نشر موقع شبكة «سي إن إن» الأمريكية تحليلًا لأليسون مورو، كبيرة محرري قسم الأعمال بالقناة، أشارت فيه إلى أن التضخم الذي تشهده أمريكا حاليًا يحابي الطبقة العاملة التي ستستفيد من ارتفاع الأجور مع ثبات قيمة ديونها، لا سيما ديون الرهن العقاري لمدة 30 عامًا، موضحةً أن الخاسرين من هذا التضخم سيكونون أصحاب الثروات الذين يستثمرون مبالغ ضخمة في السندات الحكومية؛ إذ ستتقلص القوة الشرائية لمدخراتِهم.

وتستهل الكاتبة تحليلها بالتأكيد على أنه لا أحد يحب أن يدفع أموالًا أكثر من اللازم مقابل الأشياء التي يشتريها أو ينتفع بها؛ وهذا هو السبب في أن التضخم، وخاصةً الزيادات الحادة في الأسعار التي شهِدناها في الأشهر الأخيرة، يبدو وكأنه كلمة سيئة.

ولكن بوجهٍ عامٍّ، يمكن أن يكون التضخم شيئًا جيدًا لعديد من الأمريكيين من الطبقة العاملة، خاصةً أولئك الذين يجب عليهم سداد ديون ذات فائدة ثابتة مثل الرهن العقاري لمدة 30 عامًا؛ وذلك لأن الأجور آخذةٌ في الارتفاع، الأمر الذي لا يمكِّن العمال من الحصول على المال فحسب، بل يوفر لهم أيضًا مزيدًا من المال لسداد الديون؛ وبالإضافة إلى ذلك، في حالة وجود قرض عقاري، ستكون مدفوعاتك الشهرية هي نفسها، ولكن قيمة منزلك ستزيد.

دولي

منذ شهر
مترجم: لماذا قلَّت ثقة الأمريكيين في جيشهم بنسبة 50%؟

وينتمي كثير من الأشخاص، الذين يخسرون كثيرًا عندما ترتفع الأسعار، إلى أصحاب الثروات الكبيرة الذين يملكون الغالبية العظمى من السندات الحكومية، والمشكلة هي أنك لن تشعر بالجانب الإيجابي لهذه السندات على الفور؛ يقول كينت سميتيرز، أستاذ اقتصاديات الأعمال في كلية وارتون للأعمال: إن «هناك ضوءًا في نهاية النفق، وقد يستغرق الأمر نحو عامين ليس أكثر».

ديون أمريكا القياسية

توضح الكاتبة أن الفوائد الفورية للتضخم للناس العاديين أقل واقعية من عيوبه، فأنت تشعر بالألم بسبب فاتورة مشترياتك من متجر البقالة والصدمة من تكلفة ملء خزان الوقود في السيارة، والعبء المتناقص لديونك أقل وضوحًا، ولكن لا يزال كبيرًا.

يقول سميترز: «إذا كنت تقترض بسعر ثابت، مثل الرهن العقاري لمدة 30 عامًا، فأنت منتفع من ارتفاع التضخم، وغالبًا ما نفكر في الرهن العقاري لمدة 30 عامًا على أنه تحوُّط ضد التضخم»؛ بعبارةٍ أخرى تظل تكلفة الرهن العقاري ثابتةً، بينما يرتفع الأجر الذي تدفع منه لسداد ديون ذلك الرهن العقاري، إنه ليس حدثًا متزامنًا تمامًا، بالطبع لا ترتفع الأجور على الفور مع التضخم، لكنها في النهاية ترتفع، وفقًا لما يقوله سميترز.

Embed from Getty Images

وتشكل الرهون العقارية، والغالبية العظمى منها عبارة عن قروض ثابتة السعر لمدة 30 عامًا، ما يقرب من 11 تريليون دولار من ديون أمريكا القياسية الحالية البالغة 15 تريليون دولار؛ وفي الوقت نفسه، ترتفع الأجور جنبًا إلى جنب مع الأسعار، مما يؤدي بالأساس إلى تقلُّص القيمة الحقيقية لذلك الدين، وتنطبق مزايا التضخم نفسها على أي شخص يسدد قروض الطلاب الفيدرالية، والتي لها أيضًا معدل فائدة ثابت، ومع زيادة دخلك، فأنت تحصل بالأساس على خصم على ما يتعين عليك سداده، وحتى الآن لم يواكب نمو الأجور على نطاقٍ واسعٍ الزيادات في الأسعار، لكن المحللين يقولون إن ذلك قد يتغير في العام الجديد حيث تبدأ اختناقات الشحن في التراجع.

وتشير الكاتبة إلى أنه جرى تعزيز دخول الأسر من خلال التحويلات الحكومية مثل مدفوعات التحفيز وإعانات البطالة، وفي الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام، كانت الدخول الشخصية – والتي تشمل الأجور المكتسبة والمدفوعات الحكومية – أعلى بنسبة 15% عما كانت عليه في عام 2019، كما يقول دانيال ألبرت، الشريك الإداري في بنك ويست وود كابيتال الاستثماري.

ويقول ألبرت: «هذه هي مئات المليارات من الدولارات.. وجاءت بالفعل إضافةً إلى المدخرات المتراكمة العالية جدًّا من جانب الأسر، والتي تراكمت نتيجة لعدم وجود وجوه للإنفاق نظرًا للقيود التي فُرِضت على حركة جميع الناس في عام 2020» بسبب كوفيد-19.

الخاسرون من التضخم

بالطبع، لا تنكمش كل الديون مع التضخم، وارتفعت أسعار الفائدة على بطاقات الائتمان، والتي لا تعد ثابتةً إلى حدٍّ كبير، هذا العام إلى متوسط ​​17.13%، أقل بقليل من أعلى مستوى قياسي بلغ 17.14% في عام 2019، وفقًا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، وأي شخص يعيش على دخلٍ ثابتٍ، مثل المتقاعدين، الذين لا يستفيدون من زيادات الأجور التي يشهدها الناس في القوى العاملة، يشعر بمعاناة زائدة مع ارتفاع الأسعار.

وهناك مجموعة أخرى تتعرض للضرر وهم الأشخاص الذين يتعاملون مع السندات الحكومية، وعليك أن تفكر في الأسر التي لديها أكثر من مليون دولار، والذين يستثمرون عادةً في كلٍّ من الأسهم والديون.

Embed from Getty Images

يقول سميترز: «مَنْ هم الأشخاص الذين سيتضرَّرون من خلال الاحتفاظ بكثيرٍ من السندات لأجل 10 سنوات أو حتى سندات 30 عامًا»؟ يقول سميترز إن هؤلاء غالبًا ما يكونون أسرًا ذات دخل أعلى؛ و«لذا فهم يخسرون مع ارتفاع معدلات التضخم»، ويرجع هذا إلى أن حاملي السندات، الذين يُقرِضون الأموال للحكومة بالأساس، سيجرى سداد مستحقاتهم بأموالٍ ذات قوةٍ شرائيةٍ أقل.

 مؤشر ثقة المستهلك

ومع ذلك، هناك جانب نفسي بغيض للتضخم، مما يجعل من الصعب تحديد الرابحين والخاسرين بوضوح؛ لأنه على الرغم من أن الأجور ترتفع ونمو الوظائف يقوى، يشعر الأمريكيون بالقلق بشأن حالة الاقتصاد، وتنوه الكاتبة إلى أن مؤشر ثقة المستهلك انخفض إلى أدنى مستوى له خلال عقدٍ من الزمن في أوائل نوفمبر (تشرين الثاني)، وفقًا للبيانات التي جمعتها جامعة «ميشيجان».

وقال الاقتصاديون في شركة ويلز فارجو للخدمات المالية في مذكرة حديثة: «تداعيات نوفمبر تشير إلى التضخم في كل جوانبها»، وقال واحد من كل أربعة أشخاص شملهم الاستطلاع: إن التضخم أدَّى إلى تدهور مستويات معيشتهم، وقال نصفهم إنهم يتوقعون أن يقضي التضخم على أي مكاسب للأجور حصلوا عليها خلال العام الماضي.

وقالت ويندي إيدلبيرج، وهي باحثة اقتصادية كبيرة في معهد بروكينجز: إن «إحساسي هو أن الناس مرهقون من مستوى الفوضى التي نعاني منها، والتضخم أحد الأعراض، والاقتصاد ينتعش لدينا، ولكن إلى متى سوف ينتعش، ولصالح مَنْ ينتعش؟ وهل ينتعش بطريقةٍ صحيةٍ؟ أم ينتعش بطريقةٍ غير صحيةٍ»؟

واختتمت الكاتبة تحليلها بقول ويندي إيدلبيرج: «يبدو التضخم وكأنه دليلٌ ملموسٌ حقًّا على أننا لا نعرف كيف تمضي الأمور».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد