في حين يتصاعد التنافس الدولي على أرض أفريقيا، يبدو أن أمريكا ستقلل من وجودها في القارة السمراء، لكن هل يعني ذلك بروز النفوذ الصيني والروسي هناك؟ أم هل تلعب التقنية الحديثة دورًا في الحفاظ على سيطرة أمريكا على أفريقيا؟ أسئلة تحاول الإجابة عنها جوليان بارنز، مراسلة صحيفة نيويورك تايمز والمعنية بتغطية شؤون الأمن الوطني في الولايات المتحدة، عبر مقال نشرته الصحيفة الأمريكية.

خلصت جوليان إلى أن سحب القوات العسكرية المتوقَّع سيدفع وكالة الاستخبارات المركزية ووكالات أخرى إلى خفض وجودها في القارة، ما يثير تخوفات لدى بعض المسؤولين والخبراء من وجود ثغرة في وقف ما أسمتها التهديدات الإرهابية.

تخوفات من تمرير البنتاجون مقترحًا لسحب القوات من أفريقيا

في مستهل مقالها قالت جوليان إن وكالات استخباراتية أمريكية ستواجه انخفاضًا كبيرًا في جهودها لمكافحة الإرهاب في أفريقيا إذا أدخل البنتاجون مقترح سحب القوات العسكرية الأمريكية حيز التنفيذ، بحسب مسؤولين استخباراتيين.

المخطط الجديد لسحب الضباط الاستخباراتيين الموجودين في غرب أفريقيا وأنحاء أخرى من القارة يرجع جزئيًّا إلى مراجعة نشر القوات، والتي يتوقع أن تتمخض عن خفض القوات الأمريكية في النيجر ونيجيريا وبلدان أخرى في المنطقة.

وأضافت جوليان أن وجود القوات الأمريكية يسمح للضباط الاستخباراتيين بالسفر إلى مواقع بعيدة عن المراكز الدبلوماسية التقليدية. وتقدم هذه القوات أيضًا حماية لهم في حال شيوع الفوضى أو القلاقل. ويستشهد الكاتب بما عده دليلًا صارخًا على خطورة هذا الأمر، تجسد في هجمات 2012 الفتَّاكة في بنغازي الليبية، والتي دفعت إلى إصدار أوامر بتعزيز الأمن في هذه المراكز.

وأوضح مسؤولون أنه «في حالة سحب أفراد الجيش من أفريقيا قريبًا، لن تكون وكالة الاستخبارات المركزية ووكالات أخرى قادرة ببساطة على نشر ضباطها بأمان خارج جدران السفارة».

Embed from Getty Images

سحب القوات من أفريقيا يعزز من مكانة روسيا والصين

واستشهدت جوليان بما قاله أحد المسؤولين الاستخباراتيين الذي وصف الانتقال المحتمل لضباط وكالة الاستخبارات المركزية خارج أفريقيا بالأمر الخطير للغاية، موضحًا أن هذا القرار لن يضر فقط بقدرة الولايات المتحدة على كشف التهديدات الإرهابية ووقفها، على حد تعبيره، بل سيعرقل أيضًا قدرة أمريكا على جمع الاستخبارات حول ما تفعله دول منافسة لها، مثل روسيا والصين، في أفريقيا.

وقال نيكولاس راسموسن، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب سابقًا: «رغم صعوبة تقييم حجم العجز الاستخباراتي الذي سيترتب على سحب القوات، فإن الخسارة ستكون أمرًا حقيقيًّا»

وأوضح أن «تقليل الوجود العسكري والاستخباراتي، يؤدي إلى تحجيم قدر المعلومات التي نجمعها؛ ذلك أن محللينا في هذه الحالة سيكون لديهم مجموعة أقل ثراء من المعلومات التي يعتمدون عليها عند التوصل إلى استنتاجات، والتنبؤ بظروف التهديدات». وتابع راسموسن المدير التنفيذي بالإنابة لمعهد ماكين في جامعة ولاية أريزونا، قائلًا: «انتهى المطاف بانخفاض مستويات ثقتنا في التحليل الذي نصدره».

وأشارت جوليان إلى أن مسؤولي إدارة ترامب لن يفصحوا عن عدد الضباط الاستخباراتيين الذين يمكن أن يتأثروا بهذه التغييرات؛ لأن عدد الضباط الموجودين في الميدان معلومة محاطة بالسرية. وسحب ضباط الاستخبارات غير مدفوع فقط بخفض القوات المخطط له، ذلك أن مسؤولي مكافحة الإرهاب مطالبون أيضًا بإعادة النظر في عملهم، وحصر تركيزهم على أخطر المجموعات الإرهابية، بحسب مسؤولين استخباراتيين حاليين وسابقين.

وبعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، حوَّلت الولايات المتحدة مواردها إلى مكافحة الإرهاب. وبينما ركزت معظم تلك الجهود على مجموعات مثل القاعدة وبعد ذلك داعش، وكلاهما يملك القدرة على التدبير أو الإلهام لشن هجمات على أراضي الولايات المتحدة، عزز الجيش الأمريكي ووكالات استخباراتية أيضًا الموارد الموجهة لمكافحة تهديدات الإرهاب المحلية.

وتتابع الكاتبة أن إدارة ترامب تأمل في ألا تصبح الولايات المتحدة متورطة في مزيد من الحروب الطويلة، وتريد تقليص طموحات القوات العسكرية والاستخباراتية. وبموجب الخطط المطروحة للمناقشة الآن، ستُخصَص موارد أقل لمراقبة تهديدات إقليمية، تلك المجموعات الإرهابية التي ربما تُصدر تصريحات معادية لأمريكا، لكنها لا تملك القدرة على شن هجوم شديد على أراضي الولايات المتحدة.

Embed from Getty Images

التنظيمات الإرهابية بأفريقيا لم تنجح في شن هجوم على أمريكا

وأوضح راسموسن أنه لم ينجح أي تنظيم إرهابي في أفريقيا حتى الآن في الهجوم على الأراضي الأمريكية، وهو ما يضفي مصداقية على الفكرة القائلة بأن التركيز على هذه المجموعات كان مبالغًا فيه. ولكن بدون وجود عناصر عسكرية واستخباراتية على أرض الواقع، تتعاون مع دول شريكة للمساعدة في مكافحة التنظيمات الإرهابية الإقليمية، يصبح من الصعب تحديد المجموعات التي تمتلك أو قد تمتلك الإمكانيات لشن هجومٍ على الولايات المتحدة.

وأضاف: «إذا تشوهت صورة استخباراتنا تشوّهًا شديدًا من جراء الخفض التدريجي لوجودنا، فإننا نخاطر بالإخفاق في جمع هذا الجزء المهم من المعلومات الاستخباراتية الذي ربما يمنحنا نظرة ثاقبة على جانب القدرات من المعادلة».

هذا التحوُل، كما أوضح مسؤولون عسكريون واستخباراتيون، هو أيضًا جزء من جهد يرمي إلى توجيه الموارد صوب مكافحة نهوض الصين والتنافس على نحو أكثر براعة مع بكين. ولكن يرى بعض الضباط الأمريكيون أن تقليص الوجود الاستخباراتي والعسكري سيقلل من نفوذ الولايات المتحدة في أفريقيا، في الوقت الذي تصبح فيه جبهة أمامية في معركة النفوذ مع روسيا والصين.

«وتتنافس الدول الثلاث على موقع الصدارة في أفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث كان للمرتزقة الروس، الذين يعملون تحت مظلة مجموعة فاجنر، وجود في جمهورية أفريقيا الوسطى وبلدان أخرى»، بحسب سين مكفات، الأستاذ بجامعة الدفاع الوطني ومؤلف كتاب «The New Rules of War»، مضيفًا أن الصين تمتلك قاعدة دعم عسكري في جيبوتي، وأنها تستخدم «مبادرة الحزام والطريق» لتوسيع علاقاتها في جميع أنحاء القارة.

أفريقيا.. ساحة منافسة بين أمريكا والصين

وأوضح مكفات أن «المكان الذي نتنافس فيه مع الصين هو في أفريقيا»، مشيرًا إلى أنه «يبدو من قلة البصيرة التخلي عن هذا الميدان، ومن قِصَر النظر من الناحية الاستراتيجية نقل الاستخبارات – التي تُعد الطريقة الوحيدة التي نكشف من خلالها الحقائق على أرض الواقع في هذه الأماكن- خارج المنطقة».

Embed from Getty Images

ويصر بعض الضباط الاستخباراتيين على أنه حتى إذا كانت قوات الجيش الأمريكي أو ضباط وكالة الاستخبارات المركزية يجمعون معلومات استخباراتية أقل في الخطوط الأمامية، فما يزال بإمكان المحللين في واشنطن استخلاص رؤى وتحذيرات قيمة عن التهديدات الإرهابية.

لكن مكفات أوضح أن جمع المعلومات عن أفريقيا لا يشبه الحال في أوروبا الشرقية أثناء السنوات التي ركزت فيها الاستخبارات الأمريكية على التهديد الشيوعي؛ إذ لا يمكن لدبلوماسي موجود في العاصمة ببساطة تقييم قوة مجموعة إرهابية تنشط في مقاطعة بعيدة، أو تأثير شركات المرتزقة الروسية أو الصينية.

وألمحت الكاتبة إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية لا تتخذ موقفًا يتعلق بالسياسة في المناقشات المشتركة بين الوكالات، وتشير فقط إلى تبعات المقاربات المختلفة. ومع ذلك، يساور العديد من الخبراء المعنيين بشؤون أفريقيا ومكافحة الإرهاب داخل وكالة الاستخبارات المركزية ووكالات استخباراتية أخرى، قلق من أن يكون لسحب القوات تأثير عميق على جهود جمع المعلومات، بحسب مسؤولين استخباراتيين.

التقنيات الحديثة بديلًا عن مكاتب الاستخبارات

وتتابع الكاتبة أن بعض المسؤولين قللوا من أهمية السحب المزمع للقوات وعناصر الاستخبارات؛ إذ أوضح ضباط أمريكيون أنه بدون وجود القوات، فإنهم سيكونون بحاجة إلى تبديل طريقة جمعهم للمعلومات، وذلك بتقليل الاعتماد على الضباط في هذا المجال وزيادة الاعتماد على الاتصالات المُعتَرَضَة (التي جرى التنصت عليها)، وصور الأقمار الصناعية، ووسائل تقنية أخرى.

وتستدرك الكاتبة: لكن الخبراء في الخارج تساءلوا عن مدى إمكانية أن يحل الجمع التقني (للمعلومات) محل انخفاض الضباط الاستخباراتيين الذين يعملون في بؤر التوتر في أفريقيا، ويعلمون من هو المسؤول عن الزعزعة الإقليمية وما أهداف تلك المجموعات.

وقال مكفات إنه مع هدوء نار الحرب في أفغانستان والعراق، هناك إرهاق من عمليات مكافحة التطرف، وهي حالة تشبه نهاية حرب فيتنام. لكنَّ سحب القوات والضباط الاستخباراتيين من أفريقيا كرد فعل على التعب الناجم عن «الحروب الأبدية» يُعد خطأً استراتيجيًّا».

واختتمت جوليان مقالها بنقل قول مكفات: «إن أمريكا فقدت شهيتها في مكافحة التمرد؛ إذ يعتقد المسؤولون أن هذه حرب لا نهاية لها، وهو رد فعل على ذلك، لكنها عثرة استراتيجية».

دولي

منذ 10 شهور
لماذا ترفض 14 دولة أفريقية ركوب القطار الصيني؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد