نشرت مجلة «فورين أفيرز» تحليلًا، بقلم كولين ب. كلارك، وأريان م. طباطبائي، تناول الأوضاع القائمة في أفغانستان – حيث تتصارع كلٌّ من إيران وأمريكا – والسيناريوهات المحتملة بعد انسحاب القوات الأمريكية من البلاد.

ويلقي الكاتبان الضوء على محاولات كلا البلدين الاحتفاظ الآمن بمناطق نفوذهم، بما يحقق مصالحهما القومية، مستخدمَين في ذلك أدواتهما المختلفة، حتى لو كان ذلك على حساب الشعب الأفغاني، وأمنه، ووحدة أراضيه.

يشير كاتبا المقال كولين ب. كلارك، كبير الباحثين في مركز صوفان، وكبير العلماء السياسيين في مؤسسة راند المستقلة، وآريان طباطبائي كبير باحثين في كلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا، إلى أن المفاوضات الخاصة بإنهاء الحرب الدائرة منذ أمد طويل بين الحكومة المركزية الأفغانية وحركة طالبان تتقدم ببطء، وتتخللها أنشطة عنيفة مفاجئة.

وغالبًا ما تشن حركة طالبان وولاية خراسان، التابعة لتنظيم الدولة، هجمات على قوات الأمن الأفغانية والمدنيين، إذ تستهدف «ولاية خراسان» مرارًا وتكرارًا المجتمعات الشيعية.

ومن المرجح أن تتطلب أي تسوية سحب الولايات المتحدة لمعظم القوات المقاتلة من البلاد. ويتوق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى مغادرة أفغانستان بعد ما يقرب من عقدين من الزمان، ويخطط لمراجعة عدة خيارات لخفض مستويات القوات هناك، وهو أمر يمكن أن يحدث بسهولة بحلول نهاية العام.

لكن الكاتبين يحذران من أن خفض الوجود الأمريكي يمكن أن يوفر لإيران فرصة لتوسيع نفوذها في أفغانستان. فلطالما شعرت طهران بالقلق من حالة عدم الاستقرار القائمة في جارتها الشرقية، حيث دفعت عقود من الصراع مئات الآلاف من اللاجئين الأفغان إلى إيران، التي امتنعت حتى الآن عن اتخاذ أنواع من الإجراءات التدخلية في أفغانستان، على عكس ما فعلت في العراق، وسوريا، واليمن، حيث يعمل وكلاؤها بالنيابة عنها.

لكن سيتاح لإيران الآن مساحة أكبر للمناورة، وربما تميل إلى التدخل في الشؤون الأفغانية بقوة أكبر، لحماية مصالحها الداخلية وتقويض مصالح الولايات المتحدة، على حد قول الكاتبين.

سياسة

منذ 5 شهور
«مودرن دبلوماسي»: النشاط البحري الإيراني.. ماذا يخبرنا عن التنافس في بحر قزوين؟

البحث عن الاستقرار في ظل غياب الثقة

تتناطح كلٌّ من طهران وواشنطن في أجزاء كثيرة من الشرق الأوسط، لكنهما تتقاسمان أهدافًا مشتركة في أفغانستان. إذ دعمت إيران جهود الولايات المتحدة في أعقاب الغزو الأمريكي الذي جرى في أواخر عام 2001 في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) الإرهابية، وساعدت في بناء التحالف الذي حلَّ محل حركة طالبان في كابول.

Embed from Getty Images

وشدد المسؤولون الإيرانيون، خلال المفاوضات المبكرة التي جرت بعد الغزو، على أهمية إجراء انتخابات ديمقراطية في حقبة ما بعد طالبان. واليوم، ليس لدى إيران ولا الولايات المتحدة أي رغبة في رؤية «ولاية خراسان» وهي تزداد قوة في البلاد.

ويذكر الكاتبان أن إيران بحاجة إلى الاستقرار في أفغانستان، حيث تشترك الدولتان في حدود يسهل اختراقها، وغالبًا ما تمتد عواقب الاضطرابات في أفغانستان إلى الأراضي الإيرانية. وتُعد إيران موطنًا لمئات الآلاف من اللاجئين الأفغان؛ كما أنها طريق رئيسي لتهريب الأفيون إلى أوروبا.

وكان البلدان على شفا حربٍ في ذروة حكم طالبان، أواخر التسعينيات من القرن الماضي، عندما قتلت طالبان في شهر سبتمبر عام 1998 عدة دبلوماسيين إيرانيين في مدينة مزار شريف، شمال أفغانستان. وتعهد قادة إيران بالانتقام ونشروا آلاف القوات في المنطقة الحدودية.

يشير الكاتبان إلى أن انعدام الثقة المستمر بحركة طالبان يقود دفة التفكير الإيراني بشأن نتيجة المناقشات الجارية داخل أفغانستان خلال هذه المرحلة. إذ تخشى طهران من عناصر طالبان الأكثر تشددًا، وتريد أن تظل هذه الفصائل، التي غالبًا ما تكون قريبة من باكستان والمملكة العربية السعودية، بعيدة عن السلطة في أي حكومة مركزية جديدة.

فمع أن العناصر الأكثر تشددًا في حركة طالبان ذات الأغلبية السنية، ربما ليست متعصبة مثل «ولاية خراسان»، فإنها لا تستسيغ إيران، التي تُعد مركز ثقل الشيعة في المنطقة؛ وهذا الشعور متبادل بين الطرفين.

ومع ذلك، إذا كان العمل مع حكومة مركزية في كابول، تضم عناصر من طالبان، سوف يساعد طهران على حماية مصالحها الأساسية؛ فإن طهران مستعدة لفعل ذلك. في الواقع، حاولت إيران خلال السنوات الأخيرة إصلاح علاقتها وتقويتها مع بعض فصائل طالبان من خلال المبادرات الاقتصادية، والدبلوماسية، والأمنية.

هل يروق الوضع الراهن لطهران؟

تشير المجلة المهتمة بتحليل الشؤون الدولية إلى أن المصالح السياسية والاقتصادية الرئيسية لإيران في أفغانستان تشمل الحفاظ على وصول السلع الإيرانية إلى السوق الأفغانية، وحماية البلاد من انعدام الاستقرار على طول حدودها.

فما يزال الاقتصاد الإيراني يعاني من آثار العقوبات الأمريكية والاضطرابات الناجمة عن أزمة فيروس كورونا المستجد. ويخشى المسؤولون من أن تدفع الفوضى في أفغانستان إلى نزوح موجة أخرى من اللاجئين عبر الحدود، ولن يكون بمقدور إيران حينها تحمُّل مثل هذا الاضطراب.

كما أدت جائحة فيروس كورونا المُستجد إلى تفاقم المعاناة والفقر القائمين منذ فترة طويلة بين اللاجئين في إيران، الذين يجدون صعوبة بالفعل في الحصول على العمل والرعاية الصحية.

Embed from Getty Images

صحيح أن إيران رحَّلت آلاف الأفغان، لكن وقوع المزيد من العنف يمكن أن يؤدي إلى تدفق جديد للاجئين. لذلك، تفضل إيران إلى حد كبير استمرار الوضع الراهن، الذي يوفر على الأقل قدرًا من الاستقرار الذي يسمح لطهران بالتركيز على أولويات أخرى تعدها أكثر إلحاحًا، خاصة مع مواجهة البلاد موجة قوية أخرى من الإصابات الجديدة بفيروس كورونا المُستجد وارتفاع عدد حالات الوفاة اليومي إلى رقم قياسي.

ومع ذلك، هناك ظروف قد تشعر فيها إيران بأنها مضطرة للتدخل في الشؤون الأفغانية. وربما تُقدِم طهران على ذلك إذا وجدت أن الحكومة المركزية، التي تمسك بزمام الأمور في كابول بعد التوصل لتسوية تفاوضية، حكومة غير مقبولة بالنسبة لها، لأن الفصائل المتشددة من حركة طالبان، على سبيل المثال، تلعب دورًا قياديًّا فيها، وتسعى لتحدي المصالح الإيرانية في أفغانستان.

وفي هذه الحالة، يمكن لإيران نشر قوات في غرب أفغانستان لتكون بمثابة حاجز صد ضد أي اضطراب واسع النطاق. وقد ترغب إيران أيضًا في التصرف إذا أثبتت الحكومة الأفغانية أنها غير قادرة على قمع «ولاية خراسان» بفعالية، وإذا استمرت الجماعة الإسلامية المتشددة (طالبان) في تشكيل تهديد مباشر للمصالح الإيرانية، وكذلك للتجمعات الشيعية.

وفي هذه الحالة، قد يصل القادة الإيرانيون إلى استنتاج مفاده أن ميليشياتها يمكنها توفير تأمين أفضل للمواقع المهمة، ودحر «ولاية خراسان» بكفاءة أكبر من قوات الأمن الأفغانية.

جبهة جديدة ضد الولايات المتحدة في أفغانستان

يرى كاتبا المقال أن إيران إذا قررت إقحام نفسها أكثر في الشؤون الأفغانية، فلديها أدوات قوية لفعل ذلك. إذ يتمتع القائد الجديد لقوات التدخل السريع التابعة للحرس الثوري الإسلامي (قوة القدس) في إيران، العميد إسماعيل قاآني، بخبرة طويلة في أفغانستان، حيث لعب دورًا عملياتيًّا في تجنيد الأفغان للقتال من أجل طهران في الحرب التي نشبت بين إيران والعراق خلال ثمانينيات القرن الماضي، ومحاربة حركة طالبان خلال حقبة التسعينيات.

وقدمت إيران معلومات استخبارية ودعمًا بالوكالة للغزو الأمريكي لأفغانستان، ودعمت العملية التي تلت استبدال حكومة وحدة وطنية بطالبان. ويتمتع قاآني بمعرفة عميقة بالأعمال التي تجري على الحدود بين إيران وأفغانستان؛ من نشاط مكافحة تجار المخدرات والمهربين والجماعات الإجرامية الأخرى.

وتزود هذه التجربة العميد قاآني بفهم جيد لحالة عدم الاستقرار في المنطقة، والتهديدات القائمة على طول الحدود، كما تمنحه حسًّا أكثر دقة بالظروف التي ربما تتطلب إجراءً إيرانيًّا أكثر قوة.

Embed from Getty Images

ولكن ربما تكون الوسيلة التي يرجح أكثر أن تستخدمها إيران للتدخل في أفغانستان  هي القوة شبه العسكرية التي نشرتها طهران في أماكن أخرى لتحقيق تأثير كبير. إذ قامت إيران بعمل مثير للإعجاب من خلال إنشاء كتائب من المقاتلين الشيعة الأجانب للانضمام إلى الحرب في سوريا.

ويأتي العديد من هؤلاء المجندين من أفغانستان وباكستان. وانضم المقاتلون الأفغان إلى لواء فاطميون، وهي قوة قوامها ما بين 10 آلاف إلى 15 آلف رجل ممن شهدوا القتال في حلب، ودمشق، واللاذقية، ومنطقة القلمون.

إعادة نشر المقاتلين الشيعة في أفغانستان

تتابع المجلة تحليلها قائلة: مع احتمال انتهاء النزاع في سوريا، يمكن لإيران إعادة نشر المقاتلين الشيعة الأفغان في أفغانستان؛ لتوسيع نطاق وصولها في جميع أنحاء المنطقة، أو لإبقاء أي تصعيد كبير محتمل من جانب «ولاية خراسان» تحت السيطرة.

فتلك الجماعة الإرهابية تتمتع بالقدرة على أداء أعمال عنف مذهلة وفظيعة – على حد وصف التحليل- بما في ذلك الهجمات المروعة التي وقعت في شهر مايو (أيار) والتي استهدفت موكب جنازة، وقسم الولادة في أحد المستشفيات.

وفي الوقت الحالي، ما يزال مقاتلوها يتدفقون في الغالب على الجزء الشرقي من أفغانستان بالقرب من الحدود مع باكستان، بعيدًا عن إيران. لكن إذا تقرر تغيير ذلك، فسوف تتغير حسابات طهران أيضًا. وأثبت تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أنه مستعد وقادر على شن هجمات على الأراضي الإيرانية، كما فعل التنظيم في شهر يوليو (تموز) عام 2017.

ويلفت الكاتبان إلى أهمية القوى التي تعمل بالوكالة بالنسبة لسياسة إيران الخارجية واستراتيجيتها الكبرى. إذ نجحت قوة (فيلق) القدس في بناء علاقات مع مختلف القوى في أنحاء الشرق الأوسط، بدءًا من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن.

وما تزال مشاعر الألم تخيِّم على القادة الإيرانيين من جراء قتل الولايات المتحدة للواء قاسم سليماني في أوائل شهر يناير (كانون الثاني)، ويمكنهم أن يقرروا فتح جبهة جديدة ضد واشنطن في أفغانستان.

وربما تسعى إيران لتنظيم سلسلة من الهجمات لتسريع الانسحاب، وجعل الأمر يبدو وكأن إيران لعبت دورًا أكبر في إجبار الولايات المتحدة على التراجع. ويمكن أن تكون الهجمات متفرقة وتستهدف الإمدادات والخطوط اللوجيستية الأمريكية المستخدمة لتسهيل عملية الانسحاب، لاستحضار صور القوات الأمريكية التي تغادر فيتنام أو الصومال، الأمر الذي يزود إيران بانتصار دعائي.

Embed from Getty Images

ويمكن أن تستخدم طهران أيضًا الميليشيات الشيعية الأفغانية وكلاء عنها للنأي بنفسها عن التورط في أعمال عدائية علنية. ومن خلال لواء فاطميون وميليشيات أخرى، يمكن لإيران تعقيد المصالح الأمريكية في أفغانستان، من خلال التحريض على شن هجمات ضد الأصول الأمريكية المتبقية والشركاء المحليين، أو – على الأرجح – يمكن أن تساعد في تأمين أجزاء من أفغانستان، وتعزيز نفوذها في البلاد، ومن خلال فعل ذلك يتزايد تآكل نفوذ واشنطن الذي تضاءل بالفعل.

ويختم كاتبا التحليل بأن إيران أنفقت مليارات الدولارات لتسليح آلاف المقاتلين الأجانب في سوريا وتدريبهم وتمويلهم، بما في ذلك الأفغان. وستكون مهمة قاآني الأكثر أهمية، بديلًا لسليماني، هي: إدارة علاقة الحرس الثوري الإيراني- قوة (فيلق) القدس- بهذه القوى.

وتشير تجربته مع المقاتلين الشيعة الأفغان إلى أن هؤلاء المقاتلين على وجه الخصوص يمكن أن يكونوا على استعداد للعب دور أكثر بروزًا في سياسة إيران الخارجية. ومهما كان شكل الحكومة المُقبلة في كابول، فإن طهران ستراقب بقلق شديد حدودها الشرقية؛ حيث قد تصل إلى استنتاج مفاده أن أفضل شكل للدفاع هو التدخل.

دولي

منذ 7 شهور
بعد انسحاب أمريكا.. ما مصير حلفائها في حرب أفغانستان؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد