نشرت صحيفة «الإندبندنت» تقريرًا ليان أوستن وهو صحافي حر، كانت قد نشرته من قبل صحيفة «نيويورك تايمز» حول اكتشاف رفات مئات الأطفال من السكان الأصليين الذين أُجبروا على الالتحاق بمدارس داخلية أقامتها الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في كندا؛ بغية دمجهم في الثقافة الغربية فيما مثَّل نوعًا من الإبادة الجماعية الثقافية، كما تعرَّض هؤلاء الأطفال لكل صور الاستغلال البشع على يد القساوسة بصورة تكشف عن نظرة عنصرية بغيضة.

ويستهل الكاتب تقريره بالإعلان الذي صدر الشهر الماضي حول العثور على رفات 215 طفلًا من السكان الأصليين على أرض مدرسة كاملوبس الداخلية للهنود الحمر، وهو الأمر الذي أدى إلى صدمة للشعب الكندي. نُكِّست الأعلام في جميع أنحاء كندا، وظهرت نُصب تذكارية مرتجلة تتكون من أحذية الأطفال أو أخفافهم، تحمل في الغالب علامة «215»، بما في ذلك واحدة أمام مبنى البرلمان الكندي. 

Embed from Getty Images

قال بيري بيليجارد، الرئيس الوطني لجمعية «الأمم الأولى» وهي أكبر منظمة للسكان الأصليين في البلاد: «الكثير من الناجين، من أقاربي، كانوا يقولون هذا لسنوات وسنوات؛ إنه كان هناك كثير من الموت، وكثير من القبور التي لا تحمل أية شواهد»، في إشارة إلى الأطفال الذين أُخذوا من عائلاتهم وأجبروا على الالتحاق بالمدارس الداخلية سيئة السمعة في كندا، مثل كاملوبس من أجل دمجهم في الثقافة الغربية.

وأضاف: «لكن لم يصدق أحد على الإطلاق أقوال الناجين. والآن مع اكتشاف موقع القبر في كاملوبس، يبدو الأمر مروِّعًا، إنه مأساوي ومؤلم».

ويوضح الكاتب أن ما يقدر بنحو 150 ألف طفل من السكان الأصليين دخلوا هذه المدارس إبَّان افتتاحها، حوالي عام 1883، وإغلاقها في عام 1996. ومنذ توليه منصبه في عام 2015، أعطى رئيس الوزراء جاستن ترودو الأولوية لوضع قائمة من 94 إجراءً لإحياء ذكرى هؤلاء الطلاب، وتحسين مستوى حياة السكان الأصليين. لكن زعماء السكان الأصليين يعتقدون أن الحكومة لا يزال أمامها طريق يتعين قطعه.

وأعطى اكتشاف القبور دفعة جديدة للنقاش الدائر في البلاد حول كيفية التكفير عن تاريخها في استغلال السكان الأصليين. ويتساءل الكثيرون عن عدد الأطفال الذين يمكن أن ينتهي بهم المطاف في مكان الدفن هذا.

ما الذي تم اكتشافه؟

ويضيف الكاتب أنه منذ حوالي 20 عامًا، بدأت الجهود للعثور على الرفات في مدرسة كاملوبس، التي كانت تعمل منذ عام 1890 حتى أواخر السبعينيات، وكانت ذات يوم أكبر مدرسة في كندا؛ إذ بلغ عدد طلابها 500 طالب في ذروتها. واكتشف أعضاء من «الأمة الأولى» لشعب شيكويبيم تي شيكويبيمكوليك Tk’emlups te Secwepemc اكتشافًا قاتمًا الشهر الماضي بعد أن جلبوا رادارًا يمكنه اختراق الأرض.

ومن بين 215 جثة عثر عليها الرادار، يبدو أن هناك جثة لطفل مات في الثالثة من عمره، حسبما قالت الرئيسة روزان كاسيمير من شيكويبيم تي شيكويبيمكوليك. وقالت إن جميع الأطفال دُفنوا منذ عقود.

ما هو نظام المدارس الداخلية؟

ويكشف الكاتب عن أنه في أواخر القرن التاسع عشر، خصصت كندا أرضًا للسكان الأصليين من خلال معاهدات مشكوك فيها في كثير من الأحيان، بينما استولت على أراضي السكان الأصليين في بعض الأماكن، لا سيما في كولومبيا البريطانية.

وحوالي عام 1883، أضافت الحكومة بُعدًا جديدًا لاستغلالها للسكان الأصليين؛ إذ أُجبر أطفال السكان الأصليين في أجزاء كثيرة من كندا على الالتحاق بمدارس داخلية، غالبًا ما تكون بعيدة عن مجتمعاتهم. وكانت الكنائس تُدير معظم هذه المدارس، وحظرت جميعها استخدام لغات السكان الأصليين وممارساتهم الثقافية باستخدام العنف في كثير من الأحيان. كما كانت الأمراض والاعتداء الجنسي والجسدي والعاطفي متفشيًا على نطاق واسع.

Embed from Getty Images

وكانت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية تقوم على تشغيل مدرسة كاملوبس حتى عام 1969، عندما تولت الحكومة الفيدرالية إدارة النظام المدرسي. وأشارت تقارير أحد المفتشين وطبيب آخر إلى أن الطلاب في كاملوبس كانوا يعانون من سوء التغذية الشديد في بعض الأحيان.

وقضت اللجنة الوطنية للحقيقة والمصالحة التي شكلتها الحكومة الكندية ست سنوات في الاستماع إلى 6750 شاهدًا لتوثيق تاريخ المدارس. وفي تقرير صدر عام 2015، خلصت اللجنة إلى أن النظام كان شكلًا من أشكال «الإبادة الجماعية الثقافية».

اللجنة تطالب البابا باعتذار

كما دعت اللجنة إلى تقديم اعتذار من البابا عن دور الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في هذا الأمر. ولم يصل البابا فرانسيس يوم الأحد إلى حد تقديم اعتذار رسمي، لكنه قال إن «الاكتشاف المحزن يزيد من الوعي بآلام ومعاناة الماضي».

وشهد بعض الطلاب السابقين أمام اللجنة بأن القساوسة في المدارس قد أنجبوا أطفالًا من طالبات من السكان الأصليين وأن الأطفال انتُزعوا من أمهاتهم الصغيرات وقُتلوا، وفي بعض الحالات ألقيت أجسادهم في الأفران. كما توفي العديد من الطلاب بسبب المرض والحوادث والحرائق ومحاولات الفرار القاتلة، بحسب اللجنة.

وعانت المدارس من وفيات جماعية عندما اجتاحتها الأمراض المعدية، وفقًا لتقرير نُشر هذا العام عن مواقع الدفن، كتبه سكوت هاميلتون، أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة «ليكهيد» في ثاندر باي.

كم عدد الأطفال الذين ماتوا في المدارس الداخلية؟

وجدت اللجنة أنه عندما يموت الأطفال في المدارس الداخلية، غالبًا ما كانت تُعطى تفسيرات غامضة لعائلاتهم أو يُقال لهم إنهم هربوا واختفوا ببساطة. وعندما كانت المدارس تعترف بوفاة الأطفال، كانت ترفض بشكل عام، حتى الستينيات، إعادة جثثهم إلى عائلاتهم. ولم يكن رفات الضحايا تُعاد إلى العائلة إلا إذا كان ذلك أقل تكلفة من دفنه في المدارس. 

Embed from Getty Images

وقدرت اللجنة في تقريرها أن 4100 طالب على الأقل ماتوا أو فُقدوا في المدارس الداخلية، وطالبت الحكومة بالكشف عن مصير جميع هؤلاء الأطفال. غير أنها لم تذكر على وجه التحديد عدد الذين اختفوا.

قال موراي سنكلير، القاضي والسيناتور السابق الذي ترأس اللجنة، في رسالة بالبريد الإلكتروني الأسبوع الماضي إنه يعتقد الآن أن الرقم «يتجاوز بكثير عشرة آلاف». ومنذ انتهاء اللجنة، يجري العمل على مشروع فيدرالي لتوثيق مصير الأطفال الذين لم يعودوا أبدًا إلى عائلاتهم بعد إرسالهم إلى مدارس كنسية، وهم الآن يُعرفون عمومًا باسم «الأطفال المفقودين».

ما الذي سيحدث بعد ذلك؟

خلال نقاشٍ خاص في مجلس العموم في 1 يونيو (حزيران)، قال ترودو إن كندا خذلت 215 طفلًا اكتُشفت رفاتهم، وكذلك رفات أطفال آخرين لم يعودوا أبدًا إلى مجتمعاتهم من المدارس الداخلية.

وقال: «اليوم، كان بعض الأطفال الذين عُثر عليهم في كاملوبس، والذين لم يُعثر عليهم بعد في أماكن أخرى في جميع أنحاء البلاد، كانوا سيصبحون من الأجداد أو أجداد الآباء. لكنهم لم يعيشوا ليكونوا كذلك، وهذا خطأ كندا».

تربية

منذ 7 شهور
5 أخطاء نرتكبها يوميًّا تُفسر لماذا لا يخبرنا الأطفال إذا تعرضوا لإساءة جنسية

وقال ترودو إن الحكومة استجابت لنداءات قادة السكان الأصليين من أجل المال والمساعدات الأخرى لاستخدام الرادار ووسائل التكنولوجيا المختلفة للبحث عن رفات الطلاب في المدارس الأخرى. وفي عام 2019، خصصت الحكومة 27 مليون دولار كندي (22 مليون دولار أمريكي) للبحث عن القبور، إلا أن الأموال لم توزع.

وقال بيليجارد إنه يأمل أن تؤدي الصدمة التي أعقبت الاكتشاف في كاملوبس بكندا إلى تسريع الجهود لتحقيق المصالحة والقضاء على التمييز والفجوة الاقتصادية الواسعة بين السكان الأصليين وبقية البلاد. وينقل الكاتب عن بيليجارد قوله: «علينا استخدام هذا عاملًا محفزًا. لقد ساعدنا في بناء هذا البلد العظيم ولا أحد سيذهب إلى أي مكان خارجه. علينا أن نعمل معًا، لذلك دعونا نُشمِّر عن سواعدنا وننجز هذا العمل».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد