في اليمن، يُعاني المدنيون على يد التحالف السعودي المدعوم من الولايات المتحدة، سواءٌ بسبب عمليات القصف الجوي التي قتلت الآلاف، أو الحرب الاقتصادية التي أودت بالملايين إلى المجاعة والفاقة، مع انتشار مزاعم بتعذيب التحالف لخصومه ومنتقديه في سجونٍ سرية.

 

لكن يبدو أنَّ الانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين لا يرتكبها التحالف فقط، بل ترتكبها عدوتها اللدود، حركة الحوثيين الموالية لإيران أيضًا. وفي هذا التقريرٍ المنشور بصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، تنقل المستندات القانونية والحوارات مع الضحايا ونشطاء حقوق الإنسان صورةً قاتمة عن عمليات الاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري المُنتشرة في العاصمة صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين، بُغية تخويف وترهيب اليمنيين وإحكام سيطرتهم على تلك المناطق، عبر معاقبة أي شكلٍ من أشكال المُعارضة أو الانتقادات.

 

2018: جولة للطغاة.. فهل يكون العام الجديد للشعوب؟

 

أعوام من التعذيب

 

وفقًا لـ«واشنطن بوست»، يستهدف الحوثيون أي شخصٍ يعتبرونه معارضًا لسلطتهم وأيديولوجيتهم، وخاصةً النشطاء والصحافيين والمحامين، بل والمنتمين للأقليات الدينية والمسؤولين التنفيذيين بالشركات. يُداهم المسلحون منازلهم ليلًا، ويعتقلونهم ويضربونهم عقابًا على انتقاد حركة الحوثيين أو مخالفاتٍ بسيطة أخرى. وقلةٌ منهم يخضعون لمحاكمةٍ عادلة، أو يُتاح لهم توكيل محامين، وفقًا لنشطاء حقوق الإنسان والضحايا.

 

وقال عبد المجيد صبرة، وهو محامٍ يمثل ما يزيد عن 40 معتقلًا بسجون المتمردين، من بينهم 10 صحافيين: «ينتشر الخوف في صنعاء، ولا يجرؤ أحدٌ على إظهار رأيه الحقيقي تجاه الحوثيين في العلن، هذا هو الواقع الجديد».

 

من بين الضحايا الذين حاورتهم «واشنطن بوست» محمد أبو مفتاح، وهو محامٍ يبلغ من العمر 55 عامًا. في 2015، اتجه أبو مفتاح إلى مكتب البريد لتسلُّم راتبه الشهري، حين أوقفه مقاتلٌ حوثي ليفحص بطاقة هويته. لحظه العاثر، كان أبو مفتاح من مدينة عدن، مركز الحكومة اليمنية المُعترف بها دوليًا والمُعادية للحوثيين. وكان هذا سببًا كافيًا لاعتقاله، ولم يخرج من السجن إلا بعد ثلاث سنواتٍ في تبادلٍ للأسرى بين الطرفين.

 

يحكي أبو مفتاح لصحيفة «واشنطن بوست» عن أساليب التعذيب المروعة التي تعرض لها في المُعتقل، بين الصعق بالكهرباء والتدلي من السقف مكبل اليدين لثلاث ساعاتٍ في المرة الواحدة، والضرب بأسلاك الكهرباء المغلفة بالمطاط. ويقول: «كنتُ أعاني ألمًا شديدًا لدرجة فقدان الوعي».

 

أبو مفتاح واحدٌ من بين 13 معتقلًا سابقًا وضحية لانتهاكات الحوثيين تواصلت معهم الصحيفة. أربعة منهم فقط وافقوا على الكشف عن هويتهم، لأنَّهم فروا بعائلاتهم من الشمال الواقع تحت سيطرة الحوثيين. أما الباقون فما زالوا في صنعاء، ويخشون من تتبع العناصر المخابراتية الحوثية لهم، والتنصت المحتمل على هواتفهم.

 

الفاسدون الجدد

 

من بين المعتقلين السابقين الناشط اليمني هشام العميسي، الذي اعتقله الحوثيون في أغسطس (آب) عام 2017، بعد تغريداتٍ على تويتر اتهم فيها المتمردين بالفساد. ويقول العميسي: «الناس ساخطون. يشتكون من الجوع والاحتضار، وعدم دفع الرواتب. في حين يقود الحوثيون سيارات بورش ورانج روفر سعر الواحدة منها تصل إلى 200 ألف دولار». ويعيش قادة الحركة في قصورٍ فارهة بصنعاء، ويفرضون ضرائب باهظة على الشركات التجارية، لكنَّهم يزعمون في الوقت نفسه عجزهم عن دفع رواتب العاملين بالقطاع العام، أو مساعدة ملايين اليمنيين في مواجهة شبح المجاعة.

 

Embed from Getty Images

نساء يمنيات يحاولن مواجهة مشكلة نقص المياه النظيفة في صنعاء.

 

وبحسب الصحيفة، اتهم الحوثيون العميسي بالتجسس لحساب الولايات المتحدة، و«غسل أدمغة اليمنيين بأفكارٍ أمريكية». وفي سجون الحوثيين، قضى العميسي أسابيع في الحبس الانفرادي، واصطحبه المحققون عدة مرات إلى ما يسميه المعتقلون اليمنيون بـ«الورشة»، حيثُ تُستخدم الآلات الحادة والسكاكين في إحداث الجروح، والسلاسل الحديدية في ضرب الضحايا على ظهورهم ورؤوسهم. ورفض العميسي مرارًا أوامر الحوثيين بالاعتراف بتجسسه لحساب الولايات المتحدة على قنوات التلفاز التابعة لهم. وأُطلِق سراحه في يناير (كانون الثاني) عام 2018، وهرب من صنعاء بمُساعدة شيوخ القبائل إلى القاهرة.

 

وتحدَّث معتقلون آخرون مع الصحيفة عن تعرضهم لوسائل تعذيب إضافية، كان من أبشعها ربط الضحية في قضيب معدني وتقليبه فوق النار كدجاجة، وإدخال الثعابين الحية إلى الزنزانة. كذلك تعرض المحامي عبد الله الزبيدي لتعذيبٍ سيكولوجي، حين هدده المحققون بقتل زوجته وأطفاله أمام عينيه، ووضعوا السلاح الناري على رأسه مهددين إياه بالقتل، بالإضافة لتعرضه للصدمات الكهربائية والضرب لأشهرٍ عديدة، ما ترك ظهره في حالةٍ سيئة بعد الإفراج عنه.

 

مُرشدون في كل مكان

 

وفقًا للصحيفة، من أجل أن يُحكم الحوثيون قبضتهم على صنعاء، نشرت الحركة جواسيسها في كل مكان: في المستشفيات والفنادق والأحياء. وتلقت الوكالات الإغاثية والمنظمات غير الحكومية أوامر بتعيين ممثلين عن الحركة وموالين لها ضمن طواقمها المحلية. هذا بالإضافة إلى شكاوى مسؤولي الأمم المتحدة من عرقلة المتمردين لأعمال الوكالات التابعة لها في اليمن.

 

Embed from Getty Images

 

هذه الشبكة المتغلغلة من المرشدين سمحت للحوثيين بتوسيع نطاق استهداف الأصوات المعارضة، لتشمل حتى من يزيلون شعارات الحركة من الحوائط، أو يرسمون «جرافيتي» مناهض للحوثيين. ويؤكد العميسي قائلًا: «ما يريدونه حقًا هو إسكات أي شكلٍ من أشكال العصيان داخل صنعاء».

 

لكن ما لم يكن متوقعًا هو استجابة الحوثيين العنيفة لتظاهراتٍ خرجت فيها شابات يمنيات في السادس من أكتوبر (تشرين الأول)، احتجاجًا على ارتفاع الأسعار وتفشي المجاعة في صنعاء، مطالباتٍ بتقاضي الرواتب الشهرية المتأخرة. إذ أرسلت السلطات الحوثية موالين لها، هاجموا النساء بالخناجر والعصي والصواعق الكهربية، وفقًا لشهادات النشطاء ومقاطع مصورة بالهواتف الخلوية. وكذلك أرسل الحوثيون نساء يوصين المحتجات بتقوى الله والابتعاد عن التجمعات الاحتجاجية.

 

وبحسب الصحيفة، ترى رشا جرهوم، الناشطة اليمنية التي ساعدت بعض المحتجات في الهرب من العاصمة، أنَّ الحوثيين يعانون «جنون الارتياب»، إلى درجة أنَّ أي فعل احتجاجي هو في نظرهم مخطط من أعدائهم لإضعافهم. وتقول: «إنَّهم لا يعرفون طريقة لفرض سيطرتهم إلا بالوسائل الأمنية، شأنهم شأن أي دكتاتورية في العالم».

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد