وفي غضون ساعات، فتح المسؤولون النيجيريون حسابات على كوو. وكان كوو قبل فترة طويلة يُروِّج لحسابات الحكومة النيجيرية وينشر صورة لبخاري، الديكتاتور العسكري في الثمانينيات الذي تحول إلى السياسة الديمقراطية خلال العقد الماضي وفاز في دورتي انتخابات شعبية، وهو يعلن عن: «تحديثات حصرية منه فقط على تطبيق كوو!».

وفي أغسطس (آب)، افتتح كوو مكتبًا في لاجوس. وتحدث راداكريشنا من الفناء الأمامي لمنزله في بنجالور الذي تحول إلى مكتب، متفائلًا عن آفاق شركته في مختلف أنحاء العالم النامي.

وقال: «سنتوسع في أفريقيا، ثم جنوب شرق آسيا، وأمريكا الجنوبية، وأوروبا الشرقية، كل هذا في العامين المقبلين. نريد أن نتحلى بالمبادرة فيما يتعلق بإعطاء صوت لكل شخص ليس لديه صوت على الإنترنت»، بحسب ما يختم الكاتب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد