يبدو أن إندونيسيا أكبر البلدان ذات الغالبية المسلمة في العالم من ناحية التعداد السكاني باتت مكانًا غير محتمل لحفلة مخصصة للخنازير.

بتلك الكلمات استهل ريتشارد بادوك مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا عن مساعي إندونيسيا للترويج للسياحة الحلال، وتتضمن منع تناول لحم الخنازير، الأمر الذي يقول المراسل إنه يثير حفيظة الأقليات المسيحية في البلاد.

يرصد بادوك مشاهد في مهرجان الخنازير الذي أقيم الشهر الماضي على ضفاف بحيرة توبا بجزيرة سومطرة، حيث تجمع أكثر من ألف شخص من أجل حضور سباقات للخنازير، والتقاط الصور السيلفي معها، وإقامة مسابقات مخصصة لرسم الخنازير، كما جاء المشاركون أيضًا لتناول لحم الخنزير المشوي.

مهرجان الخنازير وسيلة للتعبير عن رفض السياحة الحلال

يقول بادوك «كان المهرجان أكثر من مجرد احتفال بالخنازير، بل كان أيضًا وسيلة للمجتمعات المسيحية الكبيرة في المنطقة للرد على الجهود التي أقرتها الحكومة للترويج للنسخة المحافظة من الإسلام في جميع أنحاء البلاد وفي إقليمهم».

Embed from Getty Images

وخلال الأشهر الأخيرة شمِل هذا التوجه نحو الإسلام المحافظ مقترح قانون يحظر ممارسة الجنس خارج إطار الزواج، وانتخاب نائب للرئيس أصدر فتوى ضد ارتداء قبعات «سانتا كلوز»، كما دفع الحكومة إلى تشجيع «السياحة الحلال»، وهي إجازات تتألف من أنشطة وأطعمة مسموح بها بموجب الشريعة الإسلامية.

ينقل بادوك عن توجو سيمورانجكير، وهو صاحب فكرة تنظيم مهرجان محلي للخنازير: «السياحة لا علاقة لها بالدين، لكنها تتعلق بالسعادة والمرح». يوضح بادوك أن هذا الشعور يضع السيد سيمورانجكير في خلاف مع المسؤولين الحكوميين وبعض جيرانه المسلمين في وقت تحاول فيه بحيرة توبا جذب المزيد من الاهتمام.

بحيرة توبا وجهة سياحية مستقبلية لإندونيسيا

وتُعد بحيرة توبا، وهي بحيرة رابضة في فوهة أكبر بركان في العالم، المركز التاريخي لسكان إثنية الباتاك في إندونيسيا ومعظمهم من المسيحيين ويشكلون واحدة من أكبر مجموعات الأقليات في البلاد.

لكن الحكومة تعتبرها واحدة من البقاع السياحية المستقبلية في البلاد، كما تخطط الحكومة لتعزيز السياحة في جميع أنحاء البلاد من خلال تطبيق نموذج بالي على عشر جزر على أمل تكرار نجاح تجربة الجزيرة كوجهة لقضاء العطلات فيها. 

تُعد بحيرة توبا إحدى الأولويات الكبرى لهذا البرنامج، ولكن مع زيارة 213 ألف أجنبي فقط لتلك المنطقة خلال العام الماضي، فلا يزال الطريق أمامها طويلا.  وشيدت الحكومة مطارًا جديدًا بالمنطقة في عام 2017، لكن حادث انقلاب عبارة مكتظة بالركاب أسفر عن مقتل 188 شخصًا العام الماضي، لم يساعد في جذب السائحين للمنطقة.

غضب مسيحي من سعي الحكومة لإرضاء السائحين المسلمين

واجتذبت إندونيسيا عددًا قياسيًا من السياح الأجانب في عام 2018، ومن بين 15.8 مليون زائر كانت أكبر مجموعة من ماليزيا، وهي دولة ذات غالبية مسلمة، وكانت ثاني أكبر مجموعة من السائحين من الصين المحبة للحوم الخنزير، حيث يشكل المسلمون أقلية فيها.

Embed from Getty Images

وعبر سيمورانجكير ومسيحيون آخرون من إثنية الباتاك عن استيائهم حيال خطة الحكومة للانتقاص من شأن تقاليدهم والتي تشمل تناول لحم الخنزير، وذلك من أجل إرضاء السائحين المسلمين. 

وقال سكان مسيحيون إن الزعماء المسلمين في البحيرة يستخدمون عباءة السياحة الحلال لدفع السياسات التمييزية، كما دعا أحد زعماء المسلمين لحظر تناول لحم الخنزير في الأماكن العامة وارتداء ملابس السباحة الغربية – خاصة بدلات السباحة النسائية – إلا في مناطق معينة.

يقول هالاسان سيمانجونسونج وهو مسؤول أحد المساجد في بلدة باليجي الواقعة على البحيرة: «بالنسبة للأشخاص الذين يرغبون في تناول لحم الخنزير، سيتم منحهم مكانًا خاصًا.. سيتم تقديم منطقة خاصة للسائحين الأجانب حتى يقوموا بما يريدون».

الخنزير ورمزيته

يشير بادوك إلى أن تلك القيود المفروضة على الطعام والملبس، والتي يخشاها البعض من إثنية الباتاك، لا تنطبق على الزوار الأجانب فحسب، بل على السكان المسيحيين أيضًا.

ينوه أيضًا إلى الرمزية التي يحملها الخنزير لدى المسلمين والمسيحيين حيث يستخدمه كل طرف للدفاع عن تقاليده، فبالنسبة للمسلمين الذين يشكلون تقريبًا نسبة 90% من سكان إندونيسيا، فتناول لحم الخنازير أو حتى لمسها أمر مُحرم. لكن بالنسبة للمسيحيين من إثنية الباتاك، فالخنازير جزء من حياتهم اليومية كما يعد تقديم لحمها جزءًا أساسيًا من كل احتفال مهم، من الميلاد وحتى الممات. 

يقول أونيد سيريجار المرشد السياحي بمتحف باتاك في باليجي والذي يقوم بتربية 20 خنزيرًا في منزله: «إن الخنزير يُعد رمزًا للفخر لشعب الباتاك، ففي كل احتفال يجب أن يكون لحم الخنزير أحد الذبائح». وحتى اليوم، يعيش العديد من القرويين في منازل خشبية مرتفعة مرفوعة مع وجود مساحة أسفل منازلهم مخصصة للخنازير.

يقول الكاهن مارتونجو سيتينجاك المسؤول عن كنيسة باتاك البروتستانتية إحدى أكبر المنظمات الدينية في إندونيسيا: إن «حياتنا كلها مرتبطة بالخنزير، ولا يأتي ذلك من الدين أو التعاليم المسيحية، بل من الثقافة».

وظهرت خطة جذب المزيد من السائحين المسلمين، خاصة من ماليزيا المجاورة وبروناي، في أغسطس (آب) عندما اقترح حاكم إقليم سومطرة الشمالية المسلم إدي رحمن يادي، بناء المزيد من المساجد بالقرب من البحيرة وإنهاء ذبح الخنازير في الأماكن العامة. وقال: «إذا لم تقوموا ببناء مساجد هناك، فإن الزوار لن يأتوا.. إذا قمتم بذبح الخنازير، ربما يأتون غدًا، لكنهم لن يأتوا مجددًا». 

وعندما انتشرت إدانة واسعة النطاق لتصريحات الحاكم على الإنترنت بين ناخبيه المسيحيين، أكد إيدي على أنه لم يدعُ مطلقًا إلى السياحة الحلال.

منافسات ومسابقات في حلبة الخنازير

وكان أبرز ما في مهرجان الخنزير الذي استمر يومين مسابقة لاصطياد الخنازير شهدت تنافسًا بين مجموعات من الرجال والصبية معصوبي الأعين في حلبة صغيرة وهم يحاولون الإمساك بخنزير صغير.

Embed from Getty Images

كانت تلك اللعبة أشبه بمنافسات الخنازير في مسابقات الروديو الأمريكية ومعارض المقاطعات، لكن وضع عصابة على أعين المتسابقين أضفت بعدًا آخر من الكوميديا الهزلية.

وتجمهر مئات الأشخاص حول سياج الحلبة، يضحكون بصوت عالٍ في كل مرة لا يستطيع المتسابق الإمساك بخنزير، وفي أكثر من مرة أمسك رجل بخنزير لينتهي به المطاف على الأرض مع متنافس آخر؛ مما زاد من الضحك والسخرية من جانب المتفرجين.

الخنازير وامتناع السياح عن زيارة بحيرة توبا

وقال سيمورانجكير منظم مهرجان الخنازير: «إن لحم الخنازير ليس هو الذي يمنع السائحين من المجيء لبحيرة توبا، بل التلوث البيئي».

وفسّر ذلك بأن شركات من خارج المنطقة دخلت للغابات المحيطة بالبحيرة بعد الحصول على إذن من الحكومة المركزية، وقامت بعمليات استزراع سمكية أدت إلى تلوث البحيرة والتي كانت تشتهر سابقًا بمياهها الصافية.

واعتبر أن تعزيز السياحة في بحيرة توبا لا ينبغي أن يتم من خلال وضع علامة السياحة الحلال، بل بغلق الشركات التي تدمر المظاهر البيئية للبحيرة.

إندونيسيا.. هل تسير أكبر بلد إسلامي في طريق التطبيع مع إسرائيل؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد