«كان رمزًا للاستقرار في الشرق الأوسط لمدة 30 عامًا، قبل أن يُجبِرَه الجيش على الاستقالة وسط الاضطرابات التي شهدتها البلاد في عام 2011. وطوال فترة حكمة، كان حليفًا وثيقًا للولايات المتحدة، وحصنًا ضد التشدد الإسلامي، وحارسًا للسلام بين مصر وإسرائيل. لكن في نظر عشرات الآلاف من الشباب المصري الذين احتشدوا في احتجاجاتٍ غير مسبوقة لمدة 18 يومًا في شوارع ميدان التحرير بوسط القاهرة وفي أماكن أخرى في عام 2011، لم يكن مبارك سوى حاكم من بقايا الفراعنة الأوائل بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة». 

سياسة

منذ سنتين
من سوريا إلى السعودية.. هكذا يستخدم الحُكام العرب المرض لمحو خطاياهم السياسية

هكذا شيَّع سامي مجدي في تغطيته لوكالة أسوشيتد برس الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك، الذي توفي يوم الثلاثاء الموافق 25 فبراير (شباط) 2020، عن عمر يناهز 91 عامًا، بعد خضوعه لعملية جراحية أسفرت عن مضاعفاتٍ صحية، حسبما أعلن التلفزيون الرسمي دون تقديم مزيد من التفاصيل.

كيف قضى «الفرعون الأخير» أيامه الأخيرة؟

كتب جريج نورمان في موقع قناة فوكس نيوز: لفترة طويلة كان مبارك شخصًا لا يمكن المساس به، ولم يكن أحد يجرؤ حتى على التفوُّه بكلمة انتقاد بحقه في وسائل الإعلام طيلة فترة حكمه. لذلك كان الوقت الذي قضاه في السجن بمثابة صدمة، حتى ولو ظلت المستشفى هي محل إقامته معظم السنوات الست التي كان يفترض أن يبقى فيها خلف القضبان.

لكن هذه ليست الصورة الكاملة، بل يلفت تقرير نشره موقع شبكة سي إن إن، وشارك في إعداده سارة السرجاني ومصطفى سالم، إلى الجانب الآخر من الصورة: «موزعًا وقته بين الفيلا الخاصة الكائنة في حي مصر الجديدة الراقي بالقاهرة، وإقامته على شاطئ البحر في شرم الشيخ، وفقًا لتقارير وسائل الإعلام الإقليمية، عاش الرجل الذي كان يطلق عليه ذات مرة اسم (الفرعون الأخير) أيامه الأخيرة في سلام ورخاء نسبيين».

والأكثر أهمية من صدمته بدخوله السجن، ثم تنعمه بالهدوء النسبي قبيل وفاته، هو أنه «عاش حتى شهد زوال الثورة التي أطاحت به»، وكانت هذه بمثابة «ترضية قاسية»، على حد قول صحيفة واشنطن بوست. 

ما بين مرسي ومبارك

قدَّمت رئاسة الجمهورية في بيان لها «خالص العزاء والمواساة لأسرة الفقيد»، وأعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام ابتداءً من يوم الأربعاء، وأشاد بيان الرئاسة بدور مبارك بوصفه أحد قادة وأبطال حرب أكتوبر المجيدة، حيث تولى قيادة القوات الجوية، أثناء الحرب التي أعادت الكرامة والعزة للأمة العربية. 

Embed from Getty Images

في السياق ذاته، نعت القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية مبارك على لسان متحدثها: «ابنًا من أبنائها وقائدًا من قادة حرب أكتوبر المجيدة الرئيس الأسبق لجمهورية مصر العربية محمد حسني مبارك والذي وافته المنية صباح اليوم وتتقدم لأسرته ولضباط القوات المسلحة وجنودها بخالص العزاء».

تعليقًا على النعيين الرسميين، لفتت تغطية طارق الطبلاوي وعلاء شاهين في موقع وكالة بلومبرج إلى أن بيانَيْ الرئاسة والجيش يتناقض تناقضًا صارخًا مع رد فعل إدارة الرئيس عبد الفتاح السيسي على وفاة الرئيس السابق محمد مرسي العام الماضي.

وأضاف المراسلان: عندما توفي مرسي في يونيو (حزيران) 2019، إثر انهياره أثناء مثوله أمام المحكمة بعد تدهور حالته الصحية في السجن، اكتفت الحكومة المصرية بإصدار بيان مقتضب عن رحيله. 

كيف استقبلت إسرائيل خبر وفاة مبارك؟

بالنسبة للإسرائيليين كان مبارك هو الرجل «الذي حافظ على السلام مع إسرائيل لمدة 30 عامًا»، وهي الرؤية التي لخصتها وكالة جويش تليجرافيك في عنوان تغطيتها لخبر وفاته، وتجسدت في تعبير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن «حزنه العميق» لوفاة مبارك، ووصفه له بأنه «صديقي الشخصي، الذي قاد شعبه إلى بر السلام والأمن، وحافظ على السلام مع إسرائيل»، حسبما نقله موقع إذاعة إن بي آر الأمريكية، عن بيان رئيس الوزراء الذي أصدره «باسم مواطني إسرائيل والحكومة الإسرائيلية».

مهندس «السلام البارد» بين مصر وإسرائيل

وتحت عنوان «سلام بارد» كتب هيرب كينون تحليلًا في صحيفة جيروزاليم بوست، خلُص فيه إلى أن حسني مبارك لم يكن من عشاق صهيون، مستدلًا على ذلك بشاهدين رئيسيين:

أول الشواهد هو أن مبارك زار إسرائيل مرة واحدة فقط خلال فترة حكمه التي استمرت 30 عامًا، وذلك لمدة ثلاث ساعات فقط لحضور جنازة رئيس الوزراء الراحل إسحق رابين في عام 1995. ثانيًا، باعتباره زعيمًا مستبدًا، سمح للصحافة المعادية لإسرائيل وللتوجهات المعادية للسامية بالازدهار في بلاده، مستخدمًا ذلك جزئيًا وسيلةً لتشتيت الانتباه عن مساوئ حكمه.

يضيف الكاتب: لكنه أراد السلام مع إسرائيل، كما فعل السادات من قبله، لأنه يُخَلِّص مصر من عبء عسكري هائل ينجم عن وضعها على أهبة الاستعداد لخوض حرب مع إسرائيل، ولأنه أراد أيضًا أن يعزز علاقات مصر مع الولايات المتحدة، وكانت إسرائيل هي البوابة إلى ذلك. 

بيد أنه أراد أيضًا إعادة مصر إلى حضن العالم العربي، واستعادة مكانتها التي فقدتها بتوقيع المعاهدة مع إسرائيل. والطريقة التي فعل بها ذلك كانت هي: التمسك بإطار المعاهدة مع إسرائيل – الالتزام بجميع الملحقات الأمنية المختلفة التي تنظم وجود القوات المصرية في سيناء – ولكن دون إضافة أي محتوى آخر إلى الاتفاقية. وهكذا أقنع الدول العربية الأخرى بأنه وإن لم يستطع إلغاء المعاهدة، إلا أنه لن يقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل بالكامل.

وانطلاقًا من هذا الموقع، استمتع مبارك بلعب دور الوسيط؛ الشخص الذي تقصده مختلف الأطراف للتشاور والمساعدة في المفاوضات. واستمتع باستضافة مؤتمرات القمة المصغرة في شرم الشيخ، التي وفرت له مكانة في العالم العربي وفي عيون شعبه. وكان سخيًا في استضافة رؤساء الوزراء الإسرائيليين في شرم الشيخ أو قصره بالقاهرة، لكنه لم يستطع أبدًا القيام بزيارة إسرائيل. كان ذلك يتجاوز مكانته، وقال إنه لا يمكن أن يحدث إلا عندما يكون هناك سلام مع الفلسطينيين.

بالنسبة لإسرائيل، هذا هو إرث مبارك: مهندس السلام البارد، لكنه سلام ترسخت جذوره وأدى إلى سلامٍ بين البلدين اللذين كانا في يوم من الأيام عدوين وخاضا أربعة حروب في 25 عامًا.

Embed from Getty Images

مبارك يستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحاق رابين في زبارته للقاهرة 

لهذه الأسباب كانت إسرائيل راضية عن مبارك

وتحت عنوان «لسنوات ظلت إسرائيل تخشى اليوم التالي لوفاة مبارك.. لكنها لم تتوقع هذا» كتب أنشيل فايفر تحليلًا في صحيفة هآرتس، استهله بالقول: كانت «كيفية التعامل مع المرحلة الانتقالية بعد رحيل حسني مبارك» من بين العناصر المدرجة على رأس قائمة التحديات الرئيسية التي تواجه إسرائيل في أي إحاطة استراتيجية قدمها مسؤول أمني أو مخابراتي كبير خلال العقد الأول من هذا القرن.

اهتم مجتمع المخابرات الإسرائيلي عن كثب بصحة الرئيس المصري. وكان كل سعال يصاب به يوضع على طاولة التشريح، وكذا دخوله إلى المستشفى أو حتى غيابه غير المبرر عن الأحداث العامة. وعندما قابله القادة الإسرائيليون، كُلِّف أحد من الوفد المرافق بالتفتيش عن علامات سرية تدل على حالته الصحية. وكان التشخيص أن السرطان ينهش جسد مبارك، ولم يعد أمامه وقت طويل في الحياة. قد يكون ذلك الاستنتاج صحيحًا، لكن الجدول الزمني كان بعيدًا. عاش مبارك حتى بلغ الـ91.

وكانت سيناريوهات ما بعد وفاته المتوقعة تراوحت بين أفضل الحالات، على الأقل من وجهة نظر إسرائيل، والمتمثلة في خلافة مدير المخابرات القوي عمر سليمان، واحتمال أن يرث جمال مبارك عرش والده، والسيناريو الكابوسي المتمثل في استيلاء الإخوان المسلمين على السلطة. لكن احتمال موت مبارك بعد تسع سنوات من خلعه في ثورة شعبية، وبعد محاكمته بتهمة قتل المتظاهرين والفساد، لم تخطر على أذهان المراقبين المحترفين للشأن المصري. 

لقد شعر الإسرائيليون بالإحباط لأن مبارك لم يفعل أي شيء لزيادة دفء العلاقات بعد «السلام البارد»، وهو الأمر الذي ثبَّط فعليًا أي تواصل حقيقي على المستويين التجاري أو الثقافي. ولكن لطالما حافظ مبارك على اتفاق السلام، والأهم من ذلك طالما كان التعاون الأمني يستمر بل ويزدهر وراء الكواليس، فقد كان الإسرائيليون راضين.

وختم المراسل الإسرائيلي بالقول: «مصر هي رجل الشرق الأوسط المريض: بلد ضخم، يضم شبابًا جوعى وعاطلون عن العمل، لا يستطيعون حتى إطعام أنفسهم. إنها بلد بحاجة ماسة إلى الاستثمارات والمساعدات الأجنبية، وهذا لن يتحقق إذا قطعت العلاقات الدبلوماسية مع جارتها الوحيدة المستقرة والناجحة. تحتاج مصر أيضًا إلى مساعدة إسرائيل في مواجهة التمرد الإسلامي في سيناء، حيث لا يزال لدى تنظيم الدولة معاقل تقوم بدورٍ فعّال».

ماذا فعل مبارك لتحسين حياة فقراء مصر؟

تماشيًا مع اهتمام وكالة بلومبرج بالاقتصاد، ركَّزت تغطيتها على ما فعله مبارك لتحسين حياة فقراء مصر أثناء فترة رئاسته، باعتباره أطول حاكم يتربع على عرش مصر منذ أكثر من 150 عامًا. 

يقول التقرير: في عام 2004، عين مبارك حكومة أحيت صفقات بيع أصول الدولة. وبحلول عام 2009، اجتذبت أكثر من 40 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في صناعات مثل النفط والغاز والاتصالات. وفتحت مصر أبوابها لشركات وبنوك مثل مؤسسة الإمارات للاتصالات ومجموعة إنتيسا سان باولو المصرفية الإيطالية.

Embed from Getty Images

كان النقاد يعتبرون مبارك حاكمًا يعيش في برجٍ عاجيّ، بعيدًا عن نبض معظم المواطنين المصريين. رئيسٌ يحتضن النخبة بينما يترك الفقراء فريسة لأنياب التخضم الذي تجاوز 20% في عام 2008. لكن مؤيديه كانوا يرون أن مشكلات الدولة التي بلغ عدد سكانها 85 مليونًا بحلول وقت الإطاحة بمبارك إنما سببها هو: النمو السكاني الهائل وسوء الإدارة الاقتصادية خلال عهد الإدارات السابقة.

أما الأرقام فتقول: إن نصيب المواطن المصري من إجمالي الناتج المحلي في عام 2009 بلغ 2160 دولارًا، وهو ما يعادل تقريبًا 2155 دولارًا في العقد السابق، وفقًا لبيانات صندوق النقد الدولي.

وبينما تسارعت عجلة التنمية الاقتصادية خلال العقد الأخير من حكمه، ظل 40% من المصريين في المناطق الريفية غارقين في مستنقع الفقر، وبلغ معدل البطالة الرسمي حوالي 10%. ساعدت هذه الظروف في تأجيج الاحتجاجات التي أطاحت به ، كما حدث في الثورة التونسية التي أطلقت الربيع العربي، كما تقول هيلاري كلارك في تغطيتها لشبكة سي إن إن. 

أصبحت الحياة أكثر صعوبة بالنسبة لمعظم المصريين خلال سنوات حكمه، وتلاشى العقد الاجتماعي. وأصبح ينظر إليه على أنه رئيس مستبد منعزل عن شعبه يرعى الفساد والمحسوبية أو سمح بهما على الأقل. ولا غروَ أن يمضي السنوات الأخيرة من حياته في مواجهة تهم الفساد المالي والتواطؤ في قتل المحتجين المصريين. 

خلال سنواته الأخيرة في السلطة، أدرك السيد مبارك، مثله مثل الزعماء العرب الآخرين، أن الاقتصاد المتعثر كان يمثل تهديدًا للاستقرار الاجتماعي – ولسلطته الخاصة – لذلك بدأ التحرك نحو خصخصة الصناعات المملوكة للدولة وفتح أبواب الاقتصاد، وعين حكومة جديدة. ولبعض الوقت، أظهرت المؤشرات الاقتصادية في مصر نموًا ملحوظًا. لكن تلك الطفرة لم تفعل الكثير لتحسين ظروف الفقراء، الذين يشكلون أغلبية المواطنين.

تدهورت الحياة في مصر خلال عهد مبارك. إذ وضع المنتدى الاقتصادي العالمي مصر في المرتبة 124 من 133 دولة من حيث جودة نظام التعليم الابتدائي. وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة في تقرير عام 2010 إن عدد الأسر المصرية الفقيرة التي لديها أطفال تجاوز مستويات عام 1996، وأن 23% من الأطفال دون سن 15 في ذلك البلد يعيشون في فقر. وقال التقرير إن 45.3% من الأطفال في صعيد مصر يعيشون في فقر.

وفي عام 2009، آخر سنة حكم كاملة لمبارك، صنّف تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية مصر في المرتبة 123 من أصل 182 دولة حول العالم في قضايا مثل حقوق الإنسان وعدم المساواة الاقتصادية والتعليم والفقر، في مرتبة متدنية حتى عن ليبيا وألبانيا وسوريا، ليتراجع ترتيبها عن المرتبة 116 التي كانت عليها قبل عام.

وأظهر مسح نشرت صحيفة الجارديان البريطانية نتائجه في سياق تغطيتها لوفاة مبارك أن 70 ألف مصري يمتلكون أصولًا صافية تزيد قيمتها على 5 ملايين دولار لكل منهم، في حين أن نصف المواطنين المصريين على الأقل يعيشون بما يعادل دولارًا ونصف فقط في اليوم.

من «ملكة جمال» إلى «ربة منزل»!

بعدما صعد إلى سدة الحكم، شنَّ مبارك حملة ضد الجماعات العنيفة، واستمر في الحكم بأسلوبٍ أقل خفوتًا ونشاطًا على نحوٍ يتناقض مع البريق الذي كان يشعّ خلال سنوات حكم السادات، بحسب تقرير بلومبرج.

عن هذا التحوُّل، تقول ليلى تكلا، التي كانت عضوة معارضة في البرلمان آنذاك: «في ظل وجود السادات رئيسًا كان الأمر يشبه الزواج من ملكة جمال العالم. كان الأمر رائعًا لفترة من الوقت، ولكن بعد ذلك كنتَ بحاجة إلى شخص ما للقيام بالطهي والعناية بالأطفال».

وتقول واشنطن بوست: مقارنةً بسلفه، كان مبارك يعتبر شخصية مبتذلة وتفتقر إلى الجاذبية. كان قائدًا يفتقر إلى البريق والموهبة. وقال المصريون عنه إنه «ليس لديه شخصية». وهو بالفعل لم يكن سياسيًا طبيعيًا بالفطرة، لكنه كان سياسيًا يؤدي دوره بفعالية تامة.

Embed from Getty Images

وتلفت تغطية إن بي آر الأمريكية إلى أن الهجوم الذي أودى بحياة السادات وأدى إلى إصابة مبارك، ساعد في تشكيل أجندة الأخير حينما صعد إلى سدة الرئاسة؛ إذ جعل الأمن أولوية مطلقة، واعتقل وسجن الإسلاميين ومؤيديهم في جميع أنحاء البلاد.

وأعلن قانون الطوارئ – الذي ظل معمولًا به طوال فترة رئاسته بأكملها – ما سمح له بإبقاء المعارضين السياسيين في السجن، دون توجيه تهمة أو المثول للمحاكمة. وتعرض العديد من السجناء في عهده للتعذيب والإعدام، كما ذكرت واشنطن بوست.

وباعتباره رئيسًا، لم يتردد مبارك أبدًا في الالتزام بالمسار الذي رسمه السادات مع إسرائيل. لكنه لم يكن بأي حال من الأحوال صديقًا للإسرائيليين، الذين عبروا في كثير من الأحيان عن انزعاجهم منه، وإن حافظ على «سلام بارد» مع جيرانه الذين يعيشون في ناحية الشرق، وأبقى مصر خارج الحرب.

ويقول الكاتب والمؤلف هيو روبرتس: «حصل السادات بطريقة ما على كاريزما معينة؛ ويرجع ذلك في الأساس إلى أنه كان يمتلك أفكارًا كبيرة. وأعتقد أن مبارك لو كان قد استخلص درسًا من تجربة السادات، فهو أنه من الأفضل ألا يمتلك طموحات كبيرة فيما يتعلق بتغيير الأمور تغييرًا جذريًا».

وقال عبد المنعم سعيد، وهو عضو في الحزب الوطني الحاكم، في مقابلة قبل تنحي مبارك: «لقد فعل شيئًا لم يفعله عبد الناصر ولا السادات. بينما اعتاد الرئيسان اللذان سبقاه أن يكون لديهما مستشارون في قضايا مختلفة، فإن مبارك لم يفعل ذلك. كانت لديه سكرتارية صغيرة جدًا. وما دفعه إلى هذا النهج هو خوفه من حصول الموظفين في مكتب الرئيس على مزيد من السلطة».

هكذا سوَّق مبارك نفسه للغرب

يضيف التقرير الذي نشرته صحيفة USA Today: «على مر السنين تجنَّب مبارك الطفرات في التغيير السياسي، وقدَّم نفسه على أنه حامي مصر الوحيد من التشدد الإسلامي والانقسام الطائفي. وحين دفعته الولايات المتحدة بقوة أكبر من أجل إجراء تغييرات؛ كانت النتيجة أنها نَفَّرته بدلًا من إقناعه بالتغيير. وخوفًا من خسارة تحالفها مع مصر، أقوى دولة عربية، تراجعت واشنطن. 

تقول التغطية التي نشرتها صحيفة واشنطن بوست: صوّر مبارك نظامه كما لو كان الركن الركين الذي لا غنى للغرب – خاصة الولايات المتحدة – عنه. وتودد إلى الرؤساء الأمريكيين، وفي المقابل أثنى عليه زعماء، مثل رونالد ريجان وبيل كلينتون، باعتباره شريكًا لا غنى عنه للحفاظ على السلام في منطقة يعتبر السلام فيها سلعة نادرة.

راهن عليه كثيرون في الغرب، وبالفعل «حكم بلاده بقبضة حديدة طيلة ثلاثة عقود. وخلال 29 سنة من حكمه، نجا من محاولات اغتيال وعلل صحية، وسحق حركة إسلامية راديكالية متصاعدة، وحافظ على اتفاق السلام مع إسرائيل، الذي أدى إلى مقتل سلفه»، على حد قول هيلاري كلارك في موقع سي إن إن.

لكن الفشل المتكرر في الوفاء بوعود التغيير أدى إلى تعميق الشعور العام باليأس، وغرس الفزع في نفوس الساعين إلى مستقبل ديمقراطي، حين وجدوه يُمَهِّد الطريق لنقل السلطة إلى ابنه جمال، بحسب تقرير الأسوشيتد برس.

مكافأة أمريكا لـمبارك على مشاركته في حرب الخليج 1991

حينما كانت مصر على وشك الإفلاس؛ عندما توقفت عن سداد ديونها الخارجية. ولم يوافق الدائنون على شطب ديونهم إلا عندما وافق مبارك على إرسال قوات للمشاركة في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لطرد القوات العراقية من الكويت في عام 1990، بحسب بلومبرج.

مبارك مع الشيخ زايد آل نهيان حاكم أبوظبي في قمة عربية طارئة على خلفية غزو الكويت

وتقول واشنطن بوست عن تلك المرحلة: خلال حرب الخليج عام 1991، اعتبر مبارك غزو صدام حسين للكويت عملًا عدوانيًّا يستحق الشجب. وأرسل 45 ألف جندي مصري للمشاركة مع القوات التي تقودها الولايات المتحدة في الحرب ضد العراق. وخرج مبارك من هذه الحرب بمبلغ 10 مليارات دولار إعفاءات من الديون مكافأةً له على مشاركته بالقوات.

إدارة مبارك لعلاقاته الخارجية

خلال فترة رئاسة مبارك، شهدت مصر عدة سنوات تأججت فيها نيران التطرف الإسلامي الداخلي. وفي عام 1997، وصل العنف إلى ذروته عندما أُطلِق النار على 58 سائحًا أجنبيًا في الأقصر. وكانت تلك المذبحة، التي أضرت بصناعة السياحة في مصر، إيذانًا باستعداء الكثير من المصريين بحسم ضد العنف الديني. 

لكن في خضم الاستياء من الفساد وعدم المساواة الاقتصادية، اكتسبت جماعة الإخوان المسلمين شعبية، وهي حركة إسلامية كانت قد نبذت العنف في سبعينيات القرن الماضي.

مسلحًا بخبراته في الداخل، بدأ مبارك يصدر تحذيرات لحلفائه. ففي سبتمبر (أيلول) 2001، سخر من الغرب لفشله في التعامل مع الإرهاب بجدية، محذرًا من أن أحداثًا خطيرة باتت وشيكة. وبعد بضعة أيام فقط، في 11 سبتمبر، هاجم تنظيم القاعدة الولايات المتحدة.

وعارض مبارك الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003، محذرًا من أن «أبواب الجحيم» ستفتح في الشرق الأوسط. وقال: إنه يجب معالجة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني باعتباره خطوةً أولى نحو السلام الإقليمي.

وحاول إنهاء الصراع بين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وحركة حماس التي سيطرت على قطاع غزة في عام 2007، لكن مبارك في المقابل، واجه انتقادات في داخل مصر، وفي العديد من الدول العربية؛ لأنه أغلق حدود غزة إلى حد كبير، بموازاة إغلاق إسرائيل حدودها مع القطاع الساحلي.

«مبارك» ولعبة السير على الحبال

لم يتراجع مبارك قط عن سياسة التقارب الدبلوماسي مع إسرائيل، بحسب تقرير بلومبرج، رغم أن زيارته الوحيدة للدولة اليهودية كانت في تشييع جنازة رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في عام 1995. ولم يكن مؤيدًا قويًا لاتفاقية كامب ديفيد للسلام التي وقعها الرئيس السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجن عام 1979، كما تقول بي بي سي.

ونجح في استعادة العلاقات مع الحكام العرب الذين أغضبهم قرار السادات بالتوقيع على معاهدة سلام مع إسرائيل، بحسب تقرير بلومبرج. وبدأ في بناء علاقات شخصية قوية مع نظرائه العرب، خاصةً ولي العهد السعودي الأمير فهد.

وقال للزعماء العرب في عام 1996: «لا يوجد بيننا أي شخص يريد إعادة المنطقة إلى حالة الدمار التي خلفتها الحرب، أو إلى حالة اللاحرب واللاسلام. نحن مصممون بإخلاص على الكفاح من أجل السلام حتى النهاية». كما حافظ على التحالف بين مصر والولايات المتحدة، والذي بدأ بانفصال السادات الصاخب عن الاتحاد السوفيتي. وبموجب هذا التحالف، أصبحت مصر تتلقى مساعدات عسكرية أمريكية تبلغ قيمتها حوالي 1.3 مليار دولار سنويًّا.

Embed from Getty Images

كيف فشل مبارك في توريث عرش مصر لنجله جمال؟

في عام 2005، فتح مبارك الباب أمام عدة مرشحين لخوض الانتخابات الرئاسية. ومع ذلك، كانت اللوائح مقيدة للغاية بحيث لم يظهر أي منافسين أقوياء. ولم يحصل المرشح الثاني، المحامي أيمن نور، سوى على نسبة 7% فقط من الأصوات مقابل 88% لمبارك. وانتهى به المطاف في مواجهة حكم بالسجن لمدة أربع سنوات بتهمة الاحتيال، لكن جماعات حقوق الإنسان تقول إنها تهمة مختلقة.

وفي الانتخابات التي جرت في وقت لاحق من ذلك العام، فازت جماعة الإخوان المسلمين بـ88 مقعدًا في البرلمان المكون من 454؛ وهي نتيجة مفاجئة قوبلت بقمع الناشطين الإسلاميين والسياسيين العلمانيين المناهضين لمبارك والقضاة ومحرري الصحف والمدونين والمتظاهرين في الشوارع. واعتقل المئات من نشطاء جماعة الإخوان المسلمين وقدم بعضهم للمحاكمة أمام محاكم عسكرية خلف الأبواب المغلقة.

وأخيرًا جاء سقوطه على أيدي تحالف غير متوقع من أحزاب المعارضة وجماعة الإخوان المسلمين وحركة شبابية استطاعت تعبئة الشوارع من خلال فيسبوك وتويتر.

ولم يحدد مبارك رسميًا خليفة له، بل عيّن رئيس المخابرات عمر سليمان نائبًا للرئيس في يناير (كانون الثاني) 2011؛ في محاولة لنزع فتيل الاحتجاجات المتصاعدة. لكن صعود نجله جمال في صفوف الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم دفع المصريين إلى تخمين أنه سيخلف والده.

بدلًا من ذلك، ذهب هذا المنصب لفترة وجيزة إلى مرسي، ثم انتقل كرسي الرئاسة، بعد ثورة دعمها الجيش عام 2013، إلى قائد الجيش السابق عبدالفتاح السيسي، الذي يقول منتقدون إنه أعاد مصر إلى نمط الاستبداد الذي أتقنه مبارك. 

وبينما سمح مبارك خلال فترة حكمه بهامش من الحرية للمعارضة – ضمن خطوط حمراء محددة لم تتضمن أي انتقادات لعائلته – إلا أنه فشل في الوفاء بتعهداته بفتح أبواب النظام السياسي. وكانت سنوات حكمه مصبوغة بلون القمع الذي فرضه على مجموعة واسعة من المنافسين المتصورين، بموجب قانون الطوارئ الصادر عام 1981، وهو ما ساعد في تأجيج حالة الاستياء التي أدت إلى سقوطه.

أي إرث خلَّفه مبارك بعد رحيله؟

ما بين عنوان هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) الذي توَّج الرئيس المصري الراحل بلقب «رجل الحرب والسلام»، وعنوان وول ستريت جورنال الذي وصمه بأنه «المستبد المصري الذي أزاحته انتفاضة شعبية»؛ اختلف المراقبون حول إرثه في حياته وحتى بعد وفاته بين مادِح وقادِح، كلٌ يعبر عن وجهة نظره انطلاقًا من موقفه واستنادًا إلى ترتيب أولوياته.  

لكن بالنسبة للعديد من المصريين، كان مبارك «رمزًا لكل البلايا التي حاقت ببلادهم. وإذا ذُكِر حكمه الذي استمر قرابة ثلاثة عقود ذكر معه القمع السياسي والفساد المتفشي والركود الاقتصادي الذي اكتوى بنيرانه جُلّ المصريين باستثناء قلة من النخبة»، كما تقول مراسلة إن بي آر، ثريا سرحدي نيلسون.

Embed from Getty Images

وعلى أقل تقدير، كان الإرث الذي تركه مبارك وسيذكره الناس به، هو: أنه «الرئيس الذي قاد مصر خلال فترة ضمورها الطويلة والبطيئة»، حسبما يعتقد الأستاذ الجامعي والمؤلف هيو روبرتس. 

لفترةٍ ما، بدا مبارك وكأنه حاكمٌ لا يُقهَر؛ إذ نجا من محاولات اغتيال متعددة، واحتفظ بالسلطة لفترة أطول من أي حاكم آخر منذ أن عهد محمد علي باشا، مؤسس الدولة المصرية الحديثة، وبدا كما لو أنه يتحدى الشيخوخة نفسها، حسبما كتب مايكل سلاكمان في صحيفة نيويورك تايمز.

لكن تبيَّن أن صرح السلطة الذي بناه كان هشًا ومؤقتًا، ولا غروَ فالقواعد التي أسس عليها حكمه كانت مزيجًا من القبضة القوية والمحسوبية والتحالف مع الغرب. برغم ذلك ظل يحتفظ بالصورة المصطنعة التي رسمها لنفسه بوصفه أبًا أسيء فهمه ساقته المقادير لقيادة البلاد.

كانت المبادئ التوجيهية لنظام مبارك هي الأمن والاستقرار، وكانت دعائم دولته هي: الشرطة وأجهزة المخابرات وشخصه. لذلك وضع وطنه، والغرب، أمام خيارين: إما أن أبقى في السلطة أو تسود الفوضى. وكان تركيزه على الأمن يقتصر على أمن النظام.

تنقل الصحيفة عن الصحفي المصري سلامة أحمد سلامة قوله: «لقد كان يعتقد أن الاستقرار أهم من أي تطور أو تقدم للأمام. ولم يكن لديه أي رؤية خاصة ولا إنجاز ملحوظ. وكل ما فعله كان الحفاظ على الوضع الراهن، حتى دون محاولة تحسينه بأي درجة. وكانت مساهمته في حل المشاكل المزمنة التي تعاني منها مصر، مثل الأمية والفقر والمرض، ضئيلة للغاية».

في عام 1986، بعد خمس سنوات من توليه منصبه، أعرب الصحفي المصري المعروف محمد حسنين هيكل عن حالة عدم اليقين السائدة عندما قال: «نحن في انتظار المجهول». وظل هذا هو الوضع حتى بعد مرور قرابة ثلاثة عقود على توليه الرئاسة، حتى أزاحه الشعب مطلع العقد الفائت، ثم غيَّبه الموت تحت الثرى في مطلع العقد الجديد.

الربيع العربي

منذ سنة واحدة
أصحاب «الصوت العالي».. قصة أسرة علاء عبد الفتاح التي أزعجت رؤساء مصر

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد