دعت جريدة «الجارديان» البريطانية إلى فتح تحقيق في التجاوزات التي ترتكبها إسرائيل داخل أراضي المملكة المتحدة، وذلك على خلفية المؤامرة التي كشفها تحقيق استقصائي لقناة الجزيرة وأظهرت أن السفارة الإسرائيلية في لندن ضالعة في محاولة للإطاحة بوزير من حكومة المحافظين بسبب موقفه السياسي الرافض للاستيطان الإسرائيلي.

وقالت «الجارديان» في افتتاحيتها الأربعاء التي ترجمتها «عربي21» بالكامل إن «في إسرائيل حكومة يمينية متطرفة تقود البلاد بعيدًا عن طريق السلام وقد اكتسبت مزيدًا من العنفوان بفضل الإدارة الأمريكية القادمة. وينبغي على وزراء الخارجية الذين يجتمعون نهاية هذا الأسبوع أن يتكلموا جميعًا بلسان واحد ضد مثل هذه التحركات».

وفي ما يأتي النص الكامل لافتتاحية «الجارديان»:

ما فتئت إسرائيل خلال الأسابيع القليلة الماضية يرد ذكرها باستمرار في عناوين الأخبار لأسباب متعددة ولكن غير مواتية. هناك الاصطدام الذي وقع مع إدارة أوباما التي توشك فترتها على الانقضاء لأنها، وانسجامًا مع السياسة المتبعة على مدى عقود تجاه المستوطنات، اختارت أن تمتنع عن التصويت على قرار لمجلس الأمن الدولي بدلًا من ممارسة حقها في استخدام الفيتو لإعاقته. وقد شاعت أخبار بصدور تهديدات بشن الحرب على الدول التي صوتت لصالح القرار. وكانت هنالك أيضا قضية الجندي الإسرائيلي الذي حكم عليه بالسجن لإطلاقه النار على مهاجم فلسطيني بعد أن أصيب بجروح جسيمة، وعلى إثر ذلك شهدت البلاد ما وصفته الصحف الإسرائيلية بـ«البلطجية» ينهالون على القضاة وعلى الجيش في محاولة لتخويفهم والضغط عليهم. وبينما انهمك الرعاع والغوغائيون في البصق والشتم، ذهب السياسيون الإسرائيليون يصبون الزيت على النار بدلًا من تهدئة الخواطر وتلطيف الأجواء. وأخيرًا، حدث في بريطانيا هذا الأسبوع أن اعتذر السفير الإسرائيلي لوزير الدولة في الخارجية البريطانية السير ألان دانكن بعد أن ضبط مسؤول في السفارة في فيلم صور له سرًّا وهو يتآمر على «الإطاحة» بأعضاء في البرلمان بما في ذلك السير ألان لأنهم يؤيدون قيام الدولة الفلسطينية.

لا يوجد تهمة يمكن أن توجه لسفارة أجنبية أخطر من القول إن أحد موظفيها يتدخل في شؤون الحكومة البريطانية. أحد الوزراء كتب مقالًا في صحيفة «ذي ميل أون صنداي»، دون أن يوقعه باسمه ليقي نفسه مما قد يلحق به من إساءة وتشويه، زعم فيه أن السياسيين البريطانيين خضعوا لجماعات الضغط الإسرائيلية فهم «يأخذون المال من المتبرعين ويسمحون للنفوذ الإسرائيلي بالتدخل في صياغة السياسية بل وحتى في تقرير مصير الوزراء».

في الأسبوع الذي سبق الكشف عن هذه القصة مباشرة انتقدت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بشدة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، لأنه نعت الحكومة الحالية في إسرائيل بما هو فيها فعلًا، حيث قال إنها «أكثر حكومة يمينية في تاريخ إسرائيل وذات أجندة تفرضها أكثر العناصر تطرفًا».

إما أن ذلك كان تدخلًا غبيًّا من قبل رئيسة الوزراء –أخذًا بالاعتبار أن بريطانيا ساعدت في الترتيب لعملية التصويت التي جرت في مجلس الأمن الدولي– أو أنه محاولة جبانة للتزلف بعد أن تعرضت للتوبيخ من قبل تل أبيب. لا هذا ولا ذاك يبشر بخير في ما يتعلق بالسيدة ماي. ثمة حاجة الآن إلى فتح تحقيق في ممارسة إسرائيل للنفوذ في هذا المجال الأكثر حساسية ضمن السياسة الخارجية للبلاد لمعرفة ما إذا كان ثمة عملية إفساد تمارس داخل البرلمان أو داخل الحكومة.

لقد أعلنت وزارة الخارجية أن ملف القضية أغلق، لكن لا ينبغي بتاتًا أن ينتهي الأمر هكذا. كان كريسبين بلانت، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان، قد انتخب لهذا الموقع على أن يقوم بالنظر في نشاط مجموعات الضغط الفلسطينية والإسرائيلية على حد سواء ومعرفة تأثير ذلك على السياسة البريطانية في الشرق الأوسط. ينبغي أن تتسع صلاحيات التحقيق الذي تقوم به لجنته لتشمل البحث في ما إذا كان أي من الجانبين يمارس نفوذًا ضارًّا بالسياسة البريطانية.

الذي حدث هو أنه بينما التزم باراك أوباما بنص السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية إزاء المنطقة، يقول خلفه إنه لن يلتزم. وقام السيد ترامب بترشيح دافيد فريدمان سفيرًا للولايات المتحدة في إسرائيل، وفريدمان هذا هو أحد المتبرعين الذين يمولون حركة الاستيطان، والذي يمكن اعتباره أكثر يمينية من بنجامين نتنياهو نفسه.

كما أن عائلة زوج ابنة السيد ترامب ومستشاره للشرق الأوسط، جاريد كوشنر، تبرعت هي الأخرى لتمويل الاستيطان غير المشروع.

ما من شك في أن ذلك يناسب السيد نتنياهو، الذي يترأس ائتلافًا حكوميًّا يتكون من اليمينيين المتطرفين المتهمين بأنهم يرون الديمقراطية كما لو كانت مرادفة لحكم الأغلبية الذي لا يخضع لأي ضوابط. نجم عن هذه الأجواء السياسية تغيير في طريقة تفكير الناس في المجتمع الإسرائيلي: ففي استطلاع للرأي أجري في العام الماضي قال أربعة أخماس المستطلعة آراؤهم إنه ينبغي منح اليهود الأفضلية ومعاملة تميزهم عن غيرهم، وقال نصفهم إنه ينبغي طرد العرب من البلاد.

يقود هذا التوجه اليميني المتصاعد إلى وضع يصبح فيه احتلال الضفة الغربية كما لو كان وضعًا دائمًا، الأمر الذي يمهد لمزيد من ضم الأراضي. سوف تجد إسرائيل صعوبة في أن تكون دولة يهودية وديمقراطية إذا لم يحصل الفلسطينيون على دولة خاصة بهم.

ينبغي على وزراء الخارجية الذين يجتمعون نهاية هذا الأسبوع لمناقشة عملية السلام أن يذكروا السيد نتنياهو إلى أين يتجه.

لو صادق السيد ترامب على أن القدس هي عاصمة إسرائيل من خلال نقل سفارة الولايات المتحدة الأمريكية إليها –بموجب قانون صادر عن الكونغرس لم ينفذه أي من الرؤساء السابقين– فإن ذلك سيكون كارثيًّا على عملية السلام.

يحاول السيد نتنياهو الظهور بمظهر الرجل القوي رغم أنه الآن يتعرض لمزاعم بالفساد واستغلال النفوذ لتحقيق مصالح شخصية. لا ريب في أنه لم يزل رئيس وزراء ضعيف يحكم من خلال الاستحواذ على حقائب متعددة داخل الحكومة. في هذه الأثناء يستمر خطاب ردود الأفعال في الهيمنة دون ضابط أو رقيب، الأمر الذي يقود حتمًا إلى الهاوية.
هذا المحتوى نُقل عن عربي 21.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد