أمضى «توم» أيامه موظفًا في مكتبٍ تحت مستوى الأرض بطابقين، ضمن أقبية بنك لويدز. عمِل في قسم المعاملات الأجنبية من الساعة 9:15 صباحًا إلى الساعة 5:30 مساءً. وكل يوم، في لحظات الفراغِ السانحة ما بين إيداع كشوف الميزانية وجدولتها، كان يكتب.

عرف العالم توم باسمِ «ت. إس. إليوت». عند بداية عمله بهذه المهنة في عام 1917، كان قد نشر بالفعل واحدةً من أشهر قصائده على الإطلاق «أغنية حب إلى ألفريد بروفروك» وحازت إشادة كبيرة. لكن ومع ذلك، وعلى الرغم من راتبه المصرفيّ، فإن الرجل الذي غالبًا ما يُعتبر أعظم شاعرٍ في القرن العشرين، كان يكافح ليغطّي نفقات المعيشة. قبِلَ توم المال من أقاربه لشراء الثياب الداخلية والبيجامات، وقادته مخاوفه المالية إلى انهيارات عدة.

لطالما كان الشعر شكلًا من أشكال الفن، ولكنه نادرًا ما يصبح مهنةً حتى لمعظم الشعراء الأسطوريين. كان الشاعر الأمريكي ويليام كارلوس وليامز طبيبًا، أما ولاس ستيفنز فقد كان مديرًا تنفيذيًّا في قطاع التأمين. تولى تشارلز بوكوفسكي سلسلةً من الوظائف الغريبة، بما في ذلك العمل غاسلَ صحونٍ، وسائق شاحنة، وعاملًا في محطة وقود، وموظفًا في البريد. غالبًا ما كانت قصة الشاعر حكايةً لحياةٍ مزدوجة، تنقسم بين واجبين ملحّين: كسب العيش، وإبداع الفن.

لكن يجيء تقرير «ذي أتلانتك» ليحكي عن تطورٍ حديث ونماذج لشعراءٍ استطاعوا الاستثمار في وسائل التواصل الاجتماعي؛ ليحولوا فنّهم إلى وظيفةٍ مثمرة. فكيف حدث ذلك؟ وهل هو «إنقاذٌ» لصنعة الشعر أم إفسادٌ لها؟

Embed from Getty Images

«لم أكن،

حيًّا ولا ميتًا، ولا عرفت شيئًا،

وأنا أنظر في قلب الضياء، الصمت..

موحشٌ وخالٍ هو البحر».

حتى وهو يكثّف المعنى والرمز، مؤسسًا لحداثة الشعر في القرن العشرين؛ كان إليوت مضطرًا للعمل في المصارف والقلق على نفقات معيشته.

حالة روبي كور

يضع التقرير بدايةً الشاعرة «روبي كور» موضع دراسة لفهم مدى تغير عالم الشعر من وقت إليوت حتى الآن. تجاوزت مبيعات الشاعرة الكندية البالغة من العمر 25 عامًا مبيعات هوميروس قبل سنتين: تُرجِمت مجموعتها الأولى «حليب وعسل» إلى 40 لغة، وباعت 3.5 مليون نسخة، ساحبةً البساط من الكتاب الشعري الأكثر مبيعًا «الأوديسة»؛ لتأخذ مكانه.

لم يكن الأمر على هذا المنوال دائمًا. بدأت روبي حياتها المهنية بنشرِ أعمالها في تمبلر عام 2012، ثم انتقلت تدريجيًّا إلى إنستجرام، لكن استراتيجيتها في النشر على وسائل التواصل الاجتماعي لم تأتِ لها بالمال الكافي للعيش آنذاك. تُصرّح روبي للمجلة: «كانت عقليّتي تفيد بأنه: مستحيلٌ أن يوفّي الشِّعر الإيجار». ثم نُشِر «حليب وعسل» في عام 2014، ووصل إلى قائمة نيويورك تايمز للكتب الأكثر مبيعًا في عام 2016. أدركت روبي أن الأمر مستمر ويتطور، وربما يكون نجاحًا كافيًا ليدعمها مطولًا. خلال السنة الماضية ظهرت روبي في برنامج «جيمي فالون» الحواري الشهير، وأدرجت ضمن قائمة «فوربس» لأبرز 30 مؤثرًا تحت سنّ الثلاثين، وبعد قيامها بجولةٍ عالمية بيعت تذاكرها كلها، وتمركزت في كلّ من الهند والمملكة المتحدة؛ أنهت هذا الشهر جولتها الأمريكية الشاملة. لدى روبي الآن 3 ملايين من المتابعين على إنستجرام.

انتقلت روبي كور من النشر على تمبلر وإنستجرام إلى منافسة هوميروس نفسه على المبيعات

شعراء «الإنستا».. إحصائيات صادمة

منذ نشر «حليب وعسل»، أصبح الشعر ضمن أسرع الفئات الأدبية نموًا في مجال نشر الكتب. وفقًا لأحد المجموعات المختصة بأبحاث السوق والتسويق، كان 12 من أفضل 20 شاعرًا الأكثر مبيعًا العام الماضي من شعراء إنستجرام، الذين جمعوا عملهم المكتوب مع منشوراتهم المخصصة لوسائل التواصل الاجتماعي، وتقريبًا نصف كتب الشعر المباعة في الولايات المتحدة العام الماضي كتبها شعراء إنستجرام أيضًا. ووفقًا لدراسةٍ استقصائيةٍ أجرتها هيئة الوقف الوطني للفنون ومكتب الإحصاء الأمريكي، يقرأ 28 مليون أمريكي الشعر هذا العام، وهي أعلى نسبة لقراء الشعر خلال عقدين تقريبًا.

شاهدت «كيرستي ميلڤيل» -ناشرة روبي- هذا الأمر يحصل على مرأى من عينيها، مصرّحة للمجلة بقولها: «لقد كانت كتب ودواوين الشعر توضع في الجزء الخلفي من المتجر بجوار الحمامات، أما الآن فقد أصبحت في المقدمة. وهذا يساعد مساعدة طبيعية في زيادة المبيعات لجميع الشعراء. يبيع الآن الشعراء الكلاسيكيون والمعاصرون على حدّ سواء».

لقطة لقصيدةٍ مختارة من كتاب «حليب وعسل»، المترجم لـ40 لغة والمتجاوز «الأوديسة» بالمبيعات

لم تبدأ ظاهرة شعراء إنستجرام مع روبي كور. ففي عام 2003، لاحظت ميلڤيل أن الشاعرة الكمبودية الأسترالية «لانگ ليڤ» أصبحت معروفة في الإنترنت، وراجت أعمالها على وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة. اتخذت ميلڤيل خطوة جريئة وخوّلتها للتوقيع على صفقة كتاب مع شركة النشر الخاصة بها. نشر الكتاب تحت عنوان «الحب والحظوظ السيئة»، وباع أكثر من 150 ألف نسخة. وعن ذلك تعقّب ميلڤيل: «فكرنا حينها؛ هاه! شيءٌ ما يحدث هنا، فبالنسبة إلى كتابِ شعر – بل كتاب شعرٍ عن الحب- بيع 150 ألف نسخة لهو شيء جدير بالانتباه».

بعد مرور خمس سنوات، اجتاح العالم فيضانٌ من الشعرِ المكتوب من قبل نجوم السوشيال ميديا. ظهرت «كليو وايد» -29 عامًا- المشهورة بترانيمها المُلهِمة (تريد الحب؟ كن أنت الحب. تريد الضوء؟ كن أنت الضوء.)، ويمكنك رؤية كلماتها على لوحات الإعلانات في لوس أنجلوس وتايمز سكوير. وهنالك أيضًا أتيكوس الذي يرتدي قناعًا لإخفاء هويّته ولديه معجبون من مشاهير النجوم مثل – إيما روبرتس وأليشيا كيز مثلًا- ستشمل جولة أتيكوس الخريفية القادمة 12 عرضًا في مدن متنوعة في أنحاء الولايات المتحدة وكندا. أما روبرت إم دريك فقد بدأ بمشاركة شعرِه لأول مرة عام 2011 على تمبلر و ديڤينت ‌آرت، والآن لديه 1.8 مليون متابع على إنستجرام. جديرٌ بالذكر أيضًا أنه نشر 12 كتابًا مطبوعًا، بعضها ضمن الكتب الأكثر مبيعًا على مستوى العالم.

شعراءُ أعمال

يوضح التقرير كيف يستخدم الشعراء إنستجرام أداةً تسويقية لكتاباتهم، فهم ليسوا شعراء فقط، بل رواد أعمال. وعلى الرغم من أنهم يكسبون المال من خلال نشر الدواوين والفعاليات في المقام الأول، لكن مشاركة أعمالهم على حساباتِهم هو ما يفتح لهم تلك الإمكانيات. تقول روبي مثلًا إنها تنتهج نهج «إدارة الأعمال» مع مسيرتها الشعريّة، فاليوم الحياتيّ لديها ربما يتمثل بالكتابة طوال اليوم، أو الذهاب في جولات، أو إمضاء وقتٍ في المكتب مع فريقها للإشراف على العمليات وإدارة المشروعات، والأخير أمرٌ غير مسبوقٍ على الإطلاق بالنسبة لشاعر.

وببناء علاماتهم أو شعاراتهم التصميمية الخاصة، يمكن للشعراء تسخير التجارة الإلكترونية لدعم دخلِهم. يبيع بعضهم مثلًا بضائع عبر الإنترنت – مثل أكوابٍ مطبوع عليها من شعرهم- وكذلك في تقليدٍ لستايل مربع إنستجرام؛ إطارات مربّعة منمّقة ضمنها «قصائد من اختيارك مكتوبة بخط اليد». يحوي موقع أتيكوس الإلكتروني متجرًا يمكّن العلماء من تبضع منتجاتٍ منقوشٍ عليها بكلماته، بداية من ملصقٍ ضخم بسعر 35 دولارًا إلى قلادةِ تميمة بـ147 دولارًا.

في موقعه الشخصي، يبيع أتيكوس – الذي يخفي وجهه بقناعٍ دائمًا- منتجاتٍ تحمل كلماته

تزايد شعبية الشعراء هؤلاء يجعلهم قيّمين للعلامات التجارية المختلفة أيضًا. ظهر شعر «كليو وايد» في إعلانات غوتشي، ونُقشِت على أحذية نايكي، ورُسمِت على أطباقٍ تُباع بمتاجر البيوتيك للأدوات المنزلية. وخلال أسبوع الموضة في نيويورك فبراير (شباط) الماضي، جعلت المصممة تراسي ريس عارضاتها يمشين على المنصّة على وقعِ قراءاتٍ شعرية. حتى شركة التأمين «نيشن وايد» اتّبعت هذه الموضة، وأصدرت مؤخرًا سلسلةٍ من الإعلانات التجارية يدبّج فيها الشعراء الكلمات المنمقة حول معجزة الرهن العقاريّ.

ربما يكون هذا أمرًا حتميًّا مع طبيعة الاستهلاك السريع على إنستجرام، إذ يرفق الكلام بالصورة؛ ويفضّل أن يكون الكلام مصقولًا. إذ يحفز التطبيق على التوجه للقصائد ذات الحجم الصغير، والحكم الأنيقة، والاقتباسات المنجزة بإيجاز. تنصح معظم قصائد إنستجرام بكيفية عيش حياةٍ أفضل-كيف تمضي قدمًا بعد أن يُكسر قلبك، وكيف تؤمن بذاتك، وكيف تسعى وراء أحلامك. على منصةٍ تضجّ بأنماط الحياة المثالية في الطعام والسفر والموضة، يزيد الشعر من توجهات التطلّع والطموحات.

صورة حذاء نايكي منقوش عليه من شعرِ «كليو وايد»، المصدر

انتقاداتٌ ومخاوف

يؤكد التقرير أن شعر وشعراء إنستجرام ليسوا موضع ترحيب عند الجميع. ففي وقتٍ سابقٍ من هذا العام، نشرت الشاعرة ريبيكا واتس مقالةً ناقدةً بشدة لأعمال شاعرة إنستجرام «هولي مكنيش»؛ واصفةً إياها بأنها ليست شاعرة بل «شخصًا مشهورًا». واستهزأت بشعر إنستجرام برمّته معتبرةً إياه علفًا تجاريًّا ساذجًا وغير متقن يمكن أن يمرر مثل وجبات «السناك»؛ معقّبة أن الشعر السطحي هو ما يباع: «مات القارئ، ليحيا المحتوى الموجه للمستهلكين وما يوفّره من إشباعٍ فوري».

لكن رأي كاتبتي التقرير أن الشعر – مثله مثل أيّ فن- عليه أن يتكيّف مع العالم المتغيّر حوله.

غالبًا ما يُتصوّر الشعر على أنه شيءٌ مجرّد، موجودٌ في الفراغ، يُلتقط ليُكتبَ على ورق الرقّ النفيس بيديّ كاتبٍ منعزلٍ طوال الوقت وغارقٍ في التأمل في الحقائق الخالدة وأسرار الوجود. لكن في الواقع، يتأثر الشعر دائمًا بالتحول التكنولوجي. ولذلك لا تجد ريتشيل ألين مثلًا – محررة للشعر في مجلة گرانتا الأدبية- أي شيء مثير للقلق في شعر إنستجرام. فالمجلة ما تزال تستقبل المساهمات الشعرية المطوّلة، وقد نُشِرت عدة قصائد مطولة منها واحدة ستُنشر على امتداد خمس صفحات. وما تزال المجلة تستقبل حوالي 2000 مشاركة شعرية سنويًّا. بالنسبة لألين: «يُظهِر هذا أن كل تلك الأشكال، كل طرق القراءة تلك، قادرة على التعايش بعضها مع بعض بسلام».

تختتم الكاتبتان التقرير بأنه من المستحيل التنبؤ من الآن إن كان إنستجرام سيغيّر من الصنعة بشكل جذري، وهل ستكون تحولات دائمة أم لا. لكن لا يمكن إنكار نجاحات الشعراء مثل روبي كور- الجولات العالمية، مبيعات الكتب، وجنون المشجعين- أتت كلمة «poetry» (الشعر) من المفردة اليونانية « poesis» التي تعني عملية الخلق والتكوين والإنتاج. ارتبط الفن بالعمل منذ البداية. الآن، ومع حركة الشعراء المبتدئين المتزايدة على الإنترنت، بات يجني ثماره.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد