يحدث في إندونيسيا: مشروع قانون شامل جديد يزعم مؤيدوه أنه يذلل العقبات التي تواجه الأعمال، ولكنه يعزز السلطة التنفيذية على نحوٍ خطير.

نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية مقالًا للصحافية فبريانا فردوس حول مشروع القانون هذا. وفي مستهل مقالها، قالت الصحافية إنه جرى تسريح حوالي 3 ملايين عامل إندونيسي من أعمالهم، منذ تفشي جائحة فيروس كورونا في البلاد في أوائل مارس (آذار) من هذا العام، وكثير منهم مهاجرون تقطَّعت بهم السبل وتُركوا عالقين بلا مأوى في العاصمة الإندونيسية جاكرتا. وفي هذه الأثناء، انشغلت الحكومة الإندونيسية بشن حرب ضد العلماء، مُقللةً من شأن الجائحة من خلال الزعم بأن درجات الحرارة الأكثر دفئًا ستقتل الفيروس.

ونتيجةً لذلك، جنحت إندونيسيا إلى فرض قيود واسعة النطاق على التجول بدلًا من الإغلاق العام؛ مما تسبب في تكبدها أسوأ حصيلة من الإصابة بفيروس كورونا في جنوب شرق آسيا بعد سنغافورة، وذلك اعتبارًا من 1 مايو (أيار)، إذ كان هناك 10.551 حالة إصابة مؤكدة و800 حالة وفاة. وكان أكثر من نصف حالات الوفاة من جرَّاء الفيروس في جاكرتا، على الرغم من أن التجمعات الدينية في مدن أخرى ساعدت في انتشار المرض. ويستمر أداء الصلوات في جماعة خلال شهر رمضان على الرغم من التحذيرات الصحية.

أولويات أخرى

وأشارت الكاتبة إلى أنه بينما تكافح البلاد لمواجهة تفشي المرض، فإن هناك أولويات أخرى لدى الحكومة الإندونيسية: استخدام الجائحة كذريعة لبسط هيمنتها. وفي البداية، قدَّمت الحكومة في فبراير (شباط) مشروع قانون شاملًا يتعلق بتوفير الوظائف إلى مجلس النواب؛ برلمان البلاد. وقد اطَّلعت فورين بوليسي على نسخة من مشروع القانون الشامل الذي جاء في 1.028 صفحة وتضمَّن 11 مجموعة نقاشية (القطاعات التي ستخضع للمناقشة، كالعمل أو الاقتصاد)؛ بإجمالي 80 قانونًا و1.201 مادة.

Embed from Getty Images

إجراءات الكشف عن الفيروس – إندونيسيا 

وصرَّح الرئيس جوكو ويدودو لـ«بي بي سي» في فبراير قائلًا إنه يأمل في تمرير القانون بحلول منتصف العام. ويقول مؤيدو مشروع القانون إنه يهدف إلى تعزيز النمو الاقتصادي من خلال تبسيط 79 قانونًا يُعتقَد أنها تقف حجر عثرة في طريق الأعمال. ومع ذلك، يرى منتقدو مشروع القانون أنه يمنح الرئيس سلطات واسعة دون وجود شرط الانقضاء (بمعنى توقُّف تنفيذ القانون بعد مُضي مدة محددة ما لم يُمدِّده إجراء تشريعي).

وفي المادة رقم 170، يمنح مشروع القانون السلطة للحكومة المركزية لإصدار قانون يقضي بتغيير أحكام القانون التي لم يجرِ تعديلها في مشروع القانون الشامل، لتسريع تنفيذ «السياسات الاستراتيجية الوطنية» ذات التعريف المبهم. وفي الوقت نفسه، يسمح تعديل مقترح للمادة رقم 251 من قانون الحكومة الإقليمية للرئيس بإلغاء القوانين الإقليمية بمرسوم.

ولفتت الكاتبة إلى أن المواد الواردة في مشروع القانون تتعارض مع الدستور الإندونيسي، الذي ينص على أن سلطة صياغة القوانين يختص بها مجلس النواب وليس الحكومة. ويحدد دستور عام 1945 البرلمان بوصفه السلطة العليا، لكن مشروع القانون يمنح السلطة التنفيذية سلطة شبه مطلقة فعليًّا. كما يمنح الرئيس سلطة تنفيذية وتشريعية مطلقتين.

سلطة استثنائية

وأوضحت الكاتبة أن مشروع القانون يُعد تناقضًا صارخًا مع قانون الحكم الذاتي الإقليمي، الذي مُرِّر في عام 2014 بوصفه جزءًا من أجندة الإصلاح، التي ناضلت من أجلها الجماعات المدنية، بعد أكثر من ثلاثة عقود في ظل ديكتاتورية سوهارتو. وخلال فترة إدارته، بنى سوهارتو إمبراطورية تجارية تضم عائلته ورفاقه المقربين في حزب جولكار، وذلك باستخدام قوة مركزية لفرض الفساد بالقوة. وتنامت الأصول التي تملَّكتها عائلته، حتى وصلت إلى أكثر من 13 ألف جزيرة من الأرخبيل الإندونيسي وحول العالم.

دولي

منذ سنة واحدة
«ف. أفيرز»: كيف نجح التسامح الديني في إندونيسيا المسلمة وخسر في الهند العلمانية؟

تقول غيتا بوتري دامايانا، باحثة في المركز الإندونيسي لدراسات القانون والسياسات، «لقد أُفسِد نظامنا القانوني، والسلطة الممنوحة للسلطة التنفيذية [بموجب هذا القانون] سلطة استثنائية، ولن تستفيد منها الشركات الصغيرة». مشددة على ضرورة أن تخضع اللوائح الإقليمية المراد تغييرها للتدقيق أمام المحكمة العليا، وهي أعلى مؤسسة قضائية ومحكمة الاستئناف النهائية في إندونيسيا.

كما أشارت غيتا إلى أن فريق العمل المعني بصياغة القانون الشامل اجتمع لمساعدة الحكومة في مشروع القانون الذي استقطب أصحاب الأعمال الكبيرة فقط، مثل جمعية أصحاب العمل في إندونيسيا. ويشير عدم تمثيل الشركات الصغيرة إلى أن مشروع القانون لن يستفيد منه إلا النخبة من المستثمرين.

المخاطر العالية

وأردفت الكاتبة أن الشكوك تساور نشطاء البيئة، خاصة من جرَّاء توسيع سلطات السلطة التنفيذية. إذ رُبط عديد من المشروعات العملاقة الكارثية في إندونيسيا بأباطرة مقربين من الوزراء في إدارة جوكو، لكن المخاوف من الأثر البيئي، قد أوقفت بنجاح بعض المشروعات فيما مضى.

Embed from Getty Images

على سبيل المثال، توقف مشروع مصنع الأسمنت الخاص بشركة «بي تي سيمن إندونيسيا» في مقاطعة جاوة الوسطى بسبب مخاوف المزارعين المحليين والسكان بشأن تدمير حوض المياه، وحُظِر مشروع استصلاح خليج بينوا المثير للجدل، المدعوم من رجل الأعمال سيئ السمعة تومي ويناتا، بسبب مخاوف من تآكل التربة.

تقول نور هداياتي، المدير التنفيذي للمنتدى الإندونيسي للبيئة، إن مشروع القانون سيعزز السلطة التنفيذية وحدها، وسيقلل من قوة عملية المراجعة البيئية، التي تنطبق الآن على المشروعات ذات المخاطر العالية فقط. وأشارت إلى أن «الحكومة المركزية هي وحدها التي تحدد ماهية المخاطر العالية».

كما أُلغيت جلسات الاستماع العامة، وتجري العملية برمتها الآن عبر الإنترنت. وأخبرت ليديا حنيفة أماليا، من حزب العدالة المزدهر، أحد أحزاب المعارضة، فورين بوليسي، بأن حزبها أعرب عن قلقه بشأن «مسألة السلطة الكاسحة». وأثار الحزب ونقابة عمالية بارزة الشكوك بشأن عدم عقد جلسات استماع علنية لمشروع القانون.

كما أشارت نينينغ إليتوس، رئيسة تحالف اتحادات ونقابات العمال الإندونيسية، إلى أن مجموعتها، التي تمثل 130 ألف عضو عبر إندونيسيا من القطاعات الصناعية، لم يُطلَب منها تقديم أي استشارة، وأن مشروع القانون يجرد العمال من عوامل حماية كبيرة. 

وعلى الرغم من الانتقادات، ما تزال الحكومة والبرلمان يناقشان مشروع القانون. وفي الأسبوع الماضي، قرر جوكو تأجيل جلسات الاستماع حول أقسام العمل في مشروع القانون، بعد أن هدد مئات الآلاف من العمال بتنظيم احتجاجات جماهيرية في 30 أبريل (نيسان). وقال جوكو إن «هذا سيقدم لنا فرصة لاستكشاف قضايا جوهرية في مشروع القانون، فضلًا عن استيعاب المدخلات المقترحة من أصحاب المصلحة».

سياسة

منذ سنتين
إندونيسيا.. هل تسير أكبر بلد إسلامي في طريق التطبيع مع إسرائيل؟

واستدركت الكاتبة قائلة: ومع ذلك، ستُناقش الأجزاء العشرة الأخرى من مشروع القانون، بما في ذلك الأجزاء الاقتصادية. وذكر تقرير صادر عن كومباس، أكبر صحيفة في البلاد، أن حزبي جولكار ونسديم، وهما يمثلان جزءًا من التحالف الحاكم، يضغطان لتحديد موعد لمناقشة مشروع القانون. وأكد فيرمان سوباجيو، وهو سياسي تابع لحزب جولكار، وعضو لجنة عمل مشروع القانون الجديد في البرلمان، أن حزبه ناضل باستمرار من أجل سَن القانون بهدف تحقيق نمو استثماري. لكنه قال إن جولكار سيأخذ في الاعتبار سحب المادة رقم 170 المثيرة للجدل.

وقال بثقة: «لن تتمكن أي من هذه المنظمات التي عارضتنا [المنظمات غير الحكومية والنقابات العمالية] من التدخل [في العملية]»، مما يشير ضمنًا إلى أن الحزب يحظى بدعم الفصيلين المهيمنَيْن الآخرَيْن في البرلمان، وهما حزبا نسديم وجيريندرا .

ومع استمرار العملية، دعت النقابات الحكومة إلى شطب أقسام العمل من مسودة القانون، ووعدت بشن حملة أوسع نطاقًا إذا لم يجرِ تغيير مشروع القانون. وحذرت جاميسيه، رئيسة اتحاد عمال المصانع، جوكو الأسبوع الماضي، من أن النقابات العمالية تريد سحب مشروع القانون أو تأخيره برمته.

وفي الوقت الذي يكافح فيه الإندونيسيون في جميع أنحاء البلاد للنجاة من أنياب الجائحة، فقَدَ كثير منهم وظائفهم، ويواجهون مستقبلًا بائسًا، فيما يتعلق بالعثور على موارد لكسب لقمة العيش، وهم بحاجة إلى مساعدة من الحكومة.

واختتمت الكاتبة مقالها قائلة: ولكن فور انتهاء الجائحة، سيكون النضال القادم للإندونيسيين هو مواجهة الرغبة الجامحة من جانب السياسيين ونخب رجال الأعمال، في دحر تقدم الديمقراطية واستعادة مركزية السلطة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد