عرض زعيم المنطقة الإثيوبية المضطربة وجهة نظر الجانب المتمرد من الصراع الذي أغرق البلاد في حالة من الفوضى، بعد أن بدأ رئيس الوزراء، آبي أحمد، عملية عسكرية فيها في نوفمبر (تشرين الثاني).

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا لمراسلها في أفريقيا، ديكلان والش، تحدث فيه عن الصراع الدائر في منطقة تيجراي الإثيوبية ووجهة نظر المتمردين هناك على لسان قائد الإقليم، ديبرتسيون جبريمايكل.

استهل المراسل تقريره بالقول: انحدر الموكب من قمة الجبل هبوطًا إلى الطرق الزَّلِقة نتيجة تساقط حبات البَرَد، وأثناء توجُّهِه نحو العاصمة الإقليمية لإقليم تيجراي عبر التلال الصخرية والنجوع النائية، تجمَّع الناس على جانبي الطريق للاحتفال به.

وقفت النساء مهلِّلات خارج المزارع الحجرية، وأطلق المقاتلون الرابضون على قمة سلسلة التلال أعيرة نارية في الهواء، بينما كانت المركبات تدور ناظرة إلى ركام المعركة؛ دبابات محترقة وشاحنات مقلوبة وحقل قذر حيث تقبع طائرة شحن عسكرية أسقطها مقاتلو تيجراي في 23 من يونيو (حزيران) وتحطمت على الأرض.

دولي

منذ 6 شهور
مترجم: بعيدًا عن إقليم تيجراي.. لماذا يندلع العنف في غرب إثيوبيا؟
 

كان زعيم تيجراي، ديبرتسيون جبريمايكل، عائدًا إلى منزله. وقبل ذلك بيومين، كانت مجموعة المتمردين التابعة له قد استعادت السيطرة على عاصمة الإقليم، ميكيلي، بعد ساعات من مغادرة القوات الإثيوبية للمدينة على نحو مفاجئ. والآن السيد ديبريسيون، نائب رئيس وزراء إثيوبيا الأسبق، يغادر الجبال حيث كان مختبئًا لمدة ثمانية أشهر ويقود حربًا لإعادة فرض سيطرته على المنطقة. 

احتفاء بدحر القوات الإثيوبية

ويلفت التقرير إلى ما قاله السيد ديبرتسيون ليلة الخميس في مقابلة هي الأولى له منذ سقوط ميكيلي: «لم أكن أتوقع أن أعود إلى الحياة، وهذا ليس أمرًا شخصيًّا، فالأمر الأكثر أهمية هو أن شعبي الآن حر والمنطقة خالية من الغزاة. كان الناس يعيشون في الجحيم والآن يمكنهم التنفس مرةً أخرى». وقدَّم زعيم تيجراي الرواية من منظور المتمردين في الصراع الذي أدخل البلاد في فوضى عارمة منذ الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) عندما أمر رئيس الوزراء، آبي أحمد، بشن حملة عسكرية هناك. وقد أدَّت الحرب الأهلية إلى نزوح أكثر من مليوني شخص وتفشي الجوع، فيما أفادت تقارير بأن السكان تعرضوا لأعمال عنف وحشية واعتداءات جنسية. 

وادَّعى السيد ديبريسيون، الذي يُعتقد أنه في أواخر الخمسينيات من العمر، أنه شلَّ الجيش الإثيوبي القوي، وهزم سبعة من فِرقه الاثنتي عشرة وقتل ما لا يقل عن 18 ألف جندي. كما ذكر بالتفصيل خططه لتوسيع دائرة المعارك في تيجراي، متحديًا الدعوات الدولية لوقف إطلاق النار، إلى أن تتمكن قواته من دحر كل القوات الخارجية بما يتضمن الجنود الإريتريين وميليشيات الأمهرة العِرقية. 

وقال السيد ديبريسيون: «لقد استولوا على الأرض بالقوة، لذا، فنحن سنعيدها بالقوة». 

Embed from Getty Images

آبي في عيون قائد تيجراي

يقول المراسل: عندما وصلنا لإجراء المقابلة في وقت متأخر من ظهيرة يوم عاصف إلى منزل يشبه الحصن في العاصمة ميكيلي، كان السيد ديبريسيون يعمل على جهاز كمبيوتر محمول في غرفة نوم مظلمة في الطابق العلوي. وكانت الحكومة قد قطعت الكهرباء عن المدينة وأغلقت شبكة الهاتف. 

واعتذر السيد ديبريسيون، الذي كان بالكاد يُرى في الظلام، عن هذه الظروف، وقال إن تيجراي «تحت الحصار» منتقدًا آبي – حليفه السياسي سابقًا – بصفته زعيمًا متهورًا وعديم الخبرة تخطى حدوده. وقال ديبريسيون: «هذا بلد معقد وفوضوي للغاية، وآبي لم يكن لديه الخبرة ولا النضج الكافيان، ولكن بسبب طموحه في أن يصبح حاكمًا للبلاد فقد عدَّنا عقبات في طريقه».

ولم ترد بيلين سيوم، المتحدثة باسم آبي، عندما طلبت منها «نيويورك تايمز» التعليق على الأمر.

ونظَّمت قوات دفاع تيجراي عرضًا يوم الجمعة بدا أنه يهدف إلى إذلال الزعيم الإثيوبي، حيث سار المقاتلون وهم يجرُّون 6 آلاف أسير حرب إثيوبي على الأقل وسط مدينة ميكيلي وهم يهتفون «آبي سارق»، وقادت الموكب امرأة تحمل صورة كبيرة للسيد ديبريسيون. 

وخاض زعيم تيجراي حربه الأولى في ثمانينيات القرن الماضي عندما كان رئيسًا لمحطة إذاعية تابعة لجبهة تحرير شعب تيجراي، وهي جماعة متمردة تقود المقاومة ضد الديكتاتورية الماركسية الوحشية في إثيوبيا. ووصل المتمردون إلى السلطة في 1991، وكانت قيادة تيجراي على رأس تحالف حاكم سيطر على إثيوبيا لما يقرب من ثلاثة عقود حتى أصبح آبي رئيسًا للوزراء عام 2018.

نجاحات حكومة تيجراي.. وبداية الأزمة

ويشير التقرير إلى أن قيادة تيجراي نجحت في تحقيق الاستقرار في إثيوبيا عندما كانت تمسك بزمام السلطة، وحققت نموًّا اقتصاديًّا كبيرًا لمدة عقد من الزمان. إلا أن هذا التقدم جاء على حساب الحقوق المدنية الأساسية؛ إذ سُجن منتقدو الحكومة أو نُفُوا من البلاد، كما أن التعذيب كان شائعًا في مراكز الاحتجاز. وفازت جبهة تحرير شعب تيجراي في الانتخابات المتتالية بنسبة 100% من الأصوات.

Embed from Getty Images

وفي ذلك الوقت، كان السيد ديبريسيون يتمتع بسمعة طيبة بوصفه تكنوقراطيًّا بسيطًا. وشغل منصب وزير الاتصالات وترأس شركة الكهرباء في إثيوبيا حيث أشرف على بناء سد لتوليد الطاقة الكهرومائية بقيمة 4.5 ملايين دولار، والذي سيكون عند اكتمال إنشائه الأكبر في أفريقيا.

ولكن في الوقت الذي كدَّرت فيه الاحتجاجات الشعبية ضد حكم قيادة تيجراي منذ عام 2015 صفو إثيوبيا، وفيما قتلت الشرطة مئات المتظاهرين، برز السيد ديبريسيون داخل الحزب. ويقول محللون إنه كان يُنظر إليه على أنه الشخصية الأصغر سنًّا والأكثر اعتدالًا من أولئك المنغمسين في القومية تجاه تيجراي، والذين سيطروا على الحزب على مدى عقود. ولكن اندلاع الحرب غيَّر كل شيء. 

وقال السيد آبي إنه ليس أمامه خيار سوى شن عمل عسكري بعد شهور من التوترات السياسية، وعندما هاجمت قوات تيجراي قاعدة عسكرية في الرابع من نوفمبر. إلا أن السيد ديبريسيون طَعَن في صحة هذه الرواية، وقال إن القوات الإثيوبية كانت تحتشد على حدود تيجراي على مدى أيام استعدادًا للهجوم. وقال إنه كان على معرفة مسبقة بهذه الخطط؛ وذلك لأن عِرقية تيجراي تمثل 40% من كبار الضباط في الجيش الإثيوبي الذين انشق منهم كثيرون في الأيام الأولى من الصراع.

شرارة الحرب الأهلية في إثيوبيا

يذكر التقرير على لسان السيد ديبريسيون أنه في البداية، فوجئت قوات تيجراي بوابل من ضربات الطائرات من دون طيار ضد المدفعية وخطوط الإمداد الأمامية التي قال إن الإمارات العربية المتحدة، حليف كلٍّ من السيد آبي وقائد إريتريا أسياس أفورقي، قد نفذتها. ولم يرد المتحدث باسم الإمارات على هذه الادِّعاءات بشأن هجمات الطائرات المسيَّرة. وقال السيد ديبريسيون إنهم بذلك غيَّروا مسار الحرب. وقال: «لولا الطائرات المسيَّرة لكانت المعركة مختلفة». 

Embed from Getty Images

وصعَّد أفراد التيجراي، مدعومين بالتدفق الهائل للمجندين الجدد، من عودتهم الدرامية قبل الانتخابات الإثيوبية في 21 يونيو (حزيران). ومع إلغاء التصويت في تيجراي، هاجمت القوات الإثيوبية قوات دفاع تيجراي في معقلها في جبال تمبيان غرب ميكيلي. وردَّ جنود تيجراي على الهجوم بقوة، وفي غضون أيام اجْتِيحت العديد من القواعد العسكرية وأُسِر الآلاف من الجنود الإثيوبيين.

وقال السيد ديبريسيون إنه يمكن أن يُطلَق سراح الأسرى الإثيوبيين الذين ساروا عبر ميكيلي يوم الجمعة، ولكنه سيبقي على الضباط منهم. 

ودعا المجتمع الدولي إلى ضمان المساءلة عن الفظائع التي ارتُكِبت في تيجراي في الأشهر الأخيرة – المذابح والاغتصاب واستخدام التجويع سلاحًا حربيًّا. كما اتُّهم بعض سكان تيجراي بارتكاب انتهاكات خلال الصراع. إلا أن السيد ديبريسيون رفض التحقيق الذي تقوده الأمم المتحدة، والذي يجري جنبًا إلى جنب مع تحقيق تجريه منظمة حقوقية تابعة للحكومة الإثيوبية. وقال: «من الواضح جدًّا أنهم منحازون». وحذَّر من أنه إذا حاول السيد آبي حشد قواته في المناطق المتاخمة لتيجراي مرةً أخرى، فسيرسل المقاتلين لاعتراضها على الفور.

وفي الأيام الأخيرة، اقترح بعض قادة تيجراي أن تسير قواتهم نحو أسمرة، عاصمة إريتريا، لإطاحة السيد أفورقي المعادي لهم منذ زمن. ولكن السيد ديبريسيون بدا أكثر حذرًا، وقال إن قوات تيجراي ستقاتل لدفع القوات الإريترية عبر الحدود، ولكن ليس بالضرورة أن تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. وأضاف: «علينا أن نكون واقعيين، نعم نود أن نزيح أسياس عن السلطة، ولكن في النهاية هذا واجب الإريتريين».

ميكيلي المبتهجة في مواجهة الجوع

ويختم التقرير بالقول إن الأجواء المبهجة التي عمَّت ميكيلي الأسبوع الماضي، حيث اندفع المقاتلون ليقضوا بعض الوقت مع عائلاتهم، وآخرون انطلقوا يحتفلون في مطاعم المدينة ونواديها الليلية، تمثل أيضًا تحديًا للسيد ديبريسيون. إذ قد تتبدد هذه الحالة المزاجية السعيدة في الأسابيع المقبلة عندما يضرب نقص الوقود والغذاء ميكيلي المحاصرة الآن من الجهات الأربع. وتقول منظمات المساعدة إن الفئات الأكثر ضعفًا من سكان تيجراي سيتضوَّرون جوعًا إذا لم تسمح حكومة السيد آبي بوصول المساعدات الأساسية.

وقال السيد ديبريسيون إنه حتى لو انتهى الصراع قريبًا، فإن مستقبل تيجراي بوصفها جزءًا من إثيوبيا يبقى موضع شك. وأضاف: «إذا كانوا لا يريدوننا، فلماذا نبقى؟» وختم بالقول: «لم يُقرَّر أي شيء بعد، الأمر يعتمد على السياسة التي يفرضها الواقع».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد