كتبت كاتي ماك، صحافية حرة تعيش في دبي، تحقيقًا نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية عن استخدام منصة «إنستجرام» للتواصل الاجتماعي في توظيف خادمات المنازل من آسيا وأفريقيا في دول الخليج بصورة سيئة؛ حيث يعرض وكلاءٌ مرخَّصون وغير مرخَّصين الفتيات على موقع «إنستجرام» لكي يطلبهن صاحب العمل. ويوضح التحقيق أنه ما بين الوكالات المحلية في بلدان تلك الفتيات والوكلاء الخليجيين يضيع كثير من حقوق الخادمات، ويبدو كثير من صور سوء المعاملة على نحو يجمع بين جرائم العبودية، والعمل القسري، والإتجار في البشر.

عام

منذ 3 سنوات
«أتذكر قطرات البنزين على ظهري».. «ميدل إيست آي» يتتبع حكايات الخادمات في السعودية

وتستهل الكاتبة تحقيقها بالقول: إن ظهور منصة «إنستجرام» للتواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة ساعد في إقامة سوق سوداء دولية للعمالة المهاجرة، لا سيما النساء اللائي يُستقدَمْن من أفريقيا وآسيا، ويُبَعْن في صورة من صور العبودية للعمل باعتبارهن خادمات منزليات في دول الخليج العربي.

لقد استغل الوكلاء غير المرخَّصين منصة التواصل الاجتماعي لتوظيف هؤلاء النساء في وظائف تفتقر في كثير من الأحيان إلى التوثيق أو التأكيدات المتعلقة بالأجور وظروف العمل المناسبة. وقال عدد من النساء اللاتي سُوِّقْن عبر منصة «إنستجرام» إنهن عُومِلن باعتبارهن أسيرات في الأساس، وأُجبِرن على العمل لساعات مُرهِقة مقابل نقود أقل بكثير مما وُعِدْن به.

الإعلان على وسائل التواصل الاجتماعي

تقول فيفيان البالغة من العمر 24 عامًا من كينيا: إنهم «يعلنون عنَّا على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم يختار صاحب العمل مَنْ يشاء. ومن ثم نُسلَّم إلى منزله. ولا نُبَلَّغ بأي شيء عن صاحب العمل. وليس علينا إلا جمع أغراضنا، ويأخذنا سائق إلى هناك».

وعندما قدِمَت إلى دبي الخريف الماضي على متن رحلة جوية قادمة من نيروبي، قالت فيفيان إنها كانت تتوقع أن تبدأ العمل على الفور باعتبارها خادمة، ولكن بدلًا عن ذلك قادها وكيل التوظيف إلى منزل في ضواحي المدينة وحبسها في غرفة ضيقة بها 15 امرأة أخرى. وقالت إنها احتُجزت هناك لعدة أسابيع، وكانت تنام على الأرض إلى أن وجد لها الوكيل مُستخدِمًا من خلال الإعلان على «إنستجرام»؛ إذ جرى تحميل صورتها على حساب وكيلها على «إنستجرام»، والذي تحققت منه «واشنطن بوست»، بالإضافة إلى التفاصيل الشخصية، مثل وزنها، وجنسيتها، وتاريخ ميلادها.

Embed from Getty Images

وتشير الكاتبة إلى أن مراجعة «واشنطن بوست» لنشاط «إنستجرام» حددت أكثر من 200 حساب يبدو أنها تلعب دورًا في تسويق النساء باعتبارهن خادمات في دول مثل الكويت، والسعودية والإمارات.

وظهرت شبكات السوق السوداء هذه إلى جانب شبكات التوظيف القانونية التي وضعت على مر السنين ملايين النساء في وظائف خادمات المنازل في منطقة الخليج العربي. وعلى الرغم من أن النساء اللواتي يُستقدَمْن ويُوظَفْن من خلال وكالة مرخَّصة يمكن أن يواجِهن أيضًا بيئة عمل صعبة، إلا أنهن يحصلن على حماية أفضل في مكان العمل، ونظرًا لحيازِتهن وثائق، فإنهن يتمتعن بمزيد من سبل الانتصاف إذا تعرضن لسوء المعاملة، ويمكنهن طلب المساعدة من سفاراتهن، وفقًا لخبراء العمل.

تقول روثنا بيجوم، الباحثة الكبيرة في مجال حقوق المرأة في منظمة «هيومن رايتس ووتش»: إن «العاملات المهاجرات اللائي يُستقدمْن عبر قنوات غير رسمية، بما في ذلك الوكلاء غير المرخَّصين، أكثر عرضة للإتجار بهن وغيره من أشكال الاستغلال».

سمات الإتجار في البشر

وقال فابيان جوا، مدير الأبحاث في «فير سكوير بروجكتس»، وهي مجموعة حقوق إنسان مقرها بريطانيا: إن «الخداع بقصد إساءة معاملة الأشخاص من خلال توظيفهم في وظائف لم يوافقوا عليها في الواقع يحمل كل السمات المميزة للإتجار» في البشر. وردًا على طلب للتعليق الشهر الماضي، طلب متحدث باسم «إنستجرام» قائمة الحسابات التي حددتها «واشنطن بوست» حتى يتمكن مسؤولو الشركة من إجراء التحقيق. ومنذ ذلك الحين حذف «إنستجرام» هذه الحسابات.

وقالت ستيفاني أوتواي، المتحدثة باسم «فيسبوك»، التي تمتلك منصة «إنستجرام»: إن «استغلال البشر أمر مروع، ونحن لا نسمح به على إنستجرام. لقد عطلنا جميع الحسابات التي أُبلِغنا بها». ولم يتضح بعد هل الحسابات الأخرى المماثلة لم تزل موجودة على المنصة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكم عددها؟

Embed from Getty Images

وعند سؤالها عن سبب عدم تحديد «إنستجرام» لهذه الحسابات من تلقاء نفسه، قالت أوتواي: «لقد طورنا تقنية لاكتشاف هذا النوع من المحتوى والسلوك، لكنها ليست مثالية. ونعمل باستمرار على تحسين هذه التقنية لمساعدتنا في تحديد المزيد من هذا المحتوى بسرعة أكبر».

وقالت: إن «إنستجرام» أخذ بالفعل هذا النوع من النشاط «على محمل الجد» وأنه يتشاور مع منظمات متخصصة لاستهداف الأشكال المختلفة من استغلال البشر والإتجار بهم التي تستخدم منصة «إنستجرام» للتواصل الاجتماعي.

حسابات «إنستجرام» في الخليج وفي بلدان العاملات

أفاد التحقيق أن بعض الحسابات التي حددتها «واشنطن بوست» تنتمي إلى أشخاص مقيمين في بلدان الأصلية للعاملات في المنازل، مثل إثيوبيا وكينيا، ويُعلن مالكو الحسابات عن النساء للمُستقدِمين في الشرق الأوسط. وهناك حسابات أخرى مملوكة لوكلاء في الشرق الأوسط، والتي كانت تُستخدَم للإعلان عن النساء في المنازل الفردية.

وتنقل الكاتبة عن ريزارد تشولوينسكي كبير خبراء الهجرة في منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة قوله: إن هؤلاء النساء يتعرضن لـ«العمل القسري». وقال: «إذا اختفين في سوق العمل غير الرسمي، وانتهى بهن الأمر في المنازل، فإنهن يتَوارَيْن عن الأعين فعليًّا». وأفصح عدد من المنشورات على «إنستجرام» عن أسماء النساء الكاملة، وأرقام جوازات سفَرهن؛ مما قد يشكل خطرًا على خصوصيَّتهن، ولكن ذلك أتاح أيضًا إمكانية تحديد موقع ثماني خادمات، وإجراء مقابلات معهن في هذا المقال.

عمل ساعات طويلة دون راحة وأجر أقل من المتفق عليه

تقول فيفيان إنها أُجبرت على العمل من الخامسة صباحًا حتى منتصف الليل، دون أيام راحة. (تحدثت شريطة عدم نشر اسم عائلتها خوفًا من أن ينتقم الوكيل منها). وكانت تحصل على 272 دولارًا شهريًّا، أي أقل بنحو 140 دولارًا مما وعَد به مُستقدِموها. وقالت إنها مرضت ولم يُسمح لها بالراحة.

وبعد ثلاثة أسابيع رفضت الاستمرار في العمل، وطلب أصحاب العمل من وكيلها الإماراتي استرداد مبلغ 2180 دولارًا الذي دفعوه لها، كما تتذكر فيفيان. ورفض الوكيل حتى أن أصحاب العمل هدَّدوه بالاتصال بالشرطة. وقالت: «كان الوكيل غاضبًا وأخبرني أنه سيأخذني إلى مكان سأندم فيه إلى الأبد. لقد تعرضت للتهديد». وهربت فيفيان ولم تزل تعيش في الإمارات بوصفها مهاجرة بلا وثائق. وقالت فيفيان: إن امرأة تدعى سوزان هي التي وظَّفتها في الأصل بكينيا، وعندما عُرِضت عليها صورة لهذه المرأة أكدَّت فيفيان أنها كانت سوزان وانجيكو مديرة وكالة ألفاشر في نيروبي.

وكلاء التوظيف يدافعون عن أنفسهم

وفي مقابلة قالت سوزان وانجيكو إنها وظَّفت النساء باعتبارهن خادمات لكل من الوكلاء المرخَّصين وغير المرخَّصين في دول الخليج العربي باستخدام «إنستجرام» للتواصل معهم. ونفَت أن تكون النساء اللاتي وظَّفتهن يتعرضن للإيذاء أو الاستغلال. وقالت: «هذه شائعة كاذبة أن الخادمات يتعرضن لسوء المعاملة والضرب. هناك عقد، وهذا لا يمكن أن يحدث»، في إشارة إلى الاتفاقيات المكتوبة التي من المفترض أن تبرمها الخادمات المنزليات مع أصحاب العمل. وأضافت: «خادماتي يذهبن إلى بيوت جيدة».

Embed from Getty Images

وقالت سوزان إن وكلاء الإمارات مسؤولون عن دفع تكلفة رحلة الطيران ورسوم التأشيرة. وللتأكد من أن هؤلاء العملاء لا يغشُّونها وسيدفعون لها، لا تضع سوزان أبدًا مجموعات كبيرة من النساء على رحلة الطيران نفسها. وقالت: «نطلب تأشيرات يدفع رسومها الوكيل في الإمارات، ثم نرسِل كل عاملة منزلية بفارق يوم واحد عن الأخرى. لذا فقبل أن أرسل الخادمة الثانية، يدفعون مقابل الخادمة التي وصلت. وإذا لم يدفعوا لي، فلا أُرسِل الخادمات الأربع الأخريات اللائي لديهن تأشيرات».

وفيما يخص فيفيان، قالت إنها حصلت على تأشيرة سياحية، وليست تأشيرة إقامة عمل، والتي توفرها وكالات التوظيف الرسمية على نحو روتيني. وقالت إنها لم تحصل على عقد؛ مما يناقض ما ذكرته سوزان.

وقالت سوزان: إن وكالة ألفاشر تتقاضى 500 دولار عن كل امرأة. لكن يمكن أن تكون تكلفة المهاجرات أعلى من ذلك وفقًا لوكلاء في أفريقيا والإمارات. وقال صاحب شركة توظيف أخرى في إثيوبيا، والتي تُسوِّق أيضًا الخادمات عبر «إنستجرام»، إنه يحصل على ألف دولار مقابل كل امرأة من وكلائه في دول الخليج.

محنة مارجريتا والجوع

وروت مارجريتا أباد البالغة من العمر 33 سنة، وهي أرملة من الفلبين، أن وكيلها في الإمارات حصل على 3500 دولار مقابل توظيفها خادمة في منزل. وفي ذلك الوقت لم تكن مارجريتا تعلم أنها سُوِّقت عبر «إنستجرام» حتى أخبرها أحد المراسلين بذلك. تقول: «لم أعطهم الإذن لذلك. أشعر بالسوء حيال ذلك. ويبدو الأمر كما لو كانوا قد باعوني في مزاد».

واختتمت الكاتبة تحقيقها بالإشارة إلى أن مارجريتا سافرت إلى الإمارات منذ حوالي عامين على أمل العثور على وظيفة جيدة يمكن أن تساعدها في إعالة طفليها الصغيرين في الوطن. وبدلًا عن ذلك قالت إنها عَمِلت مع صاحب عمل مسيء. وتذكرت أن صاحب العمل كثيرًا ما كان يرفض إطعامها. وقالت: «كانت هناك أوقات بكيتُ فيها وأنا أتناول طعامي، لأنني كنت جائعة للغاية». وخسرت مارجريتا من وزنها حوالي 18 كيلوجرامًا، وقالت: «بمجرد أن تبيع الوكالة خادمة تتوقف عن الاهتمام بها. إنهم يريدون المال فقط».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد