كيف يعمل غروب الشمس؟ بالطبع نحب تأمل المنظر، ولكن “جولاندا بلاكويل” كانت تريد لصفها التفكير بعمق في هذا السؤال، أرادتهم أن يتخيلوا ويتساءلوا.

“بلاكويل”، التي تدرس مادة العلوم في مدرسة أوليفر ويندل هولمز المتوسطة في كاليفورنيا. قامت بتشغيل مقطع فيديو لغروب الشمس كجزء من درس الفيزياء عن الحركة.

سألتهم بلاكويل: “ما الذي يتحرك؟ ولماذا يتحرك؟” راودت التلاميذ العديد من الأفكار، ظن بعضهم أن الشمس هي التي كانت تتحرك، بعضهم الآخر، بالطبع، كان يعرف أن غروب الشمس هو نتيجة لدوران الأرض حول محورها.

بمجرد أن بدأ النقاش، بدأ التلاميذ بإلقاء الأسئلة بسرعة البرق، تقول، “عادة التحدي الأكبر الذي أواجه هو محاولة إبقائهم صبورين، ولكنهم غالبًا ما يحملون العديد من الأسئلة الملحة في أذهانهم”.

الفضول هو أحد أقوى الدوافع الأساسية عند البشر. و يجب أن نبني التعليم على أساس هذا السلوك. 

طرح التلاميذ للأسئلة ومحاولاتهم لاستكشاف الأجوبة هو ما يعيش أي مدرس جيد لمحاولة تحقيقه، وحب الاستطلاع أو الفضول هو صميم ذلك كله.

“بلاكويل”، كالعديد من المدرسين الآخرين، تعرف أنه عندما يصبح الأطفال فضوليين، فإن فرصة الإبقاء على تركيزهم وانتباههم تصبح أكبر.

ولكن لماذا؟ ما الفضول بالضبط وكيف يعمل؟ نشرت دراسة في عدد أكتوبر لصحيفة Neuron، تقترح أن كيمياء العقل تتغير عندما نصبح فضوليين، مما يساعدنا على التعلم وحفظ المعلومات في الذاكرة بصورة أفضل.

عندما تعمل أدمغتنا ونحن في حالة الفضول

“في أي يوم، نصادف وابلاً من المعلومات الجديدة،” يقول “تشاران رانجاناث”، عالم نفسي في “جامعة كاليفورنيا، ديفيس”، وواحد من الباحثين المشاركين في الدراسة المذكورة. “ولكن حتى الأشخاص ذوو الذاكرة الجيدة لا يستطيعون تذكر إلا جزء بسيط مما حدث من يومين سابقين.”

“رانجاناث” كان لديه الفضول ليستكشف لماذا نحتفظ ببعض المعلومات وننسى بعضها.

ولهذا قام هو وزملائه بتجميع 19 متطوع وطلبوا منهم مراجعة أكثر من 100 سؤال سهل. أسئلة مثل، “ماذا تعني كلمة ديناصور؟” و “ما الأغنية التي أداها فرقة Beatles، التي استمرت على قائمة الإصدارات لمدة 19 أسبوعًا؟”

قام المشاركون في التجربة بتقييم كل سؤال من ناحية مدى فضولهم لمعرفة الإجابة.

بعد ذلك، قام جميع المشاركين في التجربة بمراجعة الأسئلة- و أجوبتها- وفي تلك الأثناء كان الباحثون يراقبون النشاط العقلي بواسطة جهاز الرنين المغناطيسي. عندما كان الفضول لدى المشاركين يتم استفزازه، كان نشاط أجزاء المخ المسئولة عن تنظيم الإحساس بالمتعة والمكافأة يزداد. العقول الفضولية أيضًا أظهرت تزايد نشاط في منطقة “hippocampus،”، وهي المسئولة عن إنشاء الذكريات.

“هناك تلك الدائرة الكهربائية الأساسية التي تحفز البشر للخروج وإنجاز الأشياء التي تكون المكافأة جوهرها،” يوضح لنا “رانجاناث”، أن تلك الدائرة تضيء عندما نحصل على المال أو الحلوى. وتضيء أيضًا عندما نشعر بالفضول.

عندما يتم تنشيط هذه الدائرة، تطلق عقولنا مادة كيميائية تدعى “الدوبامين” التي تجعلنا نشعر بالسعادة. “يبدو أيضًا أن الدوبامين يلعب دورًا في تحسين الروابط للخلايا المشاركة في عملية التعلم.”

وبالفعل، عندما قام الباحثون باختبار المشاركين في التجربة حول ما تعلموه، الأشخاص الذين كانوا أكثر فضولاً، كانوا أفضل في تذكر الإجابات الصحيحة.

الفضول يساعدنا أيضا في تعلم الأشياء المملة، أيضًا.

كان هناك منعطف آخر في دراسة “رانجاناث”: خلال التجربة، كان الباحثون يقومون بعرض صور عشوائية لوجوه بشرية، بدون التوضيح للمشاركين أي سبب لعرض تلك الوجوه. الأشخاص الذي كان فضولهم متقدًا كانوا الأفضل في تذكر تلك الوجوه.

تفاجئ الباحثون بمعرفة أن العقول الفضولية أفضل أيضًا في تعلم ليس فقط المواضيع التي في أيديهم، ولكن أيضًا في تعلم أشياء أخرى- حتى و لو كانت، معلومات مملة بالصدفة.

يوضح لنا “رانجاناث”: “لنقل مثلاً إنك تشاهد الحلقة الأخيرة لبرنامج Breaking Bad، وأنت أيضًا من أشد المعجبين بهذا البرنامج، ولديك ذلك الفضول الشديد لمعرفة ما الذي سيحدث للشخصية الرئيسية في المسلسل، والتر وايت، بلا شك ستتذكر الذي حدث في الحلقة الأخيرة، ولكنك أيضًا قد تتذكر ماذا أكلت قبل بدء الحلقة، وماذا فعلت بعدها مباشرة.”

يستطيع المعلمون استخدام تلك الظاهرة لمصلحتهم في داخل الفصل، هذا ما تخبرنا به “إيفي مالايا“، أستاذ مساعد في “جامعة تكساس، أرلينجتون”.

تخبرنا مالايا، “لنقل مثلاً إن هناك طفل في الفصل يريد أن يصبح رائد فضاء، كيف بإمكانك ربط هذا الحلم بعملية تعلم جداول الضرب؟ قد تبدأ المعلمة الدرس مثلاً بمسألة لفظية تتعلق باستكشاف الفضاء لتثير فضول التلاميذ. في نهاية الدرس، قد يتذكر التلاميذ إجابة المسألة اللفظية، ولكنهم سيتذكرون أيضًا كيف استطاعوا إيجاد الإجابة عن طريق جدول الضرب. وبهذه الطريقة يصبح الأطفال في مقعد القيادة، ويتملكهم شعور جيد خصوصًا إذا اكتشفوا شيئًا ما، إذا استطاعوا  أن يبنوا معرفتهم بأنفسهم.”

وأضافت، “منذ سنين والمعلمون يستخدمون هذه الطريقة فطريًا، والآن أصبح العلم يدعمها. حب الاستطلاع هو واحد من أقوى الدوافع لدى البشر. ويجب أن نبني التعليم على أساس هذا الدافع.”

ما الذي لا نعرفه حتى الآن؟

هناك الكثير من الأشياء التي مازالت غير مفهومة عند العلماء عن الفضول. يخبرنا “رانجاناث”: “هناك دراسات معدودة عن هذا الموضوع، من الصعب جدًا دراسة الفضول.”

الباحثون لا يعرفون، على سبيل المثال، لماذا يصبح لدينا هذا التحمس للتعلم عندما يتملكنا الفضول، ولكن “رانجاناث”  يقول إن الأمر منطقي من وجهة النظر التطورية. يخبرنا: “ربما يكون لدينا دافع أساسي في عقولنا لمحاربة المجهول،” كلما عرفنا أكثر عن العالم، كلما استطعنا النجاة من كثير من مخاطره.”

يحاول أيضًا العلماء اكتشاف كم يستغرق أثر الفضول حتى يتلاشى- إذا على سبيل المثال أثرت فضول الطفل في أول اليوم الدراسي، هل سيستمر في استيعاب كل المعرفة إلى نهاية اليوم الدراسي؟ أم سيفقد اهتمامه؟

ما يريد “رانجاناث” معرفته لماذا يبدو بعض الأشخاص طبيعيًا لديهم فضول أكثر من غيرهم. هناك العديد من العوامل، بما فيها التوتر، التقدم في العمر وبعض الأدوية التي تؤثر على معالجة الدوبامين داخل العقل، ويخبرنا. أن العوامل الوراثية أيضًا قد يكون لها تأثير على مدى فضولنا.

يقول “رانجاناث”: “لو استطعنا استكشاف تلك الأشياء، سيكون لها تأثير كبير. قد نستطيع مساعدة الأشخاص الذين يشعرون بالملل مثلاً.”

“بلاكويل”، مدرسة العلوم في كاليفورنيا، تقول إنه ليس عليها التعامل مع هذه المشكلة كثيرًا.

وتخبرنا أن تلاميذها يحبون استكشاف المجهول بالنسبة لهم في العلوم مثل: ما الذي يحدث عندما تصطدم السيارة؟ لماذا تتدمر سيارة جراء الحادث أكثر من الأخرى؟ لماذا يشبه بعض الأشخاص عماتهم أكثر من أمهاتهم؟ كيف يعمل قوس قزح؟” وتكمل: “أحرص دائمًا على إخبار تلاميذي أنه لا يوجد سؤال غبي، وأن أساس العلم هو طرح الأسئلة والبحث عن أجوبتها.”

 

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد