يستعرض ديفيد سميث في مقاله الذي نشرته صحيفة «الجارديان» تفاصيل محتويات متحف التجسس الدولي الجديد في واشنطن. من بطاقة صعود الطائرة الخاصة بأحد منفذي هجمات 9/11 إلى أدوات التعذيب والإيهام بالإغراق وصولا إلى سيارة أستون مارتن الخاصة بجيمس بوند. في علبة زجاجية وعلى خلفية من اللون الأحمر العميق، يقبع فأس جليدي لا يزال يحمل علامة صدأ، كنتيجة لبصمة دموية تركت عليه قبل عقود. وذات يوم من عام 1940، كان هذا الفأس مخبأً داخل سترة بدلة رامون ميركادر، بينما كان يمشي إلى مكتب ليون تروتسكي، الثوري الروسي الذي يعيش في المنفى في المكسيك، بعد أن حكم عليه بالإعدام باعتباره «عدوًا للشعب» في وطنه.

Embed from Getty Images

تسلل ميركادر خلف مكتب تروتسكي وألقى الفأس بقوة هائلة، واخترق فأسه حوالي 8 سنتيمترات داخل جمجمة تروتسكي. توفي تروتسكي بعد 26 ساعة، وقضى ميركادر 20 عامًا في السجن ثم عاد ليجد استقبال الأبطال بانتظاره في موسكو. على فراش الموت في عام 1978، كانت آخر كلمات ميركادر: «أسمعها دائمًا. أسمع الصراخ. أعلم أنه ينتظرني على الجانب الآخر». أبقى قسم الشرطة المكسيكية الفأس كدليل، وقام بعرضها في وقت لاحق في متحف. عندما تقاعد مدير المتحف في الستينيات، قدمت الفأس له كهدية. ونقلها لاحقًا إلى ابنته، التي وضعت الفأس أسفل سريرها لمدة 40 عامًا قبل طرحه للبيع في عام 2005. هذه البقية الاستثنائية من حكم ستالين القاتل وجدت طريقها في النهاية إلى متحف التجسس الدولي، الذي افتتح للتو في العاصمة الأمريكية واشنطن. يعتبر الفأس واحدًا من بين ما يقرب من 10 آلاف قطعة أثرية معروضة في هذا المتحف الضخم غير الربحي بقيمة 162 مليون دولار. تبرع كيث ميلتون بأكثر من نصف القطع، وهو رجل أعمال من فلوريدا أمضى 45 عامًا في السفر حول العالم لجمعها. كانت النسخة السابقة من المتحف تحتوي على حوالي 3 آلاف قطعة أثرية مع القدرة على عرض حوالي 600 قطعة فقط في وقت واحد. صمم هذا المتحف الجديد -وهو مبنى عملاق غير بعيد عن نصب واشنطن- من قبل روجرز ستيرك هاربور وشركاه.

تاريخ الجاسوس الأمريكي الأول

يتحدث الكاتب عن القسم الخاص بجيمس لافاييت، وهو عبد أسود من فرجينيا، وبعد أن زعم أنه هرب من مزرعته، تمكن من التسلل إلى المخابرات البريطانية خلال الثورة الأمريكية. لعب لافاييت دورًا محوريًا في صراع القرن الثامن عشر بوصفه عميلًا مزدوجًا، إذ خدع البريطانيين ونقل معلومات مهمة إلى فريقه. عاد لافاييت إلى الحياة عبدًا بعد ما احتفلت أمريكا بحريتها، إذ أن قيامه بعمليات التجسس تلك حرمته من الاستفادة بقانون 1783، الذي أقر بتحرير العبيد الذين حاربوا من أجل الثورة. أُطلق سراحه في نهاية المطاف بعد تقديم التماس إلى الكونجرس وانتقل إلى مزرعة مساحتها 40 فدانًا وبدأ في تكوين أسرته.

Embed from Getty Images

مما يقودنا إلى جورج واشنطن، أول رئيس للولايات المتحدة، الذي تولى منصبه في عام 1789. بعد أن رأى قيمة التجسس في الثورة، كان واشنطن أيضًا الجاسوس الأعلى في البلاد، والرسالة التي كتبها أنشأت أول وكالة استخبارات أمريكية. تتحدث الرسالة عن «ميزة الحصول على أقرب وأفضل المعلومات الاستخباراتية لتصاميم العدو» ووجهت الرسالة إلى ناثينلين ساكيت، وهو خبير في القبض على الجواسيس. عُرض على ساكيت 50 دولارًا شهريًا بالإضافة إلى 500 دولار لإنشاء شبكة استخباراتية. قال رائد بريطاني عن الثورة: «واشنطن لم تضربنا عسكريًا، بل تفوقت علينا استخباراتيا!».

أبرز جواسيس المتحف

وهناك أيضًا ماتا هاري، النموذج الأصلي للأنثى المغرية على حد تعبير الكاتب. أحبت الراقصة الهولندية، والتي أُعدمت بتهمة التجسس في عام 1917، الشهرة ومُلئت سجلات القصاصات بأكملها بمقالات وصور لها. ألقت فرنسا القبض عليها بتهمة التجسس لصالح ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى. يلخص أحد المعلقين حياة العميلة H-21 ببساطة: «رقصات مغرية. حجاب واهٍ. حبر غير مرئي. إعدام رميا بالرصاص.» هناك أيضا سيدني رايلي، «جوكر الجواسيس»، والذي من المفترض أن يكون مصدر إلهام جيمس بوند. ولد شلومو روزنبلوم في ما يعرف الآن بأوكرانيا وانتقل إلى بريطانيا وسافر عبر العالم لبيع الأسلحة، وكان لديه ثلاث أو أربع زوجات (اثنتان على الأقل في وقت واحد) وما يصل إلى ست عشيقات. خطط لانقلاب معاكس ضد لينين في روسيا، وكان ذلك المخطط نهايته. كان اسمه الرمزي ST1، في إشارة إلى المكتب في ستوكهولم الذي تعامل معه، على الرغم من أن مؤلف جيمس بوند إيان فليمنج غيّر هذا الأمر إلى الاسم الأكثر جاذبية 007.

Embed from Getty Images

كما يذكر الكاتب قسم جونا مانديز، التي تحدت التحيز ضد الإناث لتصبح عميلة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية و«سيدة التنكر». إذ أنها ارتدت قناعًا لاجتماع المكتب البيضاوي مع الرئيس جورج بوش الأب وفشل في رؤيتها. ومع ذلك فالقناع الذي يعتبر سريًا ليس معروضًا. منديز، وهي متخصصة في الكاميرات المصغرة، ظلت تتحرك سريًا في أرض معادية خلال الحرب الباردة، حيث تجسست في كل مكان من هافانا إلى موسكو إلى بكين، وهي الآن مصورة ومؤلفة. تحتوي المجموعة على مظلات مسممة وأصفاد تستخدم لتقييد الجواسيس الذين يتم القبض عليهم، وهي مجموعة واسعة النطاق ومليئة بالمفاجآت. بعد تخصيص «شارة هوية سرية» تستخدم تقنية التردد اللاسلكي، يتعرف المعرض التفاعلي على الزوار أثناء تجولهم داخل المتحف. أثناء التنقل عبر المتحف، يمكن أن يشعر الزوار ببعض الاضطراب وانعدام التنظيم: فتارة تقرأ عن القبض على عملاء روس مؤخرًا في الولايات المتحدة، وتارة تكتشف أسرار صناعة زجاج البندقية.

التجسس في هجمات 11 سبتمبر وبيرل هاربر

وفي إحدى الغرف تجد اثنتين من أعظم إخفاقات المخابرات الأمريكية: الهجمات على بيرل هاربور في عام 1941 وفي نيويورك في عام 2001. ومن بين أكثر المعروضات المذهلة بطاقة صعود الطائرة التي استخدمها أحمد الغامدي على متن رحلة الخطوط الجوية المتحدة 175 من بوسطن. ساعد الغامدي في اقتحام قمرة القيادة وإبقاء الركاب تحت السيطرة حتى يتمكن مروان الشحي من قيادة الطائرة إلى البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي. يقدم كلا القسمين دروسًا حول صعوبة فصل الإشارة عن الضوضاء بحسب الكاتب. في مذكرة من رئيس العمليات البحرية الأمريكية بتاريخ 1 فبراير (شباط) 1941 بعنوان: «هجوم ياباني متوقع على بيرل هاربور». وتقول أن وزير بيرو في طوكيو قد سمع من العديد من المصادر أنه «في حالة حدوث اضطرابات بين الولايات المتحدة واليابان، يعتزم اليابانيون شن هجوم مفاجئ على بيرل هاربور بكل قوتهم». وفي تقرير يومي قدم إلى الرئيس جورج بوش من وكالة الاستخبارات الأمريكية في الشهر الذي سبق هجمات 11 سبتمبر (كانون الأول) عنوانه: «بن لادن عازم على ضرب الولايات المتحدة». ويذكر التقرير «الإبلاغ عن تهديدات متصاعدة» حول أسامة بن لادن ونيته اختطاف الطائرات الأمريكية. أصبحت وفاة بن لادن على أيدي قوات البحرية الأمريكية بمثابة قطعة متحف بعد مرور ثماني سنوات على الحدث، إن لم تكن أصبحت لعبة فيديو حقيقية. تحمل الشاشة العملاقة عنوان «البحث عن أسامة بن لادن» مع أيقونات «ساعي بن لادن» و «قيادة القاعدة». يجلس الزوار على شاشات تعمل باللمس أمام نموذج للمجمع في باكستان حيث كان بن لادن يختبئ. تظهر المحاكاة شخصية تخطو حول المبنى. ينادي صوت داخل المحاكاة: «من يكون هذا؟ تذكر – الرئيس قرر المضي قدمًا في مداهمة المجمع. نحتاج أن نريه نتائجنا».

Embed from Getty Images

قسم التعذيب والحرب على الإرهاب

أما القسم الأكثر جدلًا بحسب الكاتب هو قسم الحرب على الإرهاب. في رسائل صفراء عملاقة ملطخة على حائط سندري، يسأل هذا المتحف -الذي لم يحصل على تمويل حكومي-: «ما هو التعذيب؟» يمكن للزائرين رؤية مجموعة من أدوات الإيهام بالغرق بأنفسهم أو الصعود داخل نسخة طبق الأصل من «صندوق الضغط» وهو صندوق ضيق للغاية للجلوس في الداخل ومنخفضة للغاية للوقوف فيه.

Embed from Getty Images

تشير لوحة إلى أن جورج دبليو بوش وقع على برنامج استجواب محسّن «غير مسبوق» مكّن المحققين من «خلع القفازات» واستخدام تقنيات مثل الإيهام بالغرق، لكن باراك أوباما أنهى هذا البرنامج في عام 2009. وتتساءل لوحة آخرى بشكل استفزازي: «هل يعمل الاستجواب المحسن؟» لترد لوحة ثالثة: «يعتمد ذلك على من تسأل. كثيرون واثقون من أن الأساليب القوية فعالة. بينما يعتقد آخرون بمن فيهم المحققون ذوو الخبرة وعلماء النفس والأشخاص الذين عانوا من مثل هذه التقنيات، أن أشكال الاستجواب الأقل حدة تؤدي إلى نتائج أفضل. هناك الكثير في متحف التجسس الدولي: تقنيات المراقبة المذهلة في ستاسي في ألمانيا الشرقية مع 90 ألف عميل والعديد من المخبرين المواطنين وفندق كامل تم تزويره للتطفل، وجزء من نفق بُني في برلين في الخمسينيات للسماح للولايات المتحدة وبريطانيا التجسس على خطوط الاتصالات السوفييتية، وقصة عميل وكالة الأمن القومي المبلغ عنه إدوارد سنودن، بما في ذلك قطع من مقالة من الجارديان. الجواسيس الخيالية ليست بعيدة كذلك. وضعت سيارة أستون مارتن الخاصة بجيمس بوند، مع لوحة رقم السيارة القابلة للتغير في قاعة المدخل، في حين تعرض الأسنان المعدنية لعدوه العملاق جوس. يوجد قسم مخصص للتلفزيون والجواسيس السينمائيين، ومعرض عن الزوجين الروسيين الذين ألهموا الدراما التلفزيونية The American. يقول الكاتب في الختام أن على الرغم من أن السرد غير خطي، إلا أنك تخرج مع انطباع عن طبيعة التجسس المتغيرة بسرعة، من الأدوات المخبأة في أعقاب الأحذية أو جذوع الأشجار إلى الجوانب الأكثر حداثة للتجسس الإلكتروني. كما يذكر أيضا تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية لعام 2016. يعلق المتحف أن «تفاصيل الهجمات الروسية ما زالت تظهر» وأن «القصة ما تزال تتكشف».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات