عندما يقف الطبيب في غرفة العمليات، يكون أمرًا مرهقًا أن يتابع العديد من الشاشات التي تعرض كل منها فيديو من إحدى الأجهزة الطبية. لذا يجب أن نفكر في إنترنت الأشياء (internet of things (IoT لتبسيط عملية إدارة الكثير من الأنظمة. أساليب الصحة الرقمية digital health يمكن أن تؤدي إلى تحسن كبير في العناية بالمرضى. وفي نفس الوقت يمكن للمستشفيات ببعض الاستثمارات في إنترنت الأشياء أن تقلل نسبة واضحة من مصروفاتها التي عانت كثيرًا من زياداتها المطردة. لذا يمكننا أن نتوقع أن يمثل الطب بصورة عامة والمستشفيات بصورة خاصة جزءًا رئيسيًا في سوق إنترنت الأشياء الذي قدرت شركة سيسكو وصوله لما يساوي ١٩ مليار دولار في العام ٢٠٢٠.

تتسبب كمية الشاشات في غرفة العمليات في إعياء الفريق الطبي!

إذا نظرنا فقط إلى الجراحة سنجد أن التطبيقات المستقبلية لإنترنت الأشياء يبدو فيها شيء ليس بعيد المنال. وقد بدأت بالفعل ثورة في الجراحة نتيجة لمزيج من إنترنت الأشياء، البيانات العملاقة big data والتحليلات المتقدمة، بالإضافة إلى الأجهزة الطبية الذكية. وفي السطور التالية مثالًا واقعيًا يوضح ذلك.

آلاف ممن يعانون من اضطراب في ضربات القلب وهو مرض خطير جدًا وقد يتسبب في نوبات قلبية أو سكتات قلبية قاتلة. هناك بعض الأدوية التي تهدأ من الأعراض لكنها لا تعالج المرض ولا يمكنها إزالة أنسجة القلب التالفة المسؤولة عما يسمى الرجفان الأذيني atrialfibulation (AFib) المسبب لذلك المرض.

إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA تقوم الآن بفحص برنامج مقدم لها لحل تلك المشكلة. يقوم ذلك البرنامج باستئصال الأنسجة التالفة عن طريق حرقها بالليزر. ويتم ذلك عن طريق وضع قسطرة داخل القلب للقيام بمحاولة استئصال الأنسجة التالفة المسببة للرجفان الأذيني. كل جهاز قسطرة متصل بشاشة لعرض البيانات التي تقاس عن طريق القسطرة من داخل القلب. لكن الفكرة هنا أن نقل البيانات المنقولة بين الشاشة والقلب لا يقف عند هذه المرحلة مثل ما يحدث مع الأجهزة الأخرى.

الشركة المطورة للبرنامج هي شركة ناشئة في وادي السيليكون Silicon Valley تعمل مع شركتين من الأقوياء في مجال إنترنت الأشياء؛ شركة ثنج وركس ThingWorx وشركة جلاس بيم Glassbeam، لتطوير منتج أكثر قوة. قامت الشركة الأولى بتطوير القسطرة لترسل بيانات مشفرة للشبكة وتكون الشركة الثانية مسؤولة عن تحليل تلك البيانات، فتقوم بتحويل البيانات غير المنظمة إلى بيانات منظمة في هيئة تقارير تساعد على تحسين أداء الجراحين. وهذه اليبانات تساعد شركات المعدات والأجهزة في زيادة عدد ساعات العمل لكل قسطرة. ويمكن أيضًا بنفس الفكرة زيادة ساعات عمل أجهزة الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي لأن تلك البيانات يمكن أن يكتشف منها إذا كان أحد الأجزاء – حتى المتناهية في الصغر منها – قد بدأ يضعف أو يعطل مما يتطلب الإصلاح، وبالتالي يزيد عمر الجهاز.

كيف يوفر ذلك من نفقات المستشفى؟ الوقت الضائع في عدم القدرة على استخدام الأجهزة الطبية غالية القيمة مثل أجهزة الرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية نتيجة الأعطال يؤدي إلى خسائر كبيرة للمستشفى، حيث أنها لا تحقق عائدًا من علاج المرضى في تلك الفترة. ولكن الأهم من ذلك هو أن المرضى لا يستفيدون بالجهاز على الوجه الأمثل.
وهنا يُطرح سؤال، كيف يتم ذلك؟

تخيل قسطرة مثل التي نتحدث عنها، رفيعة بصورة كافية حتى يسمح لها أن تمر في الشرايين لتدخل إلى داخل القلب وتتحرك داخله حتى تصل إلى الألياف التالفة المسؤولة عن الرجفان الأذيني.

رحلة القسطرة داخل الشريان الأورطي البطني حتى تصل إلى الموقع المتضرر المسبب للرجاف الأذيني.

رحلة القسطرة داخل الشريان الأورطي البطني حتى تصل إلى الموقع المتضرر المسبب للرجاف الأذيني.

باستخدام القسطرة والشاشة المتصلة بها يتمكن الجراح من تحديد منطقة الأنسجة التالفة التي تحتاج لإزالتها، ومن ثم يقطعها بأشعة الليزر الملحقة بالقسطرة، ويتم علاج المريض.

شركة ثنج وركس قامت بإضافة حساسات sensors للأجهزة الطبية لتكون أشياء (جهاز يتواصل مع الشبكة أو ما تسمى السحابة cloud ويرسل ويستقبل بيانات من الأشياء الأخرى عن طريق الشبكة). وعن طريق تلك البيانات المرسلة للشبكة يستطيع البرنامج المطور من شركة جلاس بيم أن يحلل تلك البيانات غير المنظمة ويتعرف على أي خلل. حل المشاكل الصغيرة قبل أن تصبح خطيرة وتتسبب في عطل الأجهزة غالية الثمن كثيرة الاستخدام مثل أجهزة الرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية وخلافهما هو الفائدة الأعظم لتلك الطريقة من الصيانة عن طريق التنبؤ.

يعمل في المستشفيات الكثير من الناس ويوجد بها كثير من الأشياء التي تتحرك كثيرًا، وتشكل عملية متابعة تلك الموارد من أجهزة الرنين المغناطيسي إلى أسرة بقيمة عشرات الآلاف من الدولارات عملية صعبة. وكما ناقشنا في المقال، يجب أن يلتفت صناع القرار في مجال الطب كما في المجالات الأخرى أن يلاحظوا ما قام به تحالف ثنج وركس وجلاس بيم. عما إذا كان ذلك المجال هو الرعاية الصحية أو الزراعة أو الشبكات أو التصنيع فإن الاستخدام الأمثل والأكثر فاعلية للأدوات هو شرط أساسي للبقاء في المنافسة.

ويتحدث كريس كنتس Chris Kuntz نائب رئيس برامج النظام البيئي Ecosystem في شركة ثنج وركس عن تلك القسطرة قائلًا: “تخيل لو تم دمج البيانات الآتية عن طريق تلك القسطرة من القلب مع البيانات الآتية من أجهزة رسم القلب مع أجهزة الرنين المغناطيسي مع الأبحاث الدوائية مع أجهزة القياسات الطبية الشخصية مع أجهزة مراقبة الدم مع مئات الأجهزة الطبية الأخرى. هذا يعرض لنا كيف تقود إنترنت الأشياء ثورة في الرعاية الصحية”.

وقال بونيت باندت PuneetPandit المدير التنفيذي لشركة جلاس بيم: “بفضل شراكتنا مع ثنج وركس استطعنا أن نحصل على تلك البيانات من القسطرة وأنشأنا منها بيانات تتيح لصانعي القرار في المستشفيات والشركات المصنعة والأطباء الاستفادة والتعلم منها”. وقد أضاف باندت “باستخدام ذلك الكم الهائل من البيانات الحيوية القادمة من القسطرة يمكن الإجابة على العديد من الأسئلة. مثلًا يمكن معرفة حالة الجهاز وهل يؤدي العمل بكفاءة. ما طول فترة الجراحة؟ من كان أكثر الجراحين كفاءة؟ من منهم يحتاج إلى تدريب أكثر؟
ونتيجة لهذا البرنامج، أصبح استخدام تلك الأدوات المتطورة وتدريب الجراحين على استخدامها يؤدي إلى نتائج أفضل للمرضى.

فجر عصر جديد مشرق: البيانات غير المنتظمة عندما يتم تجميعها مع بيانات أخرى من أشياء أخرى تؤدي إلى معرفة تقلل نسبة الوقت غير المستغل للأجهزة الغالية كثيرة الاستخدام مما يقلل تكاليف المستشفيات. والأهم من ذلك هو الزيادة الكبيرة لكفاءة العناية بالمرضى كنتيجة لكثرة الأشياء المتصلة ببعضها. وينطبق ذلك على كل المجالات. إذا انتبهنا لتحديات الخصوصية، هذا بمثابة رحلة إبحار إلى عالم جديد.

لم تعد المستشفيات التي تقدم عناية للحالات الحرجة تحتاج للانتظار حتى يتعطل جهاز الرنين المغناطيسي ليعرفوا أن مشكلة ما موجودة. يمكن أن يتم إصلاح تلك المشكلة قبل أن تتضخم. فهذه التكنولوجيا تسمح بمعرفة أن هناك مشكلة في جزء ما بسهولة عن طريق ملاحظة البيانات غير المنتظمة التي يرسلها الجهاز، وهذا مثال لقوة الصيانة عن طريق التنبؤ. لم تعد هناك حاجة لانتظار حدوث العطل، وستتمكن المستشفيات من توفير أموال طائلة عن طريق الصيانة عن طريق التنبؤ لجميع الأجهزة الطبية الغالية كثيرة الاستخدام.

بالطبع يوجد بعض القلق بشأن الخصوصية وحماية بيانات الأدوات، لذا وجود طرف مثل ثنج وركس مسؤول عن تأمين التواصل والاتصال هو أمر ضروري. هناك قوانين ناشئة تحاول تنظيم أمر الخصوصية وحماية البيانات. توفير البيانات عن طريق التحليل التطبيقي للأطباء وقت احتياجهم لها فقط يقلل من المخاطر والقلق بخصوص مسؤولية حفظ البيانات. إنترنت الأشياء ستلعب دورًا كبيرًا في تقليل مصروفات المستشفيات وستقدم للأطباء معلومات للتأكد من أفضل عناية ممكنة بالمرضى بعد أية عملية، سواء كانت تغيير شرايين القلب أو عملية لعلاج سرطان أو زرع قلب أو حتى اختبار دم بسيط.

وقال جاك ريدر Jack Reader مدير تطوير الاعمال في تنج وركس: “تخيل غرفة عمليات فيها فقط القليل من الشاشات، وتتواصل فيها الأجهزة المختلفة مع بعضها وتتبادل البيانات فيما بينها وأيضاً مع آلاف الأنظمة الطبية داخل وخارج المستشفى. هذه الابتكارات ستزيد المعرفة والذكاء في اتخاذ القرارات وستقلل التكاليف بالنسبة للمستشفى مع تحسين العائد على المرضى.”

ذلك التطور في المعلومات التي يمكن الحصول عليها والعائد الصحي الأكثر إيجابية هو ظاهرة لم نكن نتوقع ان نصل لها في تلك المرحلة المبكرة في بدايات عصر إنترنت الأشياء. كلما تم تطبيق إنترنت الأشياء مبكرا داخل المستشفيات، كلما كان أسرع ان يتوقع المرضي حياة أكثر صحة في مستشفيات تدار بطريقة أفضل. هذا مجرد بداية لعصر جديد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد