«أتمنى لو أنكم عثرتم على ماء، فالماء يشجع الناس على العمل. أما النفط فيجعل الرجال يحلمون».

كانت تلك كلمات الملك إدريس حين جرى اكتشاف الذهب الأسود في ليبيا في خمسينيات القرن الماضي. اليوم، يبدو أن كلمات الملك السابق قد تحققت. في مرفأ السدرة – أكبر موانئ ليبيا النفطية ويقع بين البحر والصحراء – ثمة العشرات من الشاحنات المحترقة بفعل القتال الذي اندلع أواخر عام 2014.

وعلى الرغم من أن إنتاج النفط قد ارتفع مجددًا منذ الخريف الماضي، إلا أن موظفي واحة النفط – المملوكة للشركة الليبية الوطنية للنفط بالاشتراك مع ثلاث شركات أمريكية – مشغولون بإصلاح الضرر الذي لحق بالواحة. في الثالث من مارس (آذار) الماضي، توقفت جهودهم بسبب تحول درامي آخر في منطقة الهلال النفطي الليبية.

اشتعل الصراع للسيطرة على المنطقة الغنية بالنفط – التي تضم حوالي 70% من الاحتياطات النفطية الليبية – منذ بعض الوقت. وكان إبراهيم الجضران أول من يدخل إلى المنطقة في صيف عام 2013.

بوصفه قائدًا لحرس المنشآت النفطية الليبية – القوات الحكومية المكلفة بحماية منشآت النفط الوطنية – انشقّ عن الحكومة وفرض حصارًا على المنشآت النفطية – مما قلل من حجم الإنتاج – وطالب بإنشاء لجنة خاصة للتحقيق في ملابسات إدارة الموارد النفطية في عهد الرئيس السابق معمر القذافي.

دافع الشاب ذو الثلاثين عامًا – صاحب الشعر القصير والبزات الإيطالية – عن فكرة النظام الفدرالي، وهي فكرة رائجة هذه الأيام في منطقة برقة الشرقية.

نُقل عنه قوله في أواخر عام 2013 «نريد نظامًا فدراليًا في ليبيا، على أن تكون بنغازي هي العاصمة. ويجب إعادة توزيع الإيرادات النفطية وفقًا للقانون الصادر في عام 1958 (الذي يمنح نسبة 15% من الإيرادات للمنطقة المنتجة، ويمنح 15% أخرى للحكومة المركزية، وتذهب 70% من الإيرادات إلى المشروعات التنموية)».

لا يحظى الجضران بإعجاب الكثيرين في ليبيا، لكنه ما زال من ضمن المتنافسين على السيطرة على النفط الليبي، ويمنح الناس الطعام مقابل تأييده.

لا يتردد السكان والجماعات المسلحة في المناطق الأخرى في إغلاق خطوط النفط التي تمر عبر أراضيهم أو حصار مرافق التكرير المحلية طلبًا للوظائف أو لزيادة الأجور وخلافه.

أما الحكومة – التي تحصل على 90% من ميزانيتها من عائدات النفط – فليس بيدها حيلة. في صيف عام 2014، عندما انقسمت السلطة السياسية بين برلمان طبرق في الشرق والتجمع الوطني العام في طرابلس في الغرب، باتت المنطقة الخاضعة لسيطرة الجضران منطقة محايدة.

عملية فجر ليبيا

في أواخر عام 2014، شن تحالف ألوية فجر ليبيا – المتحالف مع التجمع الوطني العام في طرابلس – هجمات على منشآت الهلال النفطي تحت اسم عملية “فجر ليبيا»، وقد تسببوا في تدمير مئات الآلاف من براميل النفط – بما في ذلك سبعة مخازن من أصل 19 في منطقة السدرة – وتبلغ كلفة كل واحد منها 34 مليون دولار.

لكن اشتعال المعارك في غرب العاصمة طرابلس في بلدة الزنتان – التي دعمت برلمان طبرق- فضلاً عن العملية العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سرت – لا سيما في نوفلة الواقعة على مسافة 65 كم غرب السدرة – أجبر قوات فجر ليبيا على الانسحاب من منطقة الهلال النفطي.

في عام 2012، كان إنتاج النفط يبلغ 1.6 مليون برميل يوميًا. وبحلول عام 2016، انخفض الإنتاج إلى ربع مليون برميل يوميًا. لكنه عاد وارتفع بداية من العام الحالي، ليصل إلى 700000 برميل يوميًا في فبراير (شباط) الماضي، مع احتفاظ الجضران – وهو عضو في قبيلة المغاربة ذات النفوذ القوي في المنطقة – بمكانته.

كان أحد أشقائه – ويدعى سالم – قدد انتُخب محافظًا لأجدابيا – وهي أكبر مدينة في المنطقة – بينما قاد شقيق آخر له – ويدعى أسامة – مليشيا محلية يشتبه في علاقتها بجماعة أنصار الشريعة.

في يوليو (تموز) من عام 2016، شكل الجضران تحالفًا مع الحكومة المعترف بها دوليًا وعقد صفقة مع رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا – مارتن كوبلر. شعر الجضران بالفخر وهو يفرش السجاد الأحمر للمبعوث الألماني في رأس لانوف – الواقعة على بعد 30 كم شرق السدرة – وهي المنطقة التي تحتضن مجمع التكرير الرئيسي.

سببت اتفاقاته الكثير من القلق لدى الليبيين، في الشرق والغرب على حد سواء. فبالنسبة إليهم، سعى الجضران إلى سرقة مواردهم الوطنية. كتب مصطفى صنع الله – رئيس المؤسسة الليبية للنفط – إلى مارتن كوبلر معبرًا عن شكوكه «إن الشخص الذي تتفاوض معه قد أضرّ بالليبيين أكثر من أي أحد».

قدر صنع الله الخسائر الناتجة عن الحصار الذي يفرضه الجضران بأكثر من 100 مليار دولار. على أي حال، أعلن الجضران إعادة فتح مواقع السدرة للإنتاج، لكن الوقت لم يسعفه.

في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) من عام 2016، قامت قوات مشتركة من الجيش الوطني الليبي – وهو تحالف بين مجموعة من الضباط التابعين للحكومة السابقة – وبعض الألوية الثورية التي يقودها اللواء خليفة حفتر بالدخول إلى منطقة الهلال النفطي.

«كنا نتفاوض مع قادة القبائل في المنطقة على مدى شهور» هكذا صرح اللواء محمد حمودة – قائد الجيش الوطني الليبي في المنطقة – لموقع ميدل إيست آي في مقابلة معه في مجمع رأس لانوف في فبراير (شباط) الماضي.

صرح حمودة قائلاً «وفقًا لاتفاقنا، سيعمل قادة القبائل على إقناع حرس المنشآت النفطية بوضع سلاحهم والعودة إلى ديارهم. وهذا ما حدث بالضبط. لقد سيطرنا على المنشآت النفطية دون أي قتال».

أصبح اقتصاد ليبيا تحت رحمة الجيش الوطني الليبي. وبحلول منتصف سبتمبر (أيلول) من عام 2016، سيطرت الحكومة المؤقتة في البيضاء (المنبثقة عن برلمان طبرق ولكن غير معترف بها دوليًا) – بمساعدة من ذراعها العسكري – على 70% من احتياطات النفطية الليبية.

ولكن في الواقع، لم يحدث إلا تغير في الإدارة. «حددت الاتفاقية أنه بمجرد أن تصبح المنشآت النفطية تحت سيطرتنا بشكل كامل، سيتمكن الحراس – الذين كانوا متعاونين – من العودة إلى عملهم. فهذا مصدر رزقهم». قال حمودة. باختصار، أصبح حرس الجضران حرسًا لدى الجيش الوطني الليبي.

ولعل هذا ما يفسر ضعف دفاعات الجيش الوطني الليبي يوم 3 مارس (آذار)، عندما وقعت اثنتان من المناطق النفطية الرئيسية – وهما رأس لانوف والسدرة – في أيدي سرايا الدفاع عن بنغازي، وهو تحالف تشكل للإطاحة بحفتر.

تمتلك تلك القوات علاقات وثيقة مع رئيس الوزراء خليفة الغويل – الذي عينته قوات فجر ليبيا في 2015 – فضلاً عن مفتي طرابلس – صادق الغرياني – ومع الشخصية التي تثير انزعاج المجتمع الدولي – وزير الدفاع في حكومة الغويل مهدي البرغثي. لكنهم لا يهتمون بالمنشآت النفطية، بل إن هدفهم الرئيسي هو بنغازي – ثاني أكبر المدن الليبية – التي على وشك أن تسقط في يد خليفة حفتر. لذا فقد سلموا موقعي السدرة ورأس لانوف إلى التجمع الوطني العام.

وفي 7 مارس (آذار)، وضع الجضران المرافق تحت سيطرة إدريس بوخماد – وهو حليف سياسي مقرب ويقود حاليًا حرس المنشآت النفطية. وقد أنكر رئيس الوزراء فايز السراج أي علاقة لحكومته بالهجوم، على الرغم من أن الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة ستحقق الكثير من المكاسب باستعادة السيطرة على شريان الحياة للاقتصاد الليبي.

توقف الإنتاج مجددًا في ثلاثة من بين حقول النفط الستة، لكن المشكلة الآن هي كيف سيؤثر القتال على الاقتصاد الليبي، الذي تلقى دفعة في سبتمبر (أيلول) عندما عادت منشآت إنتاج النفط إلى العمل.

في فبراير (شباط) الماضي – خلال زيارة إلى ميناء السدرة – أشارت ميدل إيست آي إلى الجهود المتواصلة لزيادة الإنتاج والتصدير.

كان عمال واحة النفط يصلحون الضرر الذي لحق بالمخازن. بينما عملت مجموعة أخرى من العمال على استبدال أحد الصمامات، التي علاها الصدأ بسبب توقفها لشهور، بينما قام رجل آخر بطلاء الخزان باللون الأبيض. وكان عمال لدى مخزن آخر يزيلون سلمًا معدنيًا على شفا الانهيار.

إبراهيم ملهوف هو مدير المجمع. «يمكن إصلاح أربعة من الخزانات. وسيعود اثنان منهم إلى العمل خلال شهرين. سيكون بوسعنا زيادة الإنتاج من 80000 برميل إلى 100000 برميل يوميًا (بالمقارنة مع 450000 برميل يوميًا في 2010)» قال لميدل إيست آي وهو يرفع صوته فوق صخب البناء وزوبعات الرياح.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك