في مقالٍ نشره موقع «لايف ساينس» الإخباري للعلوم، حاولت العالِمة ستايسي كيش، التي تركز أبحاثها على علوم الأرض، من خلال عديد من الدراسات والأبحاث معرفة ما حدث على كوكب الأرض عندما اصطدم به المُذنَّب، الذي قضى على الديناصورات قبل ملايين السنين.

تستهل الكاتبة مقالها بالقول إن فوهة «تشيكشولوب»، المخبأة تحت مياه خليج المكسيك، تُمثل موقع حادثة اصطدام المُذنَّب بكوكب الأرض قبل 66 مليون سنة، وكانت النتيجة الأكثر أهمية لهذا الحدث الكارثي هي الانقراض الجماعي الخامس، الذي قضى على نحو 80% من جميع أنواع الحيوانات، بما فيها الديناصورات غير الطافية.

ما الذي حدث فعلًا عندما اصطدم المُذنَّب بالأرض؟

تجيب الكاتبة عن السؤال بالإشارة إلى ما جمعه العلماء، من خلال دراسة الجيولوجيا في كل من فوهة «تشيكشولوب» وفي جميع أنحاء العالم، عن الذي حدث في ذلك اليوم المشؤوم وما تلاه من سنوات. وأفادت دراسة نشرتها مجلة «نيتشر كوميونيكيشن» في عام 2020 أنه حتى قبل اصطدام المُذنَّب بكوكب الأرض في أكثر زواياها المدمرة، كان الكوكب مهيأ للهلاك والتدمير.

البيئة

منذ شهرين
مترجم: سيصبح كوكبًا آخر.. كيف سيؤثر تغير المناخ في الأرض بحلول عام 2500؟

وأوضح شون جوليك، أستاذ الأبحاث في معهد الجيوفيزياء في جامعة تكساس والذي قاد فريق الدراسة، أن قُطر هذا المُذنَّب كان يبلغ نحو 7.5 أميال (12 كيلومترًا) وكانت سرعته نحو 27 ألف ميل في الساعة (نحو 43 ألف كم في ساعة) عندما أحدث حفرة ضخمة على سطح الكوكب يصل عرضها إلى 124 ميلًا (200 كيلومتر)، والأهم من ذلك، أن المُذنَّب ضرب الكوكب بنحو 60 درجة فوق الأفق. وكانت هذه الزاوية مُدمِّرة بصفة خاصة لأنها سمحت للاصطدام بانبعاث كمية هائلة من الأتربة والهباء الجوي في الغلاف الجوي لكوكب الأرض.

وأشار جوليك إلى الأدلة التي توصَّل إليها زميله من المنطقة التي وقع فيها الاصطدام لتعزيز عمليات محاكاة الاصطدام الزاوي بكوكب الأرض، بما فيها البنية غير المتكافئة للفوهة، وموضع صخور الوشاح (أكبر طبقة في جسم الكواكب والتي تحدها من الأسفل نواة وفوقها قشرة) ذات النتوءات المعوجة لأعلى، وسلسلة الرواسب الفريدة المكتشفة في العينات التي جُمعت من المنطقة، لا سيما عدم وجود نوع مميز من الصخور في العينات، يُسمى المتبخرات (أو رواسب التبخر)، مثل ترسبات الهالايت والجبس.

Embed from Getty Images

وتُنوِّه كاتبة المقال إلى أن فريق جوليك قدَّر أن أثر الاصطدام كان سيؤدي إلى تبخر الصخور التبخيرية، وإرسال 325 جيجا طن (جيجا طن= مليار ألف طن) من الكبريت على شكل رذاذ كبريت، بالإضافة إلى 435 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، ووفقًا لدراسة أجريت في عام 2014 ونُشرت في مجلة «نيتشر جيوساينس»، فإن المادة التي تبعثرت بقوة في الغلاف الجوي تتكون بصورة كبيرة من الصخور المنصهرة المسحوقة وقطرات حمض الكبريتيك، والتي جاءت من الصخور البحرية الغنية بالكبريت، والمعروفة باسم الأنهيدريت، التي تبخرت أثناء اصطدام المذنب بكوكب الأرض.

موجات تسونامي وانقراض حيوانات بحرية!

وأسفرت هذه السحابة من المواد الدقيقة جدًّا عن تكوين غطاء كسا كوكب الأرض، مما أدَّى إلى الحد من كمية الحرارة المنبعثة من الشمس وضوئها، وأسهمت البرودة الناشئة على المدى الطويل بسبب هذا الغطاء إلى تغيير مناخ الكوكب تغييرًا جذريًّا، ووجدت دراسة أُجريت في عام 2016 ونُشرت بمجلة «جيوفيزيكال ريسيرش ليترز» أن متوسط ​​درجة الحرارة في المناطق الاستوائية انخفض آنذاك من 81 درجة فهرنهايت (27 درجة مئوية) إلى 41 درجة فهرنهايت (5 درجات مئوية)، ومع أفول ضوء الشمس تدريجيًّا، تراجعت عملية التمثيل الضوئي وانهارت قاعدة السلسلة الغذائية في كوكب الأرض والمحيطات؛ مما أدَّى إلى انقراض الديناصورات وعديد من الحيوانات الأخرى.

وتلفت الكاتبة إلى ما وجدته دراسة عام 2014، أنه في الوقت نفسه، تمخض وجود حمض الكبريتيك في الغلاف الجوي عن استمرار هطول أمطار حمضية مميتة لأيام بعد الاصطدام، مما أسفر عن مقتل عدد لا يُحصى من الحيوانات البحرية التي تعيش في الجزء العلوي من المحيطات، فضلًا عن الحيوانات البحرية التي تعيش في البحيرات والأنهار.

وأفادت أبحاث النمذجة أن اصطدام المُذنَّب بكوكب الأرض تسبب أيضًا في حدوث موجات تسونامي هائلة، وهي موجات مائية سطحية تولدت عبر المحيطات الموجودة في الأرض، وبلغ ارتفاع هذه الموجات في البداية نحو واحد ميل (1.5 كم) ووصلت سرعتها إلى 89 ميلًا في الساعة (143 كم في الساعة)، بينما وصلت غيرها من الموجات إلى ارتفاعات جبارة، ومنها ما يصل إلى 46 قدمًا (15 مترًا) في المحيط الأطلسي و13 قدمًا (4 أمتار) في شمال المحيط الهادئ.

Embed from Getty Images

والأكثر، أن الأدلة الترسيبية من الأمواج الهائلة محفوظة في سجل المواد المترسبة في محيط ولاية لويزيانا، وكشفت عمليات مسح الاهتزازات الأرضية ثلاثية الأبعاد لعلم الجيولوجيا أسفل سطح لويزيانا عن وجود موجات عملاقة طويلة غير متساوية يبلغ ارتفاعها 52 قدمًا (16 مترًا) والتي تشير ثانية إلى موقع الاصطدام في خليج المكسيك.

واشتعلت النيران

وألمحت الكاتبة إلى أن الصخور المصهورة المسحوقة والرماد المتساقط على سطح الأرض بعد الاصطدام تسبب أيضًا في إشعال سلسلة من حرائق الغابات التي شبَّهها الباحثون بشواية لحم تشتعل بنيران جافة، وربما أسهم الدخان والرماد الزائد في برودة الغطاء الذي كسا الكوكب، مما أدَّى إلى تقليل كمية الضوء المنبعثة من الشمس.

وأشارت دراسة مهمة أجريت في عام 1980 ونُشرت في مجلة «ساينس» إلى أنه من السهل على علماء الجيولوجيا تحديد الزمن الذي اصطدم فيه المُذنَّب بكوكب الأرض عند فحصهم لطبقات الصخور: وعند فحص الصخور الموجودة حول العالم والتي يعود تاريخها إلى نهاية العصر الطباشيري قبل 66 مليون سنة، سنجد طبقة رقيقة من الطين المخصب بالإيريديوم، وهو عنصر نادر وجوده على كوكب الأرض ولكنه شائع بين الصخور الفضائية.

وتختتم الكاتبة مقالها بالإشارة إلى أنه بينما تُوجد أحداث كثيرة أخرى مدهشة ناجمة عن اصطدام المذنَّب بكوكب الأرض يُمكنها أن تأسر الخيال، بما في ذلك حرائق الغابات وأمواج تسونامي، يرى جوليك أن الأمر الأهم هو التغييرات التي طرأت على الغلاف الجوي للأرض، حيث أدَّى الغطاء المروع إلى استمرار البرودة لأكثر من عقد من الزمان. يقول جوليك إن: «الطريقة الوحيدة التي تؤدي إلى حدوث انقراض جماعي هي العبث بشيء يُؤثر في الكوكب بأسره، ويوجد لدينا هنا دليل واضح على حدوث ذلك».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد