أوضح مقال على موقع مجلة «فورين بوليسي» أن روسيا تسعى إلى منع انزلاق ليبيا في الفوضى، وهو ما فشلت فيه واشنطن. وأشار المقال إلى أن ليبيا باتت بؤرة صراع ساخنة منذ أن مزقتها الانتفاضة التي اشتعلت في عام 2011 وأنهت حكم العقيد معمر القذافي.
تتصارع الآن عدة قوى للسيطرة على الدولة المفككة – على رأسها حكومة الوفاق الوطني المدعومة أمميًا والجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر – وقد انحازت القوى الدولية لمختلف أطراف الصراع. ويؤكد المقال أن المراقبين الغربيين يشعرون بالقلق من دعم روسيا لحفتر.

دعم روسي كامل لحفتر

على ضوء التدخل الروسي في سوريا – يقول معدا المقال – يبدو أن التاريخ يعيد نفسه. تحاول روسيا مجددًا دعم حليف قوي لها داخل ليبيا وتدشين منطقة نفوذ لها في الشرق الأوسط. كما يبدو أيضًا أن القلق الغربي له ما يبرره؛ إذ لطالما زعم حفتر – مثلما فعل الأسد – أنه يتصدى للإرهاب في ليبيا، حيث وجد تنظيم الدولة الإسلامية موطئ قدم راسخًا له.

على عكس تحركاتها الفردية في سوريا، لا تشتمل استراتيجية روسيا في ليبيا فرض حفتر رئيسًا لليبيا بالقوة، وإنما التعاون مع المجتمع الدولي لتحقيق الاستقرار في ليبيا بما يضمن مصالح موسكو.

استثمرت روسيا نفوذها في حفتر – يضيف التقرير – عبر استقباله في موسكو بترحاب شديد، ولقائه بأبرز المسئولين السياسيين والعسكريين الروس – مثل وزير الخارجية ووزير الدفاع – كما زار حفتر حاملة الطائرات الروسية الأدميرال كوزنتسوف، التي توقفت على ساحل ليبيا بعض الوقت.
وبطبيعة الحال، تتجاوز المساعدة الروسية لحفتر مجرد التقاط الصور وتبادل المديح. فقد قدم الكرملين: حوالي 3 مليارات دينار ليبي إلى مصرف ليبيا المركزي التابع لحفتر وأرسلت فنيين روسًا للمساعدة في تجديد وتطوير القدرات العسكرية للجيش الوطني الليبي، الذي يعتمد بشكل كامل تقريبًا على الأسلحة السوفيتية.
تفرض الأمم المتحدة حظرًا على تصدير السلاح إلى ليبيا، لذا لا يمكن لروسيا تسليح قوات حفتر بشكل مباشر، ولكن يمكنها إرسال أسلحة عبر مصر، وهي الجارة المؤيدة لحفتر ويقال إنها استضافت وحدة من القوات الخاصة الروسية. وعلاوة على ذلك – ينوه التقرير – فإن البعض في ليبيا – مثل عبد الباسط البدري – سفير ليبيا في المملكة العربية السعودية وحليف حفتر الذي زار موسكو في مارس (آذار) – يشجع علنًا على نشر قوات روسية في ليبيا مثلما حدث بسوريا. وقال حفتر ردًا على سؤال حول التعاون العسكري مع موسكو إنه «سيرحب بأي دور» روسي في ليبيا.

روسيا تصنع دور الزعامة في الشرق الأوسط

يرى معدا التقرير أن روسيا تأمل في تحقيق ثلاثة أهداف من دعمها لحفتر:

أولًا، تأمل موسكو أن ينمو نفوذ حفتر في ليبيا بما يكفي لإعطاء روسيا امتيازات اقتصادية، مما يعوض الخسائر المالية التي تكبدتها – 150 مليون دولار من الأرباح من مشاريع البناء، و3 مليارات دولار من عقد السكك الحديدية الروسية وحوالي 3.5 مليارات دولار في أرباح من صفقات الطاقة وما لا يقل عن 4 مليارات دولار في مبيعات الأسلحة – بسبب سقوط الديكتاتور الليبي معمر القذافي.

ومع بلوغ حجم إنتاج النفط في ليبيا 700 ألف برميل يوميًا في يناير (كانون الثاني) وسقوط منطقة الهلال النفطي في يد قوات حفتر، تعتبر الطاقة مجالًا مربحًا. وفي يوليو (تموز) الماضي بدأت شركة روسنيفت النفطية الروسية العملاقة شراء النفط من شركة النفط الوطنية الليبية في إطار عقد مدته سنة واحدة ليكون بمنزلة خطوة مبدئية نحو «تجديد العقود المبرمة في عهد القذافي» وفقًا لتصريح مسؤول روسي.

ثانيًا، تأمل روسيا أن يساعدها حفتر على تعزيز موقعها العسكري على البحر الأبيض المتوسط، مما يسمح لموسكو باستعراض القوة بالقرب من سواحل أوروبا وتعزيز وصولها إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. في عام 2008، عرض القذافي إقامة قواعد بحرية روسية في ليبيا. وعلى الرغم من أنه لم يحدث ذلك، ينوه التقرير، فقد أعاد المسؤولون الروس إحياء الفكرة، وتحدثوا مع حفتر حول إمكانية فتح قاعدة بالقرب من بنغازي.

على الرغم من شراكتها مع حفتر، تواصل روسيا تأييدها رسميًا لجهود صنع السلام في ليبيا عبر التحاور مع حكومة الوفاق الوطني المدعومة دوليًا.

استطاعت روسيا إيجاد موطئ قدم دائم في المنطقة بتدخلها في سوريا، لا سيما من خلال تأجير قاعدة بحرية في طرطوس لمدة 49 سنة. لكن الوجود في ليبيا يجعل مبادرات روسيا تجاه الحكومات الإقليمية تبدو أكثر واقعية بكثير، وسيحبط المحاولات الأوروبية لردع التدخل الروسي.

وأخيرًا، تسعى روسيا إلى أن يكون لها دور في تسوية الأزمات الإقليمية. ولتحقيق هذه الغاية، ستكون مقامرة شديدة إذا اعتمدت روسيا حصرًا على حفتر، الذي لا يزال لم يسيطر على كامل ليبيا. ولا يقتصر منافسوه فقط على حكومة الوفاق الوطني، بل أيضًا المتمردين المتمركزين في مصراتة، ووجود حالة من عدم اليقين بشأن هيمنته العسكرية يهدد المصالح الروسية في ليبيا، لا سيما الترتيبات طويلة الأجل مثل عقود الإيجار. لكن الوضع مختلف في سوريا، يستدرك التقرير، إذ إن الأسد في السلطة منذ سنوات ويستفيد من تشرذم المعارضة وأعداد كبيرة من القوات البرية الإيرانية، بينما لا يمتلك حفتر هذه المزايا.
لذلك، لم تلقِ روسيا بكامل بيضها في سلة واحدة، فعلى الرغم من شراكتها مع حفتر، تواصل روسيا تأييدها رسميًا لجهود صنع السلام في ليبيا عبر التحاور مع حكومة الوفاق الوطني المدعومة دوليًا. وفي حين أن الكرملين غالبًا ما يفرط في تعامله مع المجتمع الدولي، فإن تعاون موسكو مع الأمم المتحدة بشأن المسائل الرئيسية – مثل حظر الأسلحة، الذي يريد حفتر رفعه – قد يشير إلى أنها منفتحة على الوساطة في اتفاق سلام ليبي بمساعدة من الشركاء الدوليين.

اقرأ أيضًا: بعد تهديدات حفتر.. هل سنشهد حربًا في البحر الأبيض المتوسط قريبًا؟

روسيا لا تريد لحفتر الانفراد بالسلطة

يؤكد التقرير على أن هناك أدلة تشير إلى أن موسكو ستعرض نفسها وسيطًا بين الفرقاء الليبيين بدلًا من السعي لمساعدة حفتر على تحقيق نصر عسكري كامل. في مايو (أيار)، نجحت روسيا في عقد لقاء بين حفتر ورئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني فايز السراج، وهو أول اجتماع منذ 16 شهرًا. كما استقبلت الحكومة الروسية السراج في موسكو، وفي هذا الأسبوع زار نائب السراج – أحمد معيتيق – روسيا واجتمع مع الرئيس الشيشاني رمضان قديروف في جروزني والمندوب الروسي للشرق الأوسط ميخائيل بوجدانوف في موسكو.

تعليقًا على ذلك، قال ليف دينجوف – رئيس مجموعة العمل الروسية المعنية بليبيا التي تديرها وزارة الخارجية ومجلس النواب – في مقابلة أجريت مؤخرًا «إننا لا نريد أن نرتبط بأي من جانبي النزاع». وأضاف أنه لا يمكن لأي من حفتر أو السراج أن يحكم ليبيا بمفرده. ونفى قيام حفتر بمكافحة الإرهاب قائلًا إنه لم يلعب أي دور في تحرير مدينة سرت من الدولة الإسلامية، وأعاد دينغوف الفضل في ذلك إلى «المجموعات التي تتبع الحكومة في طرابلس»، حيث مقر حكومة الوفاق الوطني، وقال إن السراج «معارض للإسلام الراديكالي».

ويشدد التقرير على أن من مصلحة روسيا وجود حكومة ائتلافية في ليبيا يكون حفتر قائدًا لقواتها المسلحة بدلًا من سيطرة الأخير على كامل البلاد. فالبديل الأول يعني تدبير مصالحة سياسية بين الأطراف المتحاربة في البلاد، وبالتالي تحقيق الاستقرار الكافي لتبرير تأمين الاستثمارات الاقتصادية والمنشآت العسكرية على المدى الطويل دون خوف من أنها يمكن أن تفقدها فجأة كما حدث بعد سقوط القذافي.

كيف ترى أمريكا الوجود الروسي في ليبيا؟

لكن التقرير يرى أن التدخل الروسي المتزايد في ليبيا لا يحظى بشعبية عالمية. إذ تنظر الولايات المتحدة على وجه الخصوص بعين الشك إلى دور روسيا؛ فقد حذر قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا مؤخرًا من أن موسكو «تحاول التأثير على القرار النهائي وعن تحديد الجهة المسؤولة عن الحكومة داخل ليبيا».

استبعد الرئيس دونالد ترامب المشاركة في إعادة الإعمار أو الحفاظ على وجود عسكري في ليبيا، وهو موقف يحد من قدرة واشنطن على التأثير على ما يحدث هناك. وفي حين أن التواجد المحدود له امتيازاته – وخاصة لمن يكرهون الالتزامات طويلة الأجل أو التنافس مع قوى أجنبية – فهذا لن يوفر لواشنطن النفوذ اللازم لتشكيل النتائج السياسية المحلية. وفي غياب الولايات المتحدة، ستملأ حکومات أجنبية أخرى حتمًا هذا الفراغ وتسعى للتوسط للسلام.
أعربت روسيا عن اهتمامها بالصراع الليبي، وأبدت رغبتها في إيجاد حل يشارك فيه المجتمع الدولي، وقامت باستثمار مواردها المالية والعسكرية. ومن المرجح أن تجد بعض الدعم لجهودها لصنع السلام، بما أن سياستها تتفق مع سياسات مصر والإمارات العربية المتحدة. كما أن الاتحاد الأوروبي حريص أيضًا على التوصل إلى اتفاق سلام، لأنه يحتاج إلى الحد من تدفق اللاجئين من جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط.
يختتم المقال بالقول إن أكبر فائدة ستحققها روسيا من استثمارها في ليبيا ليست قاعدة ولا عقدًا. بل القدرة على إثبات ما أخبرت به العالم ومواطنيها في السنوات الأخيرة؛ ما تفسده الولايات المتحدة، يمكن لروسيا إصلاحه.

لطالما أكد المسؤولون الروس على أن ليبيا سقطت في وحل الفوضى بعد تدخل الناتو عام 2011، الذي انتقده رئيس الوزراء آنذاك بوتين، باعتباره المثال الأوضح على عدم الاستقرار الذي تسببه التدخلات التي تقودها الولايات المتحدة. إذا كانت مغامرة بوتين الليبية تؤتي ثمارها، فإن روسيا قد أظهرت أنها يمكن أن تشكل نتائج سياسية دائمة في الخارج دون غزوات أرضية مكلفة أو حملات جوية مدمرة. ومثل هذا الانتصار النفسي قد يكون أثمن مكافأة على الإطلاق.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد