قال بيتر هاريس في مقال له على موقع «ناشيونال إنترست» إن النظام الدولي الذي وُضع في أعقاب الحرب العالمية الثانية صُمم بهدف منع الحروب بين الدول وليس لإسقاط الحكومات الدكتاتورية.

وأوضح هاريس أنه على الرغم من أن حرب فيتنام كانت كارثية بالنسبة للولايات المتحدة، إلا أن المحلل الأمريكي الشهير ليزلي جيلب وصف السياسة المتبعة آنذاك قائلًا «لقد نجح هذا النظام». لم يقصد جيلب أن الحرب الأمريكية ضد خصومها في الهند الصينية كانت ناجحة «كان قد وصف الحرب بأنها مستنقع»، لكن القادة الأمريكيين حصلوا على النتيجة التي أرادوها. كانت هذه النتيجة حربًا باهظة التكلفة ومن الواضح أنه كان يستحيل الانتصار فيها، ولكنها أفشلت انتصارًا شيوعيًا على المدى القصير. وزعم جيلب أن قادة أمريكا لم يقصدوا أبدًا الفوز بالحرب في فيتنام. لقد أرسلوا عشرات الآلاف من الجنود إلى حتفهم ببساطة حتى لا تضيع فيتنام الجنوبية الواقعة تحت حمايتهم.

الرئيس الأمريكي ليندون جونسون صاحب قرار الحرب في فيتنام

بعدها بثلاثة عقود، استخدمت سامانثا باور نفس العبارة لوصف تراخي الولايات المتحدة تجاه الإبادة الجماعية في رواندا. قالت «لقد نجح النظام»، بمعنى أن سياسة عدم التدخل التي تتبعها أمريكا لم تكن حادثًا بل خيارًا متعمدًا من جانب واشنطن. كان بوسع صناع القرار أن يختاروا التحرك لوقف المذبحة التي قضت على أكثر من 800 ألف رواندي إذا أرادوا. لكن إيقاف الفظائع لم يكن أولوية أبدًا لأمريكا. بل فضلت التركيز على أهداف أخرى.

واليوم – يشير هاريس – من الإنصاف القول إن النظام قد نجح في سوريا. لكن هذه المرة، لا يمكن وضع اللوم فقط على كاهل السياسيين الخجولين في الولايات المتحدة. بل إن العيب يكمن في النظام الدولي.

طيلة سبعة أعوام ونصف من الفظائع التي لا توصف في سوريا – حتى عام 2018، قُتل أكثر من 500 ألف شخص وشُرد أكثر من نصف سكان البلاد – ظل المجتمع الدولي يعالج الأزمة بالقوانين التقليدية. الأدهى من ذلك هو أن النظام الدولي وُضع لخدمة مصالح الدول القوية على حساب الضعيفة.

ظهور «داعش» أحد أسوأ تجليات الحرب السورية

لقد بُني النظام الدولي على مجموعة من القواعد التي تحمي المدنيين وقت النزاعات – يؤكد هاريس. فمنذ الحرب العالمية الثانية «وخاصة بعد عام 1991»، قامت أمريكا وحلفاؤها بنشر كتاب قواعد دولي مشترك جعل العالم، على وجه العموم، مكانًا أفضل وأكثر تسامحًا. وكان يُخشى من أن القوى الاستبدادية مثل الصين وروسيا ستقلب النظام الليبرالي لصالح شيء أقل إنسانية. ولكن منذ انتخاب دونالد ترامب، يبدو أن أمريكا نفسها هي التي تمزق الكتاب الليبرالي إلى أشلاء.

هناك من يجادل بأن هذا النظام لم يكن أبدًا قائمًا على القواعد أو منظمًا كما كان يرغب واضعوه. وفي الواقع، هناك قدر كبير من الحقيقة لهذه الادعاءات – يرى هاريس – ولكن سيكون من الخطأ رفض وجود نظام دولي قائم على القواعد كليًا. وببساطة، هناك بعض القواعد والقيم التي تتمسك بها أقوى الحكومات في العالم، والتي يبدو أنها تحرك سياساتها الخارجية. لكن هذه القواعد لا تحمي دائمًا حياة الناس العاديين وكرامتهم. وقد برز هذا الجانب المظلم من النظام الدولي بشكل مؤلم في حالة سوريا.

بدأت الحرب الأهلية السورية في مارس (آذار) 2011. وفي غضون أشهر، كانت الحكومات الإقليمية تمول وتساعد فصائل متناحرة. وطالب البعض بتنحي الرئيس بشار الأسد، بحجة أنه لا يمكن تحقيق السلام إلا إذا تنحى الديكتاتور.

ظلت القوى الكبرى في العالم متخذة موقف المتفرج لمدة ثلاث سنوات قبل التحرك بجدية لحل الصراع. في ذلك الوقت، كان قد قُتل عشرات الآلاف من السوريين على أيدي القوات الموالية للأسد، والمتمردين المناهضين للحكومة، وبسبب المرض والجوع. ومع ذلك، لم يفكر العالم في التدخل العسكري أو حتى الدبلوماسي لفرض وقف لإطلاق النار على الأطراف المتحاربة. إذا كان مفهوم السيادة يضع «مسؤولية حماية المدنيين» على نظام الأسد، فإنه لم يفعل ذلك – ولم يجبره المجتمع الدولي على ذلك.

في الواقع، بدلًا من التعاون لوقف القتال – ينوه هاريس – عززت القوى الخارجية جهودها لتوفير الأسلحة والمعدات، وتدريب المقاتلين المحليين، وتقاسم المعلومات الاستخباراتية، مما أبقى نيران الحرب مشتعلة. بالنسبة للعالم الخارجي، كان ضمان انتصار «الجانب الأيمن» في سوريا أكثر أهمية من وضع حد للقتال. وما يزال الأمر كذلك.

روسيا كانت السبب الرئيسي في صمود نظام الأسد

أظهرت الولايات المتحدة نيتها التدخل عسكريًا في سوريا عند الضرورة في أغسطس (آب) 2013 – يواصل هاريس كلامه – عندما استخدمت قوات الأسد الأسلحة الكيميائية في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في دمشق. اعتُبر استخدام هذه الأسلحة تجاوزًا لما يسمى «الخط الأحمر» الذي وضعه الرئيس باراك أوباما، الذي بدأ التخطيط لضربة عسكرية محدودة لمعاقبة الحكومة السورية على جرائمها. لكن التدخل لم يأت. لم يستطع أوباما حتى الحصول على الدعم السياسي «في الداخل أو الخارج» لما وصفه جون كيري بضربة «محدودة للغاية» ضد الأسد.

وبدلًا من ذلك، تعاونت الولايات المتحدة مع روسيا، وهي حليف وثيق للأسد، لاستصدار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2118، الذي ألزم سوريا بتفكيك ترسانتها الكيميائية. فعوضًا عن اتخاذ موقف حازم ضد جرائم الأسد، أخذ القانون الدولي التقليدي مجراه مما سمح لأوباما بالادعاء بتحقيق انتصار دبلوماسي. بيد أن ذلك سمح أيضًا لروسيا بحماية حليفها السوري من هجوم مسلح وأعطت الأسد الضوء الأخضر لمواصلة حرب استعادة الأراضي. باختصار، نجح النظام الدولي؛ إذ حصلت كل الأطراف على مبتغاها، باستثناء المدنيين العاديين الذين ظلوا عرضة لجرائم النظام السوري الذي لا يرحم.

في العام التالي – يؤكد هاريس – وبعد أن حقق تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» مكاسب إقليمية هائلة في المنطقة، انهمرت الصواريخ الأمريكية على سوريا. في نظر الغرب، أدى صعود «داعش» إلى تحويل الحرب السورية من أزمة إنسانية إلى تهديد أمني حقيقي لم يعد من الممكن تجاهله. لم يهدد «داعش» فقط بالإطاحة بالحكومة المدعومة من الولايات المتحدة في العراق المجاور، ولكن الجماعة شنت عدة هجمات إرهابية كبيرة ضد أهداف غربية. وفي مواجهة مثل هذا التهديد، تحركت الولايات المتحدة لشن عمل عسكري.

لكن إدارة أوباما تجنبت مهاجمة مواقع الحكومة السورية خشية إثارة الصراع مع روسيا. كان تدخل الولايات المتحدة يستهدف القضاء على «داعش». وقد بُذلت جهود لضمان «تجنب الاشتباك» بين الولايات المتحدة وروسيا والأطراف المتدخلة الأخرى مثل إيران وتركيا. وباتت القوى الخارجية حرة في مهاجمة مختلف الفصائل النشطة داخل سوريا «داعش، والمتمردين المناهضين للحكومة» مع إفلات نسبي من العقاب، ويعترف كل منهم ضمنيًا بأن الآخرين يستطيعون فعل الشيء نفسه.

المدنيون السوريون كانوا الخاسر الوحيد في الحرب

وهكذا انتُهكت سيادة حكومة الأسد ولكن لم يتم الإطاحة به. إذ تحاشت القوى الخارجية شن هجمات مباشرة ضد نظام الأسد. بهذا المعنى، أكدت موسكو أن قواعد النظام الدولي قد صمدت واستمرت في العمل لصالح الحكومة ذات السيادة الاسمية في دمشق.

في يناير (كانون الثاني) 2017 – ينوه هاريس – كان من الواضح أن المجتمع الدولي يفضل بعض المعايير الدولية على أخرى عندما يتعلق الأمر بالأزمة السورية. خلال ست سنوات من القتال، اعترفت القوى الخارجية بأن التدخل في الشؤون الداخلية لسوريا سيحدث، وأنه سيجري حظر استخدام الأسلحة الكيميائية، لكن سيادة واستمرار نظام الأسد لن يتم تحديهما. هذه كانت الصفقة. لم يتم القيام بأي شيء ذي مغزى لإنهاء معاناة الشعب السوري.

كانت ضربات ترامب العسكرية ضد الحكومة السورية مفيدة في هذا الصدد. في عامي 2017 و2018، شنت أمريكا ضربات جوية ضد منشآت الأسد العسكرية لمعاقبته على استخدام الأسلحة الكيميائية. بالنسبة إلى ترامب ومؤيديه – يشدد هاريس – كان استخدام الأسد للأسلحة الكيماوية عملًا لا علاقة له بالسيادة – بل عمل بربري وغير قانوني تجب المعاقبة عليه. لكن من المعلوم أن جرائم الأسد الأخرى «التي لا تعد ولا تحصى» لم تستدعِ أي رد عسكري مباشر من أمريكا أو حلفائها أو أي طرف خارجي آخر. إذ لا يمكن القيام إلا بضربات صاروخية محدودة طالما تمتع الأسد بدعم موسكو.

هذه هي الحقيقة الصارخة التي أكدتها الأزمة السورية؛ ففي حين أن المجتمع الدولي متفق على عدم القبول باستخدام الأسلحة الكيميائية، تختلف وجهات نظر حكومات في العالم حول العمل المطلوب لوقف قتل نصف مليون مدني بوسائل أخرى. إن عمليات القتل الجماعي العشوائي والاغتصاب والتجويع والتعذيب – كل هذه الأعمال الوحشية وأكثر من ذلك مرت دون عقاب من قبل النظام الدولي لأنه لا يوجد أي قاعدة عملية لردعها. هذا لا يعني بالضرورة أن زعماء العالم لا يهتمون بالشعب السوري، لكن معظمهم لا يتفقون على مجموعة قواعد تحمي المدنيين أولًا.

ربما تكون القوى العظمى في العالم على حق في التركيز على بعض المخاوف «توازن القوى، العلاقات المستقرة بين الدول الكبرى، مبادئ السيادة والسلامة الإقليمية» أكثر من الإنسانية. ربما يكون النظام الدولي والاستقرار والاستمرارية أهدافًا تخدم الصالح العام. لكن من المهم الاعتراف بأن النظام الدولي الحالي هو مجموعة من القواعد الرسمية ومعايير السلوك المتساهلة التي لم تفعل سوى القليل لتخفيف المعاناة في سوريا وربما حتى جعلت الوضع الإنساني أسوأ.

من هذا المنطلق البشع – يختتم هاريس بالقول – نجح النظام الدولي في سوريا. فقد وُضعت إجراءات تسمح للجهات غير الحكومية المتحاربة مثل «داعش» والمتمردين المناهضين للحكومة بضرب قوى خارجية. وقد صدرت قرارات للحد من استخدام حكومة الأسد للأسلحة الكيميائية حتى في الوقت الذي يُقتل فيه الآلاف بالوسائل التقليدية. والحمد لله، لم تندلع حرب عالمية بسبب المستنقع السوري. كل هذا نتيجة لنجاح النظام الدولي. ومع ذلك، تظل المعاناة الهائلة تعصف بالشعب السوري.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد