تخشى عشيرة من السكان الأصليين أن تفقد مكانها في العالم بسبب مساعي إندونيسيا لبناء ميناء فضائي واستمالة مؤسس سبيس إكس الملياردير إيلون ماسك.

كتب ديرا مينرا سيجابات، مراسل «نيويورك تايمز» في إندونيسيا، وريتشارد بادوك، صحفي عمل مراسلًا للشؤون الخارجية في 50 دولة في خمس قارات، تحقيقًا حول مساعي الحكومة الإندونيسية إقامة ميناء فضائي تنطلق منه الصواريخ إلى الفضاء على جزيرة صغيرة على المحيط الهادي يعيش عليها عدد من السكان الأصليين، وليس لهم مصدر دخل سوى ما يزرعونه على أرض الجزيرة أو يصيدونه من البحر المتاخم لها، والذي قد يحجبه عنهم الميناء المزمع إقامته إلى جانب سلب أراضيهم التي يعيشون عليها منذ أجيال.

وفي بداية التحقيق، يوضح المراسلان أنه على مدى 15 جيلًا، عاش أفراد عشيرة أبراو مثل أسلافهم، يزرعون أراضي الغابات المطيرة باستخدام المحاريث الخشبية، ويجمعون النباتات الطبية وينصِبون الفخاخ لصيد الثعابين والخنازير البرية.

العالم والاقتصاد

منذ شهر
«جاكوبين»: أثرياء العالم يحتفلون في الفضاء بينما تحترق الأرض!

والأرض التي يعيشون عليها في جزيرة بياك تمثل كل شيء لهم: هويتهم ومصدر رزقهم وصلتهم بأسلافهم. ولكن الآن، تخشى العشيرة الصغيرة أن تفقد مكانها في العالم في ثنايا سعي إندونيسيا الطويل للانضمام إلى عصر الفضاء. وبحسب التقرير فقد استحوذت الحكومة الإندونيسية على 250 فدانًا من أراضي أسلاف العشيرة منذ عقود، وخططت منذ عام 2017 لبناء ميناء فضائي صغير الحجم هناك لإطلاق الصواريخ إلى الفضاء، يقول زعماء العشيرة إن المشروع يجبرهم على ترك منازلهم.

عرض شخصي من الرئيس الإندونيسي

يلفت التحقيق إلى أن رئيس إندونيسيا، جوكو ويدودو، قدَّم عرضًا شخصيًّا لمؤسس شركة سبيس إكس، إيلون ماسك، العام الماضي بشأن فكرة إطلاق صواريخ من إندونيسيا، دون ذكر أي موقع. ولم يلتزم ماسك بعد بصفقة ولم يبدِ أي تعليق على هذا العرض علنًا. لكن احتمال مشاركته أدَّى إلى موجة من النشاط من جانب مسؤولي جزيرة بياك للترويج للموقع، بالإضافة إلى تجدد المعارضة من جانب السكان الأصليين الذين يعيشون على الجزيرة.

ويُعد بناء ميناء فضائي جزءًا من جهود جوكو لتحديث الدولة الجزرية في جنوب شرق آسيا عن طريق بناء مطارات ومحطات طاقة وطرق سريعة جديدة، ويتم هذا غالبًا مع قليل من الاهتمام بالعواقب البيئية. كما أن هذه المساعي جزء من تاريخ الدولة المتقلب المتمثل في استخدام أساليب مشكوك فيها للحصول على الأراضي من السكان الأصليين، مما يترك بعض الجماعات في فقر مدقع بينما يستفيد الإندونيسيون المؤثرون والشركات الدولية.

يقول زعماء قبيلة بياك إن بناء ميناء فضائي في الموقع يعني قطع الأشجار في غابة محمية وإزعاج موطن الطيور المهددة بالانقراض وطرد عشيرة أبراو.

Embed from Getty Images

السكان المحليون يرفضون المشروع

ينقل التحقيق قول أبولوس سروير، رئيس مجلس بياك العرفي، وهو تجمع لزعماء العشائر: «موقف السكان الأصليين واضح: نحن نرفض الخطة. ولا نريد أن نفقد مزارعنا بسبب هذا الميناء الفضائي. ونحن لا نأكل من الأقمار الصناعية، ولكننا نأكل القلقاس، والأسماك من البحر. وهذا هو أسلوب حياتنا على مدى أجيال. أخبروا إيلون ماسك أن هذا هو موقفنا».

وتقع بياك شمال جزيرة غينيا الجديدة، وهي جزء من مقاطعة بابوا في إندونيسيا، وتبلغ مساحتها 1800 كيلو متر مربع تقريبًا. وخلال الحرب العالمية الثانية، هزمت القوات الأمريكية اليابانيين هناك في معركة رئيسة، حيث قاتل الجنرال دوجلاس ماك آرثر لاستعادة المحيط الهادئ. وأصبحت بياك جزءًا من إندونيسيا في ستينيات القرن الماضي بعد أن سلَّمت الأمم المتحدة منطقة بابوا الغربية الهولندية السابقة شريطة أن تجري إندونيسيا تصويتًا شعبيًّا.

وبدلًا من ذلك، وفي تصويت عام 1969 الذي عدَّه عديد من سكان بابوا مزورًا، اعتقلت إندونيسيا ألفًا من زعماء القبائل – بما في ذلك زعماء بياك – واحتجزتهم حتى صوتوا للانضمام إلى إندونيسيا فيما أصبح يُعرف على نحو متناقض باسم «قانون الاختيار الحر».

شجرة الهليوتروب المقدسة

يلمح التحقيق إلى أن عشيرة أبراو الآخذة في الاضمحلال، وهي واحدة من 360 عشيرة في بياك، تضم الآن حوالي 90 عضوًا، يعيش معظمهم في قرية واربون، على الجانب الشمالي الشرقي من الجزيرة، الواقع على بعد حوالي ميل ونصف من موقع ميناء الفضاء المقترح. ومركز حياة العشيرة هو شجرة الهليوتروب المزهرة بجانب المحيط.

وتتدفق الأمواج برفق حتى تصل إلى الرمال البيضاء القريبة من هذه الأشجار، وتطير الفراشات السوداء والبُنِّية والبيضاء بين أغصانها. ويَعُد أعضاء العشيرة الشجرةَ مقدسة ويقولون إنها تمثل أصل أبراو. وغالبًا ما يزورون الشجرة لتقديم القرابين والصلاة لأسلافهم. وفي بعض الأحيان، يجتمعون هناك ويخيِّمون لعدة أيام. وإذا بُنيَ ميناء فضائي، فسوف يصعب الوصول إلى الشجرة وكذلك الشاطئ، حيث تصطاد عشيرة أبراو في الغالب، وسيكون من الصعب أيضًا الوصول إلى الغابة التي يزرعون فيها.

Embed from Getty Images

 يقول مارثين أبراو، زعيم العشيرة، بينما كان جالسًا في ظل الشجرة المقدسة بعد ظهر أحد الأيام مؤخرًا: «يعتقد سكان بابوا أن الأرض هي الهوية. وسوف نفقد هويتنا (إذا بُنيَ الميناء الفضائي)، ولن تقبلنا أي عشيرة أخرى على أرضها. أين سيذهب أبناؤنا وأحفادنا؟».

ووجد بعض أفراد العشيرة عملًا في أجزاء أخرى من إندونيسيا، لكن أولئك الذين بقوا في واربون يعيشون إلى حد كبير على الأسماك التي يصطادونها والقلقاس والكسافا والبطاطا التي يزرعونها. وتمارس العشيرة الزراعة البدوية، وتزيل الأشجار في الغابة من أجل زراعة المحاصيل في موقع جديد كل عامين.

ويمشي البعض أو يركب دراجات نارية إلى قرية كوريم القريبة للعبادة في كنيسة بنيل الإنجيلية المسيحية. وتضم قرية واربون، التي يقطنها أكثر من ألف شخص، أفرادًا من عديد من العشائر الأخرى الذين تزوجوا من قبيلة أبراو، لكنهم يحتفظون بهوية عشيرة أسلافهم الذكور. وتعارض الكنيسة أيضًا بناء ميناء فضائي.

المكان مثالي لإطلاق الصواريخ

وينقل التحقيق عن المسؤولين الإندونيسيين الذين يدعمون المشروع قولهم إن بياك، التي تقع على بعد 112 كيلو مترًا فقط جنوب خط الاستواء وتواجه المحيط الهادئ، ستكون مثالية لإطلاق الصواريخ. ولدى شركة سبيس إكس خطط لوضع عشرات الآلاف من أقمار الاتصالات في المدار في السنوات القادمة.

وقال حاكم بياك، هيري أريو ناب، الذي يدافع عن بناء الميناء الفضائي: «هذه ثروتنا. والمناطق الأخرى قد يكون لديها النفط أو الذهب. ونحن لدينا موقع جغرافي إستراتيجي».

ريادة أعمال

منذ 3 شهور
ملياديرات العالم يتصارعون على غزو الفضاء.. هل يصبح 2022 عام السياحة الفضائية؟

وفي استمالته لماسك، اقترح جوكو أن تتعاون شركة تسلا للسيارات المملوكة لماسك، أيضًا مع إندونيسيا لتصنيع بطاريات السيارات الكهربائية، حيث تعد إندونيسيا أكبر منتج للنيكل في العالم، وهو مكون رئيس في هذه الصناعة. وقال مسؤولون إن فريقًا من سبيس إكس زار إندونيسيا في وقت مبكر من هذا العام لمناقشة التعاون المحتمل.

وقدمت تسلا عرضًا لإنتاج البطاريات إلى إندونيسيا في فبراير (شباط)، لكن الحكومة رفضت الكشف عن التفاصيل. ولم يستجب ماسك وشركاته لطلبات التعليق. وفي سبتمبر (أيلول)، عزز جوكو برنامج الفضاء من خلال زيادة ميزانيته 20 ضعفًا ووضعه تحت إشراف الوكالة الوطنية للبحث والابتكار الجديدة، والتي تتبعه مباشرةً.

بياك ليست الخيار الوحيد

ونقل التحقيق عن لاكسانا تري هاندوكو، رئيس الوكالة الذي قام شخصيًا بتفقد موقع بياك الشهر الماضي، قوله إن الجزيرة ظلت خيارًا قابلًا للتطبيق، لكن بناء الميناء الفضائي الكبير الذي يتصوره سيتطلب 10 أضعاف تلك المساحة من الأرض. وقد يدفعه الجدل حول موقع بياك إلى اختيار موقع بديل، مثل جزيرة موروتاي، الواقعة على بعد حوالي 550 ميلًا شمال غرب بياك.

وقال إن العامل الرئيس سيكون التأكد من أن الحكومة لديها ملكية «واضحة ونظيفة» للأرض. وقال «بياك ليس المكان الوحيد. ولدينا خيارات عديدة». وتُظهر الخرائط الحكومية أن جميع أراضي أسلاف عشيرة أبراو تقريبًا، بما في ذلك بعض المنازل، تقع داخل منطقة عازلة مقترحة سيجرى إخلاؤها من الأشخاص في حالة بناء الميناء الفضائي الصغير. وتوضح الخرائط أيضًا أن موقع المشروع الأصلي يقع بالكامل تقريبًا داخل غابة محمية.

Embed from Getty Images

وتقول وكالة الفضاء منذ مدة طويلة إنها اشترت الموقع الذي تبلغ مساحته 250 فدانًا من عشيرة أبراو في عام 1980. لكن العشيرة تقول إنها لم تبع الأرض أبدًا. وقال زعماء العشائر إن أربعة رجال وقَّعوا على وثيقة تمنح الوكالة حق الملكية ليسوا من أفراد العشيرة وليس لهم الحق في البيع.

وقالوا إن الجيل الأكبر سناً كان خائفًا من الاعتراض، لأن الجيش الإندونيسي كان ينفذ عمليات عسكرية في بياك، وأي شخص ينتقد الحكومة يمكن أن يُسجن باعتباره انفصاليًّا.

وقال جيرسون أبراو، القس البروتستانتي وابن عم زعيم العشيرة: «الصمت كان الخيار الوحيد». ورفض تأكيدات الحكومة بأن الميناء الفضائي سيوفر فرص عمل. وأضاف: «يقولون إن مشروع الميناء الفضائي سيوفر فرص عمل، لكن لا يوجد خبير فضاء في عشيرتنا وفي قرانا. وما يقصدونه هو ثلاث سنوات من قطع الأشجار وإزالة الجذور وحفر الأساسات. وبعد ذلك، ستكون هناك وليمة لتوديعنا وبعد ذلك لن يتمكن أحد من دخول المنطقة إلا من لديهم بطاقة دخول»، بحسب ما يختم المراسلان التحقيق.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد